الشاشة

فينشر وكروننبرغ: بماذا تخبرنا أفلام الجريمة عن أنفسنا؟

لقطة من فيلم «Gone Girl» - الصورة:  Twentieth Century Fox

هل رأيت يومًا إنسانًا اسمه هابيل؟

يقتل قابيل أخاه هابيل، وبدلًا من أن تتماهى الإنسانية مع الضحية، كما يُفترض بها أن تفعل، خلَّدت اسم أول قاتل في التاريخ. قد يبدو هذا السلوك بديهيًّا، فنحن، ورغم كل شيء، من سلالة القاتل، لا المقتول.

في روايته «قايين» يعود الكاتب البرتغالي «جوزيه ساراماغو» إلى القصص التوراتية كي يصوغ قصة بطله قايين، الاسم التوراتي لقابيل. يتنقل قايين عبر الزمان والمكان، يتحدى الرب، يشهد على أحداث كبرى في تاريخ الإنسانية. يحاول ساراماغو أن يطرح أسئلة جدلية عن الخير والشر والأبدية، وأن يتفحص الطبيعة البشرية ورغباتها الكامنة من خلال حكاية قايين قاتل أخيه. هذا الاسم الملحمي الذي تسرب إلى ثقافات الشعوب المختلفة واستقر في الوجدان بتعبيرات شتى، بينما اندثر اسم القتيل.

يمكننا من وجهة نظر شِعرية وأسطورية أن نعزو فعل القتل عند الإنسان إلى نوع من الخطيئة المتأصلة المتوارثة من القاتل الأول إلى أبنائه من بعده. لكن بعيدًا عن الرؤى الميتافيزيقية قدمت البشرية محاولات عدة في فهم طبيعة السلوك الإنساني، والدوافع وراء جريمة القتل، حتى نشأة ما يسمى علم الجريمة.

أرسى العالم الإيطالي «تشيزاري لومبروزو» دعائم المدرسة الإيطالية لعلم الجريمة الوضعي. ورغم رفضه مقولات المدرسة الكلاسيكية، فإن نظرية لومبروزو تقول إن الجريمة تورَّث، والشخص يمكن أن «يولد مجرمًا»، ويمكن التعرف عليه من بعض السمات والعيوب الخلقية.

يؤكد لومبروزو أن هناك من يولد قاتلًا، أو مطبوعًا على الإجرام، فـ«يصعب على الظروف البيئية مهما تكن أن تغير من هذا القدر الذي لا خلاص منه».

تعرضت أفكار ونظريات لومبروزو لكثير من الانتقادات لعدد من الأسباب، أهمها تأسيسه نظريته التكوينية على مُسَلَّمة «حتمية السلوك الإجرامي»، و تركيزه على الجانب العضوي والمبالَغ فيه كعامل للسلوك الإجرامي، وإهماله، بل إنكاره، تأثير العوامل الأخرى: مادية وثقافية وبيئية واجتماعية.

بتداخل علم الجريمة مع مجالات معرفية أخرى مثل علم الاجتماع، وعلم النفس، والطب النفسي، تعددت الإسهامات لمحاولة كشف السلوك الإجرامي. سنجد نظريات عالم الاجتماع الفرنسي «إميل دوركايم»، وتحليله آثار التحولات الصناعية للرأسمالية على الفرد والمجتمع. يرى دوركايم الانحراف الاجتماعي بوصفه تحديًا للقمع الطبيعي للدولة، والإجرام كنوع من رد الفعل على مشكلات المجتمع.

في كتابها «في العنف» تتحدث «حنة آرندت» عن جدوى العنف وعلاقته بالسلطة وحقيقة كونه سلوكًا إنسانيًّا أصيلًا.

نرى كذلك افتراضات فرويد حول فطرية العدوان لدى الإنسان، والنزوع إلى التدمير والموت. قال فرويد بوجود ميل غريزي إلى الرجوع للحالة السابقة للكائن الحي. وافترض وجود «غريزة الموت» التي تهدف إلى الهدم وإنهاء الحياة، ويمكنها أن تفسر كثيرًا من الظواهر النفسية المعقدة، مثل السادية والمازوخية.

الفن، بوصفه رافدًا من روافد المعرفة الإنسانية القائمة على الحدس، قدم عبر تاريخه مقاربات عديدة لموضوع الجريمة في محاولة لفهم الطبيعة الإنسانية والدوافع وراء السلوك البشري. تمحورت روائع أدبية عديدة، من الأساطير والملاحم القديمة إلى الرواية الحديثة، حول الجريمة وفعل القتل، من «أوديب» إلى «ماكبث»، ثم «الجريمة والعقاب».

