سلطنة

دماء على الطريق: أغنيات بوب ديلان عن الانفصال

بوب ديلان وزوجته سارا لوندز - الصورة: Getty/Evening Standard

قد يصادفك على أحد مواقع التواصل الاجتماعي مقال أو منشور عن أفضل الأغانى عن الانفصال، أغنيات مباشرة عن ألم الفراق ولوعته. ثم يصادفك مقال آخر عن المراحل التي يمر بها الإنسان عند انفصاله عمن يحب، من إنكار وحزن وغضب وأمل وصولًا إلى تَقَبُّل الأمر والمضي قدمًا.

يختلف عدد هذه المراحل من دراسة إلى أخرى، ومن كاتب إلى آخر. يُقبل الناس على هذه الكتابات في محاولة فهم ما يمرون به من ألم، أو تشبثًا بأمل أن تنتهي معاناتهم قريبًا. لكن الأهم من ذلك أن الواحد منهم يبحث عن انعكاسه في هذه التعميمات، عن سطر يخاطبه هو بالذات ليجعل ثقته في محلها، في ما سبق من أسطر وما هو قادم منها.

يبدو الكاتب حقًّا على دراية بما يتحدث عنه إذا رأى القراء انعكاساتهم في ما يكتب وشعروا بالألفة. ورغم أن الإنسان يبدع منذ بداية الخليقة، فإنه حتى هذه اللحظة ما زال حائرًا في ذلك الاتصال الفوري الذي يشعر به الآخرون تجاه ما يسميه «تجاربه الشخصية»، إذ يستعيرون صوته للوقوع في الحب، أو لطرد الحزن عنهم، أو حتى بهدف استئناسه، أو لإشعال الثورات، وأحيانًا من أجل إخمادها، لتصبح تجربته الشخصية عامة بمجرد الإفصاح عنها وخروجها إلى النور.

كان المغني الأمريكي «روبرت زيمرمان»، أو كما نعرفه جميعًا باسم «بوب ديلان»، واحدًا من أولئك الفنانين الذين استنكروا مرارًا وتكرارًا تطفل الآخرين على حياتهم الداخلية، أو رفضوا أن يسجنهم أحد داخل تصنيفات وألقاب لا حصر لها، لكن ألبوم ديلان الأخير «Blood on the Tracks» كان عكس ما أراد تمامًا.

بوب ديلان: دماء على الطريق

غلاف ألبوم «Blood on the Tracks» - الصورة: Sony Entertainment

ضم ألبوم «Blood on the Tracks» عشر أغنيات وثَّقَت كل المشاعر المختلطة التي يشعر بها الناس عند انفصالهم عمن يحبوه.

تسلل ديلان بهدوء من حياة الستينيات الصاخبة، وتخلى عن لقب «صوت الجيل» عند زواجه من الممثلة وعارضة الأزياء «سارا لوندز» في 1965، وأصدر بعض الألبومات الموسيقية التي لم تلقَ استحسانًا عند النقاد والجمهور. على سبيل المثال لا الحصر: «New Morning» عام 1970، و«Planet Waves» عام 1974.

طوال هذه السنوات تحول ديلان إلى زوج وأب مخلص شغلت عائلته كل وقته، قبل أن تتدهور حياته الزوجية ويتفق هو وزوجته على الانفصال المؤقت.

جريحًا انعزل في مزرعة اشتراها في ولاية مينيسوتا، حيث كتب أغاني ألبومه «Blood On The Tracks» «دماء على الطريق»، أو كما يسميه معجبوه بألبوم «الانفصال». ضم الألبوم 10 أغنيات وثَّقَت دون وعي كل المشاعر المختلطة التي يشعر بها الناس عند انفصالهم عمن يحبوه، وبالرغم من هذا لا تجد أي مقال يُدرج إحدى هذه الأغنيات ضمن أعظم ما قيل عن الانفصال، ربما لأن ديلان نفسه لم يره كذلك.

تضاربت أقواله عن الألبوم، فقد استنكر في مذكراته الشخصية، التي صدرت في 2004 تحت عنوان «سجلات»، أن يكون للألبوم أي علاقة بحياته الشخصية أو بزوجته. وليبرهن على صحة كلامه، قال إن الألبوم مستوحًى من قصص قصيرة للكاتب الروسى «أنطون تشيخوف». وفي نفس السنة التي صدر فيها الألبوم، أكد ديلان في لقاء إذاعي له عام 1974 أن كثيرًا من الناس قالوا له إنهم استمتعوا بالألبوم، لكن «لا أستطيع أن أتفق معهم. كيف يستمتع أي إنسان بهذا القدر من الألم؟».

