الأقل حظًّا

العبيد السعداء: عنصرية «ديزني» التي تمنعها من تقديم «الآخَر»

لقطة من فيلم «The Jungle Book» - الصورة: Walt Disney

عندما أعلنت شركة «والت ديزني» الأمريكية إنتاج خامس أفلام التحريك الطويلة عام 1941، توقع الجميع أن يكون العمل مبهرًا بكل المقاييس. وقد كان، بالفعل. إذ شكَّل «دامبو» قفزة على صعيد الإنتاج والسيناريو والشخصيات المركبة.

كانت ديزني في تلك الفترة تتحول تدريجيًّا إلى عملاق عالمي وحيد لصناعة المحتوى الترفيهي للأطفال، بعد النجاح الضخم لثلاثة من أفلامها: «Snow White and the Seven Dwarfs» في 1937، و«Pinocchio» و«Fantasia» عام 1940، جاء «Dumbo» في 1941.

عشرات الأعوام مرت على إطلاق الفيلم (تلته نسخ مختلفة)، ولا يزال واحدًا من كلاسيكيات ديزني. لكن تعالوا نشاهده هذه المرة كراشدين، وليس أطفالًا مبهورين بالفيل الذي يحاول تعلُّم الطيران (ولا يطير عمومًا إلا في آخر دقائق الفيلم).

عُرض الشريط للمرة الأولى عام 1941، تلك الفترة التي كانت الولايات المتحدة فيها لا تزال تعيش الفصل العنصري الواضح بين البيض والسود، برعاية ومباركة قانون جيم كرو، الذي كان يكرس الفصل بين أبناء اللونين في المدارس ووسائل النقل والأماكن العامة. من هذا الواقع وُلد فيلم «دامبو». ليس فيلمًا عن العنصرية، ولا فيلمًا عن الحقوق المدنية ولا عن المساواة، بل فيلم عن فيل يتعرض للمضايقة، ويكتئب، فيتعلم الطيران. لكن في كل مشهد تقريبًا نصادف إسقاطات عنصرية، تبدو في معظمها فجَّة وواضحة ولا تحتمل التباسات.

نبدأ من شخصية «الغراب جيم» (Jim Crow)، وهو واحد من الأبطال المساندين في الفيلم. ما مشكلة جيم؟ الحقيقة أن الاسم الذي أُطلق على الغراب، «جيم كرو»، هو نفسه اسم القوانين التي تشرِّع الفصل العنصري.

يقول المدافعون عن الفيلم إن التسمية لم تكن مقصودة. طيِّب، لنفترض حسن النية، ماذا عن أشهر أغنية في العمل «Song of the Roustabouts»؟

الأغنية عن مجموعة من العمال، بشراتهم سوداء، لا وجوه لهم ولا ملامح ظاهرة، يغنون بوضوح «نعمل ليل نهار، لم نتعلم القراءة ولا الكتابة، نحن عمال سعداء. عندما يذهب الجميع إلى النوم، نُستعبد حتى نموت تقريبًا، نحن سعداء. لا نعلم متى سنتقاضى رواتبنا». أغنية سعيدة بلحن جميل، لعمال سود مستعبدين من دون وجوه، يغنون بفرح لعبوديتهم.

ديزني: الجحيم هو الآخرون

من حسن الحظ أن أغلب الأطفال لا ينتبهون لهذه التفاصيل، لكن مع تكرار الصور النمطية نفسها، تنطبع المفاهيم السلبية وتترسخ بشكل تلقائي: الشرير (إنسانًا كان أم حيوانًا) غالبًا ما يكون لونه أسود، وهو امتداد لأسطورة ساذجة عن ثنائية الخير-الشر المتمثلة باللونين الأبيض والأسود.

في «The Little Mermaid» الشخصية الشريرة «أورسورلا» بشرتها داكنة، وفي «The Lion King» الشخصية الشريرة، العم «سكار»، أسد داكن اللون أيضًا.

في دراسة بحثية أعدتها «ديانا بيكر» عام 2013، توضح أن أغلب أفلام ديزني تحمل صورًا نمطية بحق كل «آخر»، أو كل الشعوب التي ليست «بيضاء».