تمكن «ديفيد كروننبرغ» و«ديفيد فينشر» من خلال أعمالهما تحويل السؤال التقليدي «من فعلها؟» إلى أسئلة أكثر جدلية عن لغز الطبيعة الإنسانية.

سنركز اهتمامنا هنا على السينما، وتحديدًا على النوع السينمائي المعروف ﺑـ«أفلام الجريمة». وكيف قدمت بعض الأفلام منظورًا مغايرًا لمفهومنا عن النفس الإنسانية، أو حاولت أن تكشف المضمر والمجهول والصادم في علاقة الإنسان بذاته والآخر والعالم.

يمكن القول إن كل نوع سينمائي (genre) يفتح «أفق انتظار» أو «أفق توقع». وتستطيع أعمال فنية بعينها أن تحدث مفاجأة أو تمردًا على عناصر النوع السينمائي وتقييداته وأنماطه المكرورة. تكمن أهمية أفلام الجريمة المتميزة في أنها تستطيع أن تلقي الضوء على تعقيدات السلوك الإنساني، والدخول إلى تلك المنطقة المظلمة حيث تتلاشى دوافع الجريمة أو محفزاتها.

بعد عقد عظيم لسينما الجريمة في تسعينيات القرن العشرين، شهد أفلامًا مثل «Seven» و«Fargo» و«Silence of the Lamps»، نتتبع هنا عددًا من أفلام الجريمة منذ بداية الألفية الجديدة، عبر أعمال اثنين من أعلامها المتميزين: «ديفيد كروننبرغ» و«ديفيد فينشر». استطاعت أعمالهما أن لا تتبع النمط السائد للنوع، وأن تكون استثناءً من خلال منظورها المغاير وتحويلها للسؤال التقليدي «من فعلها؟» إلى أسئلة أكثر جدلية عن لغز الطبيعة الإنسانية.

سينما كروننبرغ: بارون الدماء

يُعد المخرج الكندي ديفيد كروننبرغ واحدًا من أهم مخرجين أواخر التسعينيات والألفية الجديدة، وتقدم أفلامه تشريحًا للعنف، ورؤية صادمة وسوداوية للإنسان والعالم.

يتميز كروننبرغ بقدرة فائقة على مزج العنف بالجنسانية في صورة صادمة، لكنها، في الوقت نفسه، شديدة الأصالة. كما فعل في فيلمه «Crash»، وهو بحث سينمائي فلسفي عن العلاقة بين الألم واللذة، ونقد للثقافة الأمريكية. علاقات سادية مازوخية وسط عالم من سباقات السيارات نحو الجنون والموت، إذ تتحول حوادث السيارات إلى إيروتيكا مدمرة. 

يمكننا الحديث عن ثلاثة أفلام تمثل ذروة سينما الجريمة عند كروننبرغ في الألفية الجديدة: «Spider» و«A History of Violence» و«Eastern Promises».

Spider: قتل الأم

لقطة من فيلم «Spider» - الصورة: Odeon Films

يركز كروننبرغ في هذا الفيلم على فعل قتل الأم كأكثر جريمة لا تطاق نفسيًّا بين كل الجرائم الفردية المحتملة. ويقدم فيه بطله، «دينيس كليج»، المشابه لشخصية «نورمان بيتس» بطل فيلم «Psycho» للمخرج الكبير ألفريد هيتشكوك، إذ يقتل البطل ذو التركيبة النفسية الفصامية والدته.

يغوص كروننبرغ بعمق في عقل إنسان معطوب، رث الهيئة، يعاني آثار الصدمة. يبدأ الفيلم بالتركيز على شخصية دينيس في عقده الرابع بعد أن أمضى سنوات عدة في مصحة عقلية. يذهب إلى مأوى للتأهيل تُشرِف عليه السيدة الصارمة «ويلكنسون».

يقدم فيلم «Spider» حالة تصلح نموذجًا للدراسات التحليلية النفسية، إذ النكوص الأوديبي ورؤية الأم كموضوع جنسي، وموضوعات كالفصام والصدمة والذهان.