قد يهمك أيضًا: لماذا كان أرسطو سيحب «تيتانيك»؟

في حوار له مع المخرج والصحفي «كاميرون كرو» عام 1985، أبدى بوب ديلان استياءه بشكل مباشر من ربط الألبوم بحياته الشخصية: «لا أدس اعترافاتي في ما أكتب من أغانٍ، لا دخل للعاطفة بما أكتب، أنا فقط أجعل الأمر يبدو هكذا، بالضبط كما يجعل لورنس أوليفير الناس يصدقون أنه هاملت». أوليفير هو ممثل ومخرج إنجليزى أدى شخصية هاملت عام 1948، وأتقنها لدرجة جعلت الكاتب الإنجليزي «تشارلز بينيت» يقول إنه «يتحدث بكلمات شكسبير بتلقائية كما لو أنها وُلِدت داخل رأسه».

بعد سنوات من المراوغة، جاء «جاكوب ديلان»، أحد أبناء بوب ومؤسس فرقة «The Wallflowers»، ليضرب بكلام والده عرض الحائط عندما سُئل في حوار له عما يشعر به عندما يستمع إلى ألبومات والده، فأجاب أنه عندما يستمع إلى «أحزان الحنين إلى الوطن السري» يتمايل معها مثل الناس تمامًا، أما عندما يستمع إلى «دماء على الطريق» فلا يكون الأمر مماثلًا، فهي «عن والديَّ».

سارا ديلان: ذات العيون الحزينة

يعيب بعض النقاد على ديلان استخدامه كثيرًا من الصور المبهمة غير المترابطة في أغنية «صاحبة العينين الحزينتين من الأراضي المنخفضة».

واحدة من أجمل الأغنيات التي كتبها ديلان على الإطلاق أغنية «Sad-Eyed Lady of the Lowlands»، أو (صاحبة العينين الحزينتين من الأراضي المنخفضة)، التي كتبها من أجل سارا زوجته عام 1966 في ما يقارب ست ساعات، ليخرج بعدها على فرقته متحمسًا، ويبدأ التسجيل دون أن يُطلعهم على مدة الأغنية وعدد مقاطعها. لذلك في كل مرة تستعد فيها الفرقة لإنهاء الأغنية، كان ديلان يفاجئها بمقطع جديد، لتستمر الأغنية 11 دقيقة، ويقول بعد الانتهاء من تسجيلها إنها «أعظم أغنية كتبتها في حياتي».

تمتلئ الأغنية بالصفات والاستعارات التي اخترعها ديلان خصيصًا لوصف حبيبته، استعارات لا ترسم صورة في أذهان المستمعين بقدر ما تنقل مشاعر حديثة الولادة يحاول ديلان أن يعطي لها اسمًا. يتنقل في التاريخ بزوجته، إذ يجعلها أميرة في إحدى الأساطير تعيش في برج مُشيَّد، يحاول الجميع التقرب إليها بالهدايا، وأيضًا بالحيل التي كادت تنطلي عليها، ووحده ديلان من يحبها حبًّا صادقًا، فهو من سيترك على بابها عينيه وطبوله العربية وينتظر.

يعيب بعض النقاد على ديلان استخدامه في هذه الأغنية كثيرًا من الصور المبهمة غير المترابطة التي تبدو في المجمل وكأنها شظايا متناثرة. فيما يُثني الباقون على هذه الشظايا المتناثرة قائلين إنها لا يمكن إدراكها والشعور بجمالها بالعقل، فهي عن رجل غارق في الحب يحاول أن يجد أوصافًا لمن يحب، فينتهي به الأمر كأنه يتحدث بلغة جديدة.

بدأت قصة بوب ديلان وسارا لوندز بهذه الأغنية، ثم توارى ديلان عن الأنظار وحرم جمهوره من الاطلاع على تطور الأحداث، ليعود بعد ثماني سنوات في 1974 بتطور حاد ومفاجئ ومؤلم، وأيضًا مُنتَظَر، في 10 أغنيات جميلة تقطر دمًا. لا أعرضها كلها، بل ست أغنيات خاطبت روحي.

«متشابكًا بالحزن».. المرحلة الأولى: الإنكار

أغنية «Tangled Up in Blue»

تُعد أغنية «Tangled Up in Blue» (متشابكًا بالحزن) واحدة من أهم أغنيات الألبوم، وقد اتبع ديلان في كتابتها أسلوبًا جديدًا، فقال عنها: «حاولت أن أجعلها مثل لوحة، فيمكنك أن ترى أجزاءها المختلفة، ثم تراها صورة كاملة. تتغير الشخصيات من ضمير المتكلم إلى الغائب ليختلط عليك الأمر، فلا تدرى بأي ضمير يُقصُّ عليك هذا المقطع، ولكن إذا نظرتَ إلى الصورة كاملة، فلن تهتم حقًّا».

