الشاشة

عنصرية «علاء الدين»: المشكلة أكبر من ممثل بني البشرة

الصورة: Walt Disney Pictures

تناول كثير من المواقع خبر اختيار الممثل مينا مسعود لأداء دور علاء الدين في فيلم ديزني المنتظر «Aladdin»، الذي سيعيد تقديم فيلم الكرتون الشهير الذي حمل الاسم نفسه عام 1992، لكن بصورة حية هذه المرة.

سبب انتشار الخبر يعود إلى أن مينا كندي ذو أصول مصرية، وقد وقع عليه الاختيار من بين كثير من المتقدمين، وقررت ديزني أن يلعب الدور ممثل بملامح شرقية، حتى يليق بالقصة التي تدور أحداثها في إحدى المدن العربية المُتخيلة.

لكن في حين يحتفي بعض النقاد بهذا الاختيار، يرى مقال منشور على موقع «Bitch Media» أننا في الحقيقة يجب أن نقلق، إذ أن نوايا ديزني في تقديم الشخصيات العربية ليست جيدة بما فيه الكفاية، وأن الفيلم مليئ بالرسائل والإشارات العنصرية.

علاء الدين والإسلاموفوبيا

أغنية «الليالي العربية» من فيلم «علاء الدين»

«أغرابا» هي المدينة العربية مثلما تحب السينما الأمريكية أن تصورها: كثير من الرمال، وكثير من السحر.

طبقًا لكاتبة المقال، يحمل فيلم الرسوم المتحركة الأصلي في طياته الكثير مماَّ يمكن تفسيره بأكثر من صورة، والأمر يتعلق بأصل القصة وطريقة تقديمها، لهذا لن يغير من الأمر شيئًا إذا استقدموا ممثلين ذوي أصول عربية أو آسيوية، فالفيلم يمتلئ بالإشارات التي يمكن تفسيرها بطريقة عنصرية ضد العرب أو المسلمين.

يبدأ الأمر مبكرًا جدًّا، منذ الأغنية الافتتاحية للفيلم، التي تصف مدينة «أغرابا» العربية قائلة إنها «مدينة همجية، لكنها موطني».

رغم اعتقاد معظم الناس أن القصة ذات أصول شرقية، وأنها من قصص «ألف ليلة وليلة»، فإن هناك شكًّا كبيرًا بين الباحثين بشأن أصولها، إذ يرى بعضهم أنها أضفيت إلى الكتاب عن طريق كاتب فرنسي في القرن الثامن عشر.

اضطرت ديزني لاحقًا إلى تغيير هذه الكلمات مع طرح النسخ المنزلية من الفيلم بسبب الاعتراضات والاتهام بالعنصرية، وتأتي هذه الكلمات مصحوبة بلقطات تصور أغرابا، وهي المدينة العربية مثلما تحب السينما الأمريكية أن تصورها: كثير من الرمال، وكثير من السحر.

اعتمدت ديزني على فكرة ألوان البشرة في تسويق الفيلم، إذ اختارت درجات اللون البني لبشرة الشخصيات، متخليةً للمرة الأولى عن اللون الأبيض المميز لجميع أبطال أفلامها، ومن ثَمَّ روجت للفيلم بأنه «لجميع الأجناس»، وكأن اللون البني للأبطال هو اللون «التوافقي» الذي يناسب جميع دول الشرق على اختلافها.

إضافةً إلى ذلك، وبالتدقيق داخل الفيلم، يمكن ملاحظة الرسائل غير المباشرة التي يحملها، والتي يخدم عن طريقها النظرة المتعالية للرجل الأبيض المسيحي ضد الرجل الشرقي وضد الإسلام، بجانب مداعبة رؤى الحركات النسوية في المجتمعات الغربية للمرأة.

اقرأ أيضًا: أين قصص الحب بين البيض والسود في أفلام هوليوود؟

وسائل تبدو بريئة لنقل رسائل غير بريئة

لقطة من فيلم «علاء الدين» - الصورة: Walt Disney Pictures

تستطيع السينما تقديم وجهات نظر مختلفة، وعنصرية أحيانًا، بطرق ذكية. ووفقًا للمخرج الكبير «جان لوك غودار»، تروي أمريكا أفضل القصص لأنها «تحتل الدول الأخرى ثم تبدأ بالبحث سريعًا عن قصص لتبرير هذا الاحتلال».

ويقول أستاذ الأدب الفلسطيني الأمريكي «إدوارد سعيد» إنه في أوقات تصاعد التوتر السياسي بين «الغرب» و«الشرق»، أو بين «الغرب» و«الإسلام»، فإن الدول الغربية تفضل عدم اللجوء إلى العنف المباشر، بل استخدام الأدوات العلمية والقوى الأخرى التي لا تبدو متحيزة في ظاهرها.

في الفيلم، يتحدث علاء الدين وياسمين بلكنة أمريكية، بينما تطلق الشخصيات الشريرة لحاها وتتحدث بلكنة شرقية.

ترى كاتبة المقال أن نوايا ديزني في صناعة هذا الفيلم الآن تحديدًا مع تصاعد وتيرة الإسلاموفوبيا لا يمكن اعتبارها بريئة تمامًا.