في نص سينمائي مأخوذ عن رواية للكاتب «باتريك ماكغراث» الذي كتب السيناريو كذلك، تقوم حبكة كروننبرغ البارعة على شبكة سردية عنكبوتية معتمدة على التنقلات الزمنية والسرد غير الخطي.

ينتقل الفيلم ليقدم لنا دينيس صبيًّا في منزله العائلي الذي تعيش فيه أمه الحنون «ميراندا ريتشاردسون» ووالده العامل الفظ «جابريل بايرن»، الذي اعتاد تسمية ابنها «سبايدر» (عنكبوت) بسبب ولعه باللعب بالخيوط وصناعة الشبكات.

يصور كروننبرغ، عبر دراما نفسية تحليلية مشوقة، واحدة من أهم دراسات الشخصية دون أي مباشرة أو خطابية، وإنما يعرضها من خلال المواقف الدرامية التي نراها من منظور الطفل. مملكة من الوهم نسجتها مخيلة طفل.

في عملية إسقاط معقدة تتحول صورة الأم داخل خيال الطفل إثر رؤيته لها في وضع غرامي مع أبيه. ويتصور وفق رؤاه الذهانية أن أباه قتل أمه ثم أتى بعاهرة، كان للصبي خيال جنسي تجاهها، إلى منزل العائلة لتحل محلها. يُرجئ السرد الكشف عن الجريمة إلى النهاية حين يعمد إلى إماطة اللثام عن أصل الصدمة النفسية للبطل، إذ يقتل الصبي المشوش أمه وهو يظن أنها العاهرة التي حلت محلها.       

يقدم كروننبرغ وماكغراث، والممثل الكبير «رالف فاينز» الذي أدى دور دينيس، حالة فريدة وشديدة الخصوبة تصلح نموذجًا للدراسات التحليلية النفسية، إذ النكوص الأوديبي ورؤية الأم كموضوع جنسي، وموضوعات كالفصام والصدمة والذهان.

A History of Violence: هل يمكن أن يتغير الإنسان؟

«توم ستال» (فيغو مورتنسن) رب أسرة، يعيش في بلدة هادئة.

يُقدِم ستال في يوم على فعل بطولي حين يقتحم اثنان من القتلة الحانة التي يملكها بهدف سرقتها وقتل من فيها. يقتلهما ستال ليصير بعدها بطلًا محليًّا. لكن الأضواء المسلطة عليه من الصحافة تجلب له متاعب لم تكن في حسبانه هو وأسرته. يأتي إليه «كارل فوغارتي» (إد هاريس)، أحد رؤساء عصابات الساحل الشرقي في فيلادلفيا، ويبدو أنه كان يعرف ستال في ما مضى، ويناديه «جوي». لكن ستال يؤكد له أنه مخطئ، وأن الأمر التبس عليه وخلط بينه وبين شخص آخر. يدفعنا الفيلم إلى التساؤل: هل يوجد في ماضي توم ستال ما يخفيه فعلًا؟

إلا أن كروننبرغ لا يتركنا طويلًا أمام هذا السؤال، إذ سرعان ما نصبح، نحن وزوجته وابنه، على دراية بشيء من تاريخ ستال العنيف، جرائم قتل وتغيير هوية وحسابات قديمة بينه وبين فوغارتي ومعها عصابة أخيه.

يصير سؤال كروننبرغ المركزي: هل يملك الإنسان الاختيار حقًّا، أم أن العنف يسكنه وليس له حيال مصيره شيء؟

قد يهمك أيضًا: العنف الأخلاقي: أعداؤنا بشر مثلنا.. ولهذا نقتلهم

يقدم كروننبرغ بطله وكأن العنف يسري في عروقه ويتدفق مع دمه، وأنه وريث سلالة من العنف، وصاحب إرث من القتل والقوة يمثل الوجه الحقيقي لهويته الفردية. لكن رغم حتمية العنف المتمثلة في التاريخ الشخصي للبطل، فإن كروننبرغ يفسح مجالًا للاختيار الإنساني الحر، والرغبة في التحرر من إرث الدم. لايوظف جماليات العنف في أفلامه فقط، وإنما يصوره بمسؤولية وأمانة تامة، عارضًا وجهه الحقيقي الصادم والقبيح، والأصيل كذلك.