تبدأ الأغنية بالراوي مستلقيًا في سريره يفكر في حبيبته، ويتساءل إن كان شعرها ما زال له لونه القديم، ثم يتذكر الأصدقاء الذين تنبؤوا بوصوله إلى هذه اللحظة التي يجلس فيها وحيدًا بعد أن فشلت قصة حبه. وينتقل إلى المقطع الثاني ليضغط هذه العلاقة في أسطر قليلة كناية عن قصة حب جميلة تدهورت سريعًا:

«كانت متزوجة عندما تقابلنا لأول مرة

وموشكة على الطلاق

ساعدتها على الخروج من مأزق

أعتقد، مستعملًا بعض القوة

قدنا سيارتنا إلى أبعد مكان

ثم تخلينا عنها غربًا

لنفترق في ليلة مظلمة حزينة

متفقين على صحة قرارنا

وبينما كنت أبتعد

وجدتها تلتفت لي

وتهمس في أذني

سنلتقي مجددًا على الطريق

متشابكين بالحزن»

ثم يسرد في المقاطع التالية قصصًا مختلفة بضمير المتكلم، عن طاهٍ استقال من مهنته ليعمل على قارب صيد يجلس فيه وحيدًا محاصرًا بالماضي، يفكر في المرأة التي يحب، وكيف عجزت جميع النساء عن أن تنسيه إياها.

ثم ها هو رجل يمر على أحد البارات، فيقع في حب النادلة التي تعمل هناك بمجرد أن يراها. وها هو يدخن ويجلس مع امرأة مثقفة تعطيه كتابًا لشاعر إيطالي، تمسُّه كلمات الكتاب، وتتداخل مع حالته، فيستحضر مجددًا صورة حبيبته، ويهدي إليها تلك الكلمات المتشابكة بالحزن، وصولًا إلى المقطع الأخير، إذ يصمم ديلان أخيرًا على استعادة حبيبته بالرغم من أنه على علم بأنهما «يشعران بنفس الأشياء، لكن يريانها من منظور مختلف».

قد يعجبك أيضًا: ديفيد بووي: صوت وحيد لأكثر الساعات ظُلمةً

«صدفة قدرية بسيطة».. المرحلة الثانية: الوحدة

أغنية «Simple Twist of Fate»

«استيقظَ في غرفة خالية

ولم يرها في أيٍّ من أركانها

فأقنع نفسه بأنه لا يهتم، وفتح نافذته عن آخرها

ليشعر بفراغ داخلي لا يُحتَمَل

تسببت به صدفة قدرية بسيطة

يستمع إلى دقات الساعات

ويسير مع ببغاء تتحدث

ويتبعها حتى رصيف الميناء، حيث تتجمع المراكب الشراعية

لربما تختاره مجددًا، أو كم عليه أن يجلس مرة أخرى

في انتظار صدفة قدرية بسيطة

يخبرني الناس أنه لمن الخطيئة

أن أعرف وأشعر بكثير مما يدور بداخلي

ما زلت أعتقد أنها توأم روحي، لكني فقدت خاتمها

لقد وُلدتْ في الربيع، وولدتُ أنا بعد فوات الأوان

واللوم كله على تلك الصدفة القدرية البسيطة»

في أغنية «Simple Twist of Fate» (صدفة قدرية بسيطة) يبدو بوب ديلان محطمًا ويائسًا، وبالرغم من أنه ما زال لديه أمل في العودة إلى حبيبته، فإن فرصته الآن تبدو أضعف، أو ربما يجعلها المنطق كذلك.

أفكار ديلان في هذه الأغنية تبدو هادئة، وتتيح له تأمل الموقف بعقلانية من دون أي مبالغات أو آمال زائفة. إنه رجل ما زال عالقًا بين مرحلتين: لا يستطيع الرجوع إلى من يحب، ولا يستطيع المضي قدمًا في حياته.

«أنتِ فتاة ناضجة الآن».. المرحلة الثالثة: الحزن

«الطقس معروفٌ بتغيره المتطرف

لكن ما فائدة استبدال الأحصنة في منتصف السباق؟

أُوشكُ على فقدان عقلي

بسبب هذا الألم الذي يتوقف ليبدأ من جديد

كمفتاح يتلوى في قلبي

منذ تلك اللحظة التي افترقنا فيها»

عندما أنكر ديلان وجود أي صلة بين ألبوم «دماء على الطريق» وحياته الشخصية، ذكر أغنية «You're A Big Girl Now» (أنتِ فتاة ناضجة الآن) بالتحديد، واستنكر أن يربطها الناس بسارا، وقال ثائرًا إن هؤلاء «حفنة من الأغبياء».