تلفت الدراسة إلى تفاصيل محددة قد لا تكون بديهية بالنسبة للمُشاهد: مثلًا، القرود في «The Jungle Book» عام 1967 تتحدث الإنجليزية بلكنة الأمريكيين من أصول إفريقية، وإسم ملكهم «لوي»، ويغني بطريقة تقلد بشكل واضح أسطورة الجاز المغني الأسود «لويس أرمسترونغ». «لوي» هي اختصار أو تدليل «لويس» بالطبع.

ماذا يقول الملك لوي في أغنيته الشهيرة؟ «أريد أن أكون مثلك، أن أتكلم مثلك. قرد مثلي بإمكانه أن يتعلم منك، قرد مثلي بإمكانه أن يتعلم أن يكون بشرًا».

ترى بيكر، ومعها باحثون آخرون مثل الأمريكي «آدم هولويردا»، أن الرسائل التي تحملها الأغنية تنزع الصفة البشرية عن ذوي البشرة السوداء. ويطرح هولويردا علامات استفهام عن الفيلم الذي لم يضم سوى ممثل أسود واحد فقط، وعن الصدفة الغريبة بأن يؤدي هذا الممثل شخصية الملك لوي.

يتكرر تصوير السود في مشاهد دونية، رسمها ونفذها وكتب السيناريو الخاص بها فنانون وكُتاب بيض.

في «The Little Mermaid» عام 1989، الشخصية الشريرة «أورسورلا» بشرتها داكنة، وفي «The Lion King» عام 1994، الشخصية الشريرة والمجرمة هي العم «سكار»، وهو أيضًا أسد داكن اللون يختلف عن لون أخيه وابن أخيه «الطيبان»، «موفاسا» و«سيمبا».

اقرأ أيضًا: هكذا تغير «الصوابية السياسية» مسارات السينما والتلفزيون

عام 2002 عُرض الفيلم الوثائقي «Mickey Mouse Monopoly» (احتكار ميكي) للمخرج الأميركي من أصول تشيلية «ميغال بيكر».

يجوِّل الوثائقي في تاريخ إنتاجات ديزني، ويعرض مقابلات مع أطفال وأهلهم حول الانطباعات التي تتركها لديهم أفلام ديزني الشهيرة، أي الكلاسيكيات.

يحمل الوثائقي حقائق مرعبة، بل صادمة، وربما يكون أول محاسبة أخلاقية لأعمال ديزني، تلك الشركة التي تحتكر صناعة الترفيه للأطفال، وتحتمي بجدار من البراءة المفترضة على اعتبارها «صانعة البهجة».

تروي إحدى السيدات أن ابنها سألها مرة: «لماذا يفعل السود دائمًا أشياء شريرة؟»، بينما تشير أم أخرى إلى أنها بينما كانت تتنزه مع ابنها صرخ فجأة: «هناك ضباع»، فالتفتت لترى أطفالًا سود يلعبون، لكن ابنها ربط بين لونهم والضباع السوداء الشريرة في «الأسد الملك».

الوثائقي خلق جدلًا كبيرًا وقتها، واعتبره بعض الناقدين غير موضوعي ويعرض وجهة نظر واحدة، لكن الحاصل أنه فتح الباب أمام مُساءلة المضمون الفني والثقافي والاجتماعي الذي تقدمه الشركة.

ديزني: في ضيافة السكان الأصليين لأمريكا

صوَّر فيلم «Aladdin» العرب كهَمَج، والمثال الأوضح أغنية الفيلم التي تقول: «هنا يقطعون أذنك إذا لم يحبوا وجهك. إنه أمر وحشي، لكن هذا موطني».

قد يكون أصحاب البشرات السوداء الضحايا الأوائل والمباشرين لعدد من إنتاجات ديزني، لكن مع تقدم السنين وسقوط الفصل المدني العنصري في الولايات المتحدة وبروز حركة انتقاد تجاه أعمال الشركة، اختارت الخروج من شرنقتها ودخول ثقافات أخرى، فكان فيلم «Pocahontas» عام 1995.