يذهب توم/جوي إلى أخيه كي يسوي تلك الأمور العالقة منذ زمن. يحاول الأخ قتله، لكن توم/جوي يقتله هو ورجال عصابته. فهل يكون قتل الأخ نهاية تاريخ العنف؟

Eastern Promises: الفردانية والجسد والجماعة

يقدم «Eastern Promises» (وعود شرقية) أكبر دلالة على تجديد كروننبرغ في النوع السينمائي الذي يختاره.

يصنع كروننبرج أفلامًا مرجعية في نوعها، وفي الوقت نفسه تتجاوز الأطر المحددة سلفًا لها من أجل طرح أسئلة جوهرية عن الوجود والإنسان وعلاقته بالعنف.

يحتوي فيلم «Eastern Promises» على واحد من أهم مَشاهد العنف في تاريخ السينما داخل حمام عام.

دفتر يوميات صغير مكتوب بالروسية تتركه فتاة مراهقة بعد وفاتها وهي تضع مولودتها. تحاول الممرضة «آنا» (ناومي واتس) الوصول إلى أهل الفتاة الراحلة، بينما يكشف دفتر اليوميات هذا عن تعرض الفتاة للاغتصاب من عائلة كبير المافيا الروسية.

تدور أحداث الفيلم في لندن وسط عالم المافيا الروسية. وعبر هذه الأجواء المشوقة والعنيفة يتناول كروننبرغ عدة ثيمات، في مقدمتها العلاقة بين الفردانية والجماعة، والكود الذي يحكم العلاقات داخل المافيا الروسية التي تظهر كطائفة أو جماعة دينية.

كذلك، يقدم الفيلم تمثيلًا بصريًّا مميزًا لمفهوم الجسد. الأجساد كهوية، والأجساد في تحللها أو إصابتها أو في صدامها مع بعضها بعضًا. وما يميز هذا الفيلم هو روعة الأسلوب البصري لكروننبرغ الذي لا يخلق مسافة بين العنف الدموي على الشاشة والمتلقي، إذ يضع المُشاهد وسط الدماء والصدامات العنيفة والأجساد المسحوقة.

وخلافًا لتاريخ العنف الذي يحاول فيه الفرد الفكاك من جماعته وهويته، فإن «وعود شرقية» رحلة عكسية صوب الجماعة، وما تتطلبه من تضحية بالذات لأجلها. تكمن براعة كروننبرغ في وعيه التام للعناصر التي يجب تصويرها، وتلك التي يجب استبعادها من نطاق الصورة، وفي قدرته على تصوير هذا العالم السفلي من الجريمة في مدينة لندن.

يحتوي الفيلم على واحد من أهم مَشاهد العنف في تاريخ السينما، يدور داخل حمام عام، وفيه يحاول اثنان من القتلة تصفية «نيكولاي» (فيغو مورتنسن) في خيانة من جماعته له.

ديفيد فينشر: عالم من القتلة المتسلسلين

في المسلسل الأمريكي «Mindhunter» (صائد العقول)، الذي أنتجته شبكة «نتفليكس» في 2017، يستكمل المخرج الأمريكي «ديفيد فينشر»، يشاركه الكاتب «جو بينهال»، الخوض في عالمه الأثير، عالم القتلة المتسلسلين، مستندًا إلى أحداث حقيقية من التاريخ الأمريكي المعاصر.

تدور أحداث المسلسل في نهاية سبعينيات القرن العشرين، تلك الفترة التاريخية الحرجة من تاريخ أمريكا السياسي، التي شهدت كذلك ظهور أكثر من سفاح وقاتل متسلسل، على رأسهم «تشارلز مانسون» وجماعته المسماة بالعائلة، التي ارتكبت سلسلة عمليات قتل مروعة عام 1969، شملت تسعة أشخاص في خمسة أسابيع فقط، بمن فيهم الممثلة «شارون تيت» في ظروف وحشية. إضافة إلى سفاحين مثل «إدموند كيمبر» و«مونتي راسيل» و«ديفيد بيركويتز» وغيرهم.

يتتبع المسلسل جهود اثنين من عملاء المباحث الفيدرالية، «هولدن فورد» و«بيل تينك»، في تطوير دراسة السلوك الإجرامي بعد أن صارت الجريمة أكثر تعقيدًا ولا منطقية إلى الدرجة جعلت معرفة الدوافع والمسببات شبه مستحيلة. لم تعد الدوافع المتعارَف عليها مثل الطمع أو الانتقام تمثل إجابات عن ما وراء الجريمة. جرائم دموية وعنيفة من دون أسباب أو تفسيرات منطقية.