علاء الدين الذي لا نعرفه

لقطة من فيلم «علاء الدين» - الصورة: Walt Disney Pictures

احتوى فيلم الكرتون الذي ظهر عام 1992 على كثير من الإشارات العنصرية غير المباشرة، وتكفي ملاحظة عدم نطق الكلمات العربية بشكل صحيح، بما فيها «الله»، ورسم رموز غير مفهومة بدلًا من الحروف العربية، بجانب التلاعب الكبير بالشخصيات لتعكس أهدافًا بعينها، وهذه الأخيرة تفسح لها كاتبة المقال مساحة أكبر.

الجني يمثل مواصفات «الزنجي السحري» الذي ينير الطريق للبطل الأبيض، ويؤدي دوره في الفيلم الجديد الممثل الأسمر «ويل سميث».

جاءت الشخصيات الرئيسية، التي يجب أن يحبها المشاهد مثل علاء الدين وياسمين، بمواصفات غربية لا يمكن إغفالها، فلون البشرة أفتح نسبيًّا، واللكنة التي يتحدثون بها في الفيلم أمريكية، بينما نجد الشخصيات الأخرى الشريرة أو الهامشية، مثل جعفر والجنود والتجار في الأسواق، يطلقون لحاهم وأنوفهم معقوفة، ويتحدثون بإنجليزية شرقية اللهجة.

يمكن عقد مقارنة بين جعفر وعلاء الدين لملاحظة الاختلافات بقوة، فجعفر لديه لحية مجعدة بينما علاء الدين حليق، ويرتدي جعفر الملابس التقليدية ويحمل السمات المميزة للشخصيات الشريرة، في حين يظهر علاء الدين عادةً بدون قميص ومختلفًا عن الباقين، وترى كاتبة المقال أن كل هذه الرموز المرئية والمسموعة ليست صدفة، وتذكرنا أنه كان مستحيلًا على كل حال أن تجد ديزني زيًّا شرقيًّا مناسبًا لعلاء الدين، لأن الشخصية مستوحاة أساسًا من الممثل الأمريكي «توم كروز».

لا يمكن أن ننسى شخصية جني المصباح بالطبع، وتمثل هذه الشخصية مواصفات الزنجي السحري (Magical Negro)، وهو اللفظ الذي أطلقه المخرج «سبايك لي» للإشارة إلى الشخص الأسود الذي يأتي لينير الطريق لبطل الفيلم الأبيض، وتظهر مواصفات العبودية على الجني الذي يتوق طَوَال الفيلم إلى التحرر من المصباح. الجني في الفيلم أزرق وليس أسود، نعم، لكن في النسخة القادمة سيؤدي دوره الممثل الأسود «وِل سميث».

يتبقى من الشخصيات الرئيسية الأميرة ياسمين، التي تحمل وحدها كثيرًا من الرموز.

ياسمين.. ضحية المجتمع الذكوري

مشهد ياسمين وجعفر من فيلم «علاء الدين»

لا يمكن النظر إلى ياسمين باعتبارها عربية بالكامل، ابتداءً باسمها الذي كان اختياره متأثرًا باسم الممثلة الأمريكية «جاسمين غاي».

تمثل ياسمين شخصية المرأة العربية مثلما يرضى عنها الغرب، فهي ثرية وترغب في التحرر من قيود المجتمع والدين، ولا ترتدي الحجاب إلا في مشاهد قليلة، تكون عادةً عندما تتنكر للاندماج بفئات الشعب «الأدنى» والأكثر تشددًا.

تظهر ياسمين منذ البداية مقهورة، إذ يجبرها والدها على الزواج خلال ثلاثة أيام، في حين تبحث هي عن الحب والحرية. لكنها تظهر كشخصية مسلوبة الإرادة تمامًا، يرتبط مصيرها طَوَال الفيلم برجال آخرين، فيريد جعفر الزواج منها لبسط نفوذه في البداية، ثم يظهر لاحقًا أن لديه رغبة حقيقية فيها، في حين يقضي علاء الدين معظم مدة الفيلم في محاولة الوصول إلى قلبها كذلك، فيقتحم عليها غرفة نومها وينتحل شخصية غير شخصيته.

رغم هذا، تحظى ياسمين بلحظات قليلة من الحرية وتحقيق الذات، فتهرب من قصرها لترى العالم، وتستغل نفوذها كأميرة كي تنقذ علاء الدين، وتبني مغامرتها على نزعة رومانسية من النوع الذي يليق بالجمهور الغربي.

يضيف إلى صورة كُره المرأة التي يصدِّرها الفيلم عدم وجود أي امرأة أخرى سوى ياسمين، عدا فتيات يظهرن في الأغاني دون أي دور حقيقي، وهكذا نشاهد نزعة استشراقية تتَّحد بحالة من كُره المرأة، لتقديم ياسمين في صورة المرأة الشرقية المقهورة التي تحتاج إلى بطل يحمل أفكارًا «متحررة» على النمط الغربي  كي ينقذها، وعليها بالطبع أن يكون لديها استعداد لذلك.

هذه هي مشكلة الأفلام المبنية على قصص خيالية، فبينما تبدو لنا مجرد قصص لطيفة، فإنها تحمل وراءها رسائل عن الرجل الشرقي بني البشرة الشرير، وكيف يحتاج الشرق إلى الغرب والمنظمات النسوية الغربية للحصول على حقوقهم. هكذا يمكن أن نرى أن اختيار ممثلين من أصول شرقية للفيلم الجديد لن يقدم حلًّا للمشلكة، لأن المشكلة هي علاء الدين نفسه.

, , , , , ,