نظمت الشركة حملة إعلانية كبيرة لفيلمها الجديد. وقبل عرضه كانت صور البطلة قد بدأت في الانتشار بشكل هستيري في مختلف أنحاء العالم. بطلة جديدة ليست أميرة بيضاء، فتاة من سكان أمريكا الأصليين. بدا العمل فتحًا فنيًّا وثقافيًّا، يؤرخ لبداية جديدة في مسيرة ديزني.

لكن الشركة لم تخيب أمل المنتقدين: جاء الفيلم محملًا بكمية صور نمطية خاطئة، ويصور المستعمرين البيض القادمين إلى فيرجينيا أبطالًا، بينما السكان الأصليون همجيون وقتلة. أما الفتاة «بوكاهونتاس» فصارت بطلة لأنها أنقذت رجلًا أبيض من الموت (بعدما وقعت في غرامه). إنها البطلة الوحيدة في العمل بسبب تماهيها في ذهن المُشاهد مع البطل الأبيض.

يُحسب للشركة مقاربتها ودخولها عالم السكان الأصليين، وخروجها من دوائرها وصفحاتها وقصورها ناصعة البياض. لكن مجددًا: بدا «الآخر» مختلفًا وشريرًا، ولا يَكتسب طيبته ولا هالته البطولية إلا بمدى قربه من الرجل الأبيض.

في فبراير 2018، وخلال كلمة ألقتها أمام المؤتمر الوطني للأمريكيين الأصليين (تأسس عام 1944)، استعادت السيناتورة الأمريكية «إليزابيث وورن» قصة بوكاهونتاس، لكن هذه المرة القصة الحقيقية للفتاة التي تُدعى «ماتواكا»، الملقبة ببوكاهونتاس، التي اقتبس الفيلم قصتها الحقيقية.

أشارت وورن إلى التفاصيل الحقيقية، فماتواكا عند وصول الاستعمار إلى أرضها كانت طفلة في العاشرة، وما جمعها بالرجل الأبيض «جون سميث» لا يمكن أن يكون قصة حب. بشكل واضح، وفقًا للسيناتورة، تهدف قصة الفيلم فقط إلى تلميع صورة المستعمرين وغسل أيديهم من الإبادة التي تعرض لها السكان الأصليون.

جاء «بوكاهونتاس» ليعيد فتح ملف الاستسهال الذي تنتهجه ديزني في الدخول إلى رحاب ثقافات مختلفة. نقاشٌ كان أصلًا قد فُتح قبل عرض العمل بثلاث سنوات، تحديدًا مع فيلم «Aladdin» عام 1992، الذي صوَّر العرب أيضًا همجًا يتصرفون بطرق غريبة. والمثال الأوضح أغنية «Arabian Nights» التي يبدأ بها الفيلم: «هنا يقطعون أذنك إذا لم يحبوا وجهك. إنه أمر وحشي، لكن هذا موطني».

تحت وطأة الانتقادات عادت ديزني لتغير كلمات الأغنية. لكن بدا دخولها الأول إلى العالم العربي ساذجًا، ومحملًا بكمية كبيرة من الصور النمطية للعرب في الغرب.

قد يعجبك أيضًا: عنصرية «علاء الدين»: المشكلة أكبر من ممثل بني البشرة

بارتفاع صوت الحراك المدني العالمي على مختلف الأصعدة، عملت ديزني على تفريغ محتواها الفني من الصور العنصرية، فقدمت أميرة صينية (Mulan)، وأخرى سوداء (The Princess and the Frog)، واختفت العنصرية الفجة الواضحة، وإن بقيت مقاربة الثقافات غير البيضاء طفوليةً وغير حقيقية أو واقعية، وبقيت صورة «غير الأبيض» ترسمها وتكتب نصها شخصيات في معظمها بيضاء.