في أحد المَشاهد يتحدث فورد مع واحد من العملاء عن الأحداث غير المسبوقة في التاريخ الأمريكي منذ الستينيات: اغتيال رئيس الدولة، خوض حرب فيتنام المرفوضة شعبيًّا، قتل الحرس الوطني لعدد من طلبة الجامعة، فضيحة «ووتر غيت». هل الديمقراطية الأمريكية في طريقها إلى التلاشي؟

يتساءل فورد عن إمكانية أن تكون كل تلك الجرائم ردود أفعال للاضطرابات السياسية، لأنه «إن أصبح العالم غير معقول، فلماذا ينبغي على الجرائم أن تصير معقولة؟».

في محاولة لتوسعة ميادين البحث الجنائي يتنقل العميلان بين عدد السجون ليعقدا لقاءات مسجلة مع القتلة المتسلسلين، لتكوين أنساق أو دلائل تمكنهم بعد ذلك من الحد من موجات من الجرائم المتسلسلة.

قد يعجبك أيضًا: القاتل والمقتول: من ضحية من؟

بعد رائعة التسعينيات «Se7en»، يتابع فينشر بحثه الدؤوب في تاريخ الجريمة والسفاحين الأمريكيين.

شكَّل «Se7en» نقلة نوعية في أفلام الجريمة. مورست على فينشر ضغوط كثيرة لتغيير نهاية الفيلم. كانت النهاية مغايرة للنهايات المعهودة التي ينجح فيها المحقق في حل لغز الجرائم والقبض على القاتل وتحقيق العدالة. العدالة الوحيدة الناجزة في دراما فينشر التشويقية كانت عدالة القاتل، قاتل مدفوع بنزعته التطهرية المتطرفة لتخليص العالم من الشرور الممثلة في الخطايا السبعة المميتة حسب التراث المسيحي.

Zodiac: الهوس بالقاتل

يخلق فينشر تجربة مشاهدة مميزة عبر لغة سينمائية فريدة، يمكن تلخيصها في حرصه الدائم أن تكون حركة الكاميرا محاكاة لسلوك شخصياته.

يقدم فينشر فيلم «Zodiac» المقتبس عن جرائم حقيقية، سلسلة عمليات قتل حدثت في الستينيات على يد رجل يلقب نفسه «زودياك». بدأ زودياك جرائمه في سان فرانسيسكو شمال كاليفورنيا. كان ينفذ جريمته ويتصل بالشرطة لينسب الجريمة إلى نفسه، ثم يرسل رسالة مشفرة للصحف المحلية يطلب منها عرضها على صحيفتها.

يتتبع الفيلم هوس رسام الكاريكاتير «روبرت غرايسميث» بملاحقة القاتل، ومحاولاته فك شفرات الرسائل التي تصل الصحيفة بعد كل جريمة.

ظلت هوية القاتل الحقيقية مجهولة حتى نهاية الفيلم، وما زالت كذلك حتى اليوم. «زودياك» فيلم عن الهوس والمعنى، رحلة بحث مضنية عن «الحقيقة»،  لكنها رحلة دون محطة وصول، نظريات وظنون وتخمينات، والمحصلة هي الإحباط واليأس ولا شيء سواهما.

«زودياك» فيلم محبِط لمن يشاهده وفي ذهنه سؤال وحيد: «من فعلها؟».

يخلق ديفيد فينشر تجربة مشاهدة مميزة في كل أفلامه عبر لغة سينمائية فريدة، يمكن تلخيصها في حرصه الدائم أن تكون حركة الكاميرا محاكاة لسلوك شخصياته داخل الفيلم. ينشئ فينشر تناظرًا محسوبًا بين سلوك الشخصيات وحركاتها والزمن والصورة. غايته في النهاية خلق نوع من التناغم، رابطة قوية تجمعنا كمشاهدين مع الشخصيات.

تتضافر مع اللغة البصرية بنية سردية محكمة تلائم حبكة الفيلم وشخصياته. في «The Girl with the Dragon Tattoo»، يلجأ فينشر إلى بنية سردية مغايرة للبنية الهوليوودية المتبعة للسيناريو والمكونة من ثلاثة فصول، لأنها ببساطة لا تتناسب مع حبكة الفيلم الرئيسية والحبكات الفرعية المتصلة بها، ورحلة البطلين الرئيسيين «ميكيل بلومكفيست» و«ليزابيث سلاندر». محاولة لكشف لغز اختفاء لما يقرب من 40 عامًا، لنكتشف تاريخًا من النازية وزنا المحارم.