انطلاقًا من وعي ديلان بموقفه الآن، ينتقل إلى مرحلة أخرى من التقبُّل الظاهري لكونه موشكًا على خسارة فادحة. إضافة إلى أفكاره الهادئة، يتولد بداخله شعور أبوي تجاه من يحب، فالطائر الذي عانى كثيرًا وضحى بحريته وبقي في العش يستحق أن يُحَلِّق مبتعدًا الآن، ولا حيلة لديلان سوى أن يدفع ثمنًا باهظًا لأخطائه، وأن لا يحاول منعه.

«رياح غبية».. المرحلة الرابعة: الغضب

أغنية «Idiot Wind»

يختلف الناس في ما يمكن أن نسميه «الأغنية الأفضل» في مسيرة ديلان الغنائية، وربما يبدو مستحيلًا أن تختار له أغنية واحدة في نفس الألبوم، لكني أرى بشكل شخصي أن أغنية «Idiot Wind» (رياح غبية) ربما تكون أفضل ما كتبه على الإطلاق.

يقول عنها بعض معجبيه إنها التوأم الشرير أو النسخة السامة من أغنية «Sad-Eyed Lady Of The Lowlands»، ربما لأنها كُتبت بنفس التقنية، واحتوت نفس القدر من السيريالية والصور الحالمة المبهمة التي ضمتها الأغنية الأولى ومعظم أغنيات ألبوم «Blonde on Blonde». وكما يقول معجبوه، بدا لو أن ديلان يلقي تعويذة مضادة قاتمة، يُبطل بها تأثير السحر الذي أصابته به سارا في البداية، ويحطم الأسطورة التي حملها اسمها.

«جمعتنا الجاذبية وفرقنا القدر

روَّضتِ الأسد القابع في قفصي، لكن هذا لم يغير ما أشعر به تجاهك

والآن يبدو كل شيء معكوسًا، والعجلات تتوقف عن الدوران

والجيد يتحول إلى السيئ، والسيئ إلى الجيد

وتكتشفين عند وصولك إلى القمة

أنكِ ما زلتِ في القاع

لاحظتُ في الحفل أن طرقك الفاسدة أصابتك بالعمى في النهاية

لا أستطيع أن أتذكر وجهك بعد الآن، تغير فمك، وعجزت عيناكِ عن سبر أغواري

وفي اليوم السابع، اتشح الكاهن بالسواد وتيبَّس وجهه

في أثناء احتراق المبنى

وانتظرتُكِ أنا بجانب أشجار الصنوبر

شاهدًا على الربيع وهو يتحول ببطء

إلى الخريف»

لا يتقبل ديلان مسؤولية الإخفاق وحده، ولا يتقبل أيضًا أن يكون الوحيد الذي يشعر بالأسف. يراكم بداخله الغضب الذي يسري في الأغنية، فيصيب من يستمع إليها بغضب مماثل، سرعان ما يستحيل إلى حزن شديد.

«ستجعلينني وحيدًا حين ترحلين».. المرحلة الخامسة: التقبل

أغنية «You're Gonna Make Me Lonesome When you Go»

سرت شائعات عن أن أغنية «You're Gonna Make Me Lonesome When You Go» (ستجعلينني وحيدًا حين ترحلين) لم تُكتَب لسارا، بل لفتاة تُدعى «إلين برنستاين»، دخل معها بوب ديلان في علاقة عابرة خلال انفصاله عن زوجته.

أيًّا كان السبب الحقيقي وراء الأغنية، فهي تنتمي بدقة إلى سلسلة المشاعر التي يقدمها الألبوم. فهو الآن يرثي سوء حظه، ويشبِّه علاقته بمحبوبته بأنها مثل علاقة «فيرلين ورامبو»، ثم سريعًا ما يتراجع عن هذه المقارنة، فقصة حبه لا تشبه أيًّا من هذا.

«مأوى من العاصفة».. المرحلة السادسة: الحنين

أغنية «Shelter From the Storm»

في الأغنية السابقة نجد بوب ديلان يتأقلم مع حياته الجديدة، لكننا نكتشف مجددًا في أغنية «Shelter From the Storm» (مأوى من العاصفة) أنه يفشل ككل مرة، فها هو يستدعي مجددًا ذكرياتهما معًا، مانحًا زوجته السابقة مكانتها الأسطورية من جديد في أغنية «صاحبة العينين الحزينتين»، ثم يشرح كيف أنقذت حياته في السابق عندما خلعت عنه «تاج الشوك»، كناية عن إنقاذه من هوس معجبيه في الستينيات وتقديسهم له كأنه المسيح.

, , , , , , , ,