ديزني: أين النساء الحقيقيات؟

إن كان المحتوى العنصري يشكِّل جزءًا من تاريخ شركة ديزني العريقة، فإن مشكلة أخرى تسير جنبًا إلى جنب مع فخاخ العنصرية: أين النساء؟ نعم، الأميرات والمحاربات، والأمهات والساحرات والجنيات، كلهن موجودات، لكن أين النساء الحقيقيات؟

سندريلا أميرة جميلة تقدم لها الجنية كل ما تتمناه، وفي نهاية الفيلم ينقذها أمير من استبداد زوجة والدها. ماذا فعلت سندريلا؟ لا شيء إطلاقًا.

يحمل كثير من أفلام ديزني عناوين نسائية: بيضاء الثلج، سندريلا، حورية البحر، الأميرة النائمة، لكن بطلات هذه الأعمال لا يؤدين أي مجهود حقيقي، ولا فضل لهن على أيٍّ من أحداث العمل. إنها شخصيات سلبية، لا تبادر، ولا تغير مجريات الأحداث إلا في إطار الفعل الذي يؤديه البطل، الرجل.

قدمت الشركة منذ فيلمها الأول «Snow White» نموذجًا للمرأة التي لا تحمل أي مؤهلات سوى شكلها الخارجي الجميل، وهو ما جعل زوجة أبيها تفتح حربًا معها، تصل إلى حد محاولة قتلها. لكن «بيضاء الثلج» تنجو بحياتها للمرة الأولى بفضل سبعة أقزام (رجال)، ثم بعد تسميمها بتفاحة زوجة أبيها، تعود إلى الحياة بقبلة من أمير (رجل).

سندريلا أيضًا تفعل ما فعلته بيضاء الثلج. أميرة جميلة (رأسمالها الوحيد)، تأتيها جنية وتقدم لها كل ما تتمناه، وفي نهاية الفيلم ينقذها أمير (رجل) من استبداد زوجة والدها. ماذا فعلت سندريلا؟ لا شيء إطلاقًا. لن ندخل هنا في تصوير قبيحي الشكل بالأشرار، ولا في حصر دور النساء الشريرات في من هن بين الأربعين والخمسين، لأن في ذلك أزمة أخرى في أفلام ديزني.

الأميرة النائمة هي الأخرى تحمل قيمًا أسوأ، مثل الزواج المبكر، والانتظار طيلة مدة الفيلم ليأتي بطل خارق ينقذها، فتتزوجه. تقدم له حياتها كلها لأنه قبَّلها وأنهضها من نومها. أما «آرييل» حورية البحر فتترك أهلها وبيئتها وتغير جلدها (حرفيًّا) في سبيل رجل لا تعرفه ولا يعرفها، فتتحمل آلامًا مبرحة وتفقد صوتها فقط كي تكون بجانبه.

اقرأ أيضًا: القصار خبثاء والنساء لا يجدن القيادة: كيف نقع في فخ التنميط؟

ما الصور التي تنطبع في ذهن الفتيات عند مشاهدة هذه الأفلام؟ وكيف تقاربن الواقع انطلاقًا من هذه الأعمال؟

هذه الأسئلة دفعت مدرسة جديدة من «الحواديت» إلى الظهور في الألفية الأخيرة، بطلتها بشكل رئيسي الكاتبة «إليانا فافيلي» وكتابها «Good Night Stories for Rebel Girls» (قصص قبل النوم للفتيات الثائرات).

يتضمن الكتاب مئة قصة لنساء حقيقيات حققن إنجازات في الدراسة والحياة والسياسة ومسيراتهن المهنية وغيرن العالم، بينهن «نينا سيمون» و«فريدا كاهلو» و«ماريا كالاس».

العالم يتغير، وطريقة مخاطبة الأطفال تتغير، تغيير تحيط به أطراف كثيرة وتختلط فيه القيم والمفاهيم: النسوية، محاربة العنصرية ضد السود، مناهضة التحرش الجنسي، وهو ما أدى إلى طرح فكرة إعادة صياغة ديزني لحواديتها الكلاسيكية بشكل يتناسب مع القيم التي تحملها الألفية الجديدة، فهل تستجيب؟