لكننا سنركز على آخر أفلام فنشر السينمائية: «Gone Girl».

Gone Girl: زواج وكراهية وقتل 

من خلال سيناريو مشوق للكاتبة «جيليان فلين»، حوَّلته عن روايتها الأكثر مبيعًا التي تحمل الاسم نفسه، يقدم فينشر نقدًا لاذعًا لمؤسسة الزواج. يواصل نقده للمجتمع الأمريكي ومؤسساته، فبعد نقده ثقافة الاستهلاك ومنظومة العمل في «Fight Club» يكشف في «Gone Girl» فكرة التواطؤ التي تقوم عليها مؤسسة الزواج، ويتناول زيف أجهزة الإعلام وتدليسها ولهاثها خلف الفضائح.

في فيلم «Gone girl» يمزج فينشر الدراما النفسية بالغموض بالتحقيقات والأحجية والكوميديا السوداء.

«نيك دان» رجل تختفي زوجته «إيمي» في ظروف غامضة، صبيحة الذكرى السنوية الخامسة لزواجهما. يبلغ الشرطة لكنه يكتشف أن كل الدلائل تشير إلى قتله إياها. وفي منتصف الفيلم نكتشف أن زوجته هي من دبرت اختفاءها كي تنال منه. يوظف الفيلم ثيمة المرأة القاتلة «Femme Fatal» التي تستخدم ذكاءها وجمالها كي توقع بفريستها.

نعلم من خلال السرد أن الزوجة، وهي شخصية ناجحة ومشهورة ومن عائلة ثرية، تُقدِم على انتقامها كرد فعل على خذلان زوجها لها وكسله وانعدام طموحه. هنا يكمن الرعب الحقيقي للفيلم، لأن الخطر لا يأتي من قاتل متسلسل يجوب شوارع المدينة، بل من الكائن الرقيق الذي ينام بجوارك على نفس السرير، ولأن جُرم الزوج يشارك فيه أغلب الأزواج في العالم.

«عندما أفكر في زوجتي تنتابني أفكار بخصوص رأسها. أتخيل نفسي أحطم جمجمتها الجميلة، وأفحص مخها في محاولة للحصول على أجوبة الأسئلة المعتادة في أي زواج: فيمَ تفكر؟ بمَ تشعر؟ ماذا فعلنا ببعضنا؟».

يبدأ الفيلم وينتهي بهذه الجمل، ليتسلل بذكاء تحت القشرة المتوهمة للطمأنينة. يمزج فينشر الدراما النفسية بالغموض بعناصر فيلم النوار بالتحقيقات والأحجية والكوميديا السوداء.

يحاول الزوج أن يدير المعركة الإعلامية لصالحه، وينجح في توجيهها فعلًا.

وحين تشعر الزوجة أن خطتها ستفشل تقتل «ديزي»، حبيبها السابق الذي عُرِفَ بملاحقته المستمرة لها.  تستغل كاميرات المراقبة في منزله لصالحها، وتعمل على جعل الأمر كأنه خطفها، معتمدةً على الماضي السيئ الذي يجمعهما. تغريه إيمي، ثم تقتله في أثناء ممارستهما الجنس. تعود بشكل مفاجئ إلى بيتها منهكة غارقة في الدماء، مشيرة إلى جميع الأطراف بأن ديزي هو من خطفها واعتدى عليها، فيخرج الزوج من دائرة الشبهات.

يعلم الزوج أنها قتلت ديزي، وتخبره إيمي بالحقيقة كلها، لكن يستحيل تسجيل ذلك أو إثبات الذنب عليها. يعتزم فضحها إعلاميًّا وهجرها، لكنها تخبره بأنها حامل بعد أن استخدمت الحيوانات المنوية الخاصة به في عيادة الخصوبة. يجن جنونه ويصفها بأنها عاهرة، فتقول: «أنا تلك العاهرة التي تزوجتها». حين يرد بيأس بأنهما لا يصلحان لبعضهما، تجيبه قائلة: «هذا هو الزواج». يخضع نيك للأمر الواقع، ويستعد الزوجان لمقابلة تلفزيونية في منزلهما.

تدفعه الزوجة خلال المقابلة إلى إخبار الإعلام بالنبأ السعيد: سيرزقان بطفل.