سلطنة

ديفيد بووي: صوت وحيد لأكثر الساعات ظُلمةً

الصورة: Getty/Evening Standard

«أكون آلةً خارج المسرح، بينما عليه أجد مشاعري، ربما لهذا أفضِّل أن أظل في ثوب زيغي على أن أكون ديفيد بووي». بووي.

بحلول عام 2003، وبعد إصدار ألبومه «Reality»، كان بووي قد أتم عامه السادس والخمسين، وقد أظهر عزمًا مبدئيًّا على تقديم جولته الموسيقية الأضخم والأطول من حيث عدد الحفلات: 112 عرضًا على مدار 10 أشهر.

خلال حفلات تلك الجولة الممتدة، بدا بووي أكثر حيويةً وشبابًا مما يعرفه الجميع، لم تظهر عليه علامات العجز، دارَ بين أربع قارات ليغني كما لم يغنِّ من قبل، يمر على كتالوجه الموسيقي الغني بكل مراحله من أول السبعينيات حتى آخر إصدارته. كانت العروض تطول إلى ساعتين ونصف، لكن ما ميّز الأمر حقًّا كان أنه خرج على الجميع كديفيد بووي، دون أيٍّ من تلك الشخوص التي اعتاد التخفي وراءها، حتى أن «إيرل سليك»، عازف الغيتار الذي شاركه أكثر من 40 عامًا من مسيرته، لم يذكر أنه رأى بووي سعيدًا مرة في حياته كسعادته خلال تلك الجولة.

«حمّسه أداء العروض كل ليلة كثيرًا، لكنه قال لي مرة: بصراحة، أنا مُتعَب. وقال صديقه ومنتجه «توني ڤِسكونتي»: أعتقد أنه حقق كل أمانيه وأحلامه، وربما تخطى الأمر إشباعه».

بدا الأمر كأنه أخيرًا لا يريد ذلك التخفي الذي اختاره طوال حياته، وصل إلى تلك المرحلة وشعر أخيرًا بالحرية أن يكون ما هو دون الأقنعة الجادة التي لطالما وضعها، فخرج مرحًا عفويًّا شابًّا لا يهتم بما قد يظنه الناس، بدت الحياة أخف هذه المرة.

خلال النصف الثاني من عرضه في التشيك، وبينما كانوا يؤدون أغنية «Reality»، كان يُفترض ببووي أن يغني بعض المقاطع في نهاية الأغنية، لكنه لم يفعل. كانت «غيل آن دورسي»، عازفة البايس في فرقته، تراقب المشهد وتلعب خلفه كعادتها، الجميع يغرق عرقًا لحرارة الجو، لكن قميص بووي بدا كما لو كان منقوعًا. يحمل الميكروفون بيده اليسرى مفرودة، ويقف هناك متخذًا وضع الغناء ولا يغني. رفع وجهه عن ذراعه ونظر إلى غيل، شاحبًا، يكاد يكون شفافًا. كانت عيناه أوسع، يحاول جاهدًا التقاط أنفاسه، توقف الجمهور عن الرقص وخيّم القلق على الجميع.

في اللحظة ذاتها، تحرك حارسه الشخصي ومساعد المسرح، توجها إليه وسحباه خارج المسرح سريعًا. عاد بووي بعد دقائق وقد طلب مقعدًا، جلس واستكمل الغناء. لطالما كره إلغاء العروض.

في العروض التالية، لم يُبدِ أي اهتمام بملابسه، لم يُظهر أي تفاعل مع الجماهير، أدى الأغاني سريعًا وعادت الجدية على ملامحه مرة أخرى. التقطته كاميرات بعض الحضور يمسك كتفه متألمًا، كان أكثر إعياءً حتى أنه كان يضع كيسًا في خلفية المسرح ليخرج يتقيأ فيه بين أغنية وأخرى. رفض كثيرًا إلغاء أيٍّ من العروض، ولم يعرف أحد أعضاء الفرقة بإصابته بأزمة قلبية إلا بعدها بخمسة أيام.

بعد الحفل الأخير في الجولة، الذي كان في هامبورغ، خرج بووي والجميع خلفه، وبمجرد نزولهم تهاوى أرضًا. هرعوا به إلى المستشفى، وكانت هذه النهاية، كانت الجولة الأخيرة.

انسحب بووي بعد تلك الجولة لمدة عامين، لم يقدم حفلًا كاملًا، لكنه في عام 2006 شارك مرة جنبًا إلى جنب مع «ديفيد غيلمور»، ثم أدى بضع أغنيات حفل خيري بمشاركة «إليشا كيز» وفريق «Arcade Fire».

كان قد أعلن أنه فقط يمنح نفسه قسطًا من الراحة لمدة عام. تجنب تسجيل أي إصدارات جديدة، لكن ذلك لم يمنعه من مشاركة المخرج «كريستوفر نولان» فيلمه «The Prestige» عام 2006، ثم اختفى مرة أخرى، تلاشى عن الساحة الغنائية لما يقارب سبعة أعوام.

بووي متجسِّدًا: عودة إلى البدايات

في منتصف ستينيات القرن الماضي، بدّل «ديفيد روبرت جونز» اسم شهرته إلى ديفيد بووي، نظرًا للحيرة التي سبّبها تشابه اسمه مع «دافي جونز» مغني «The Monkees»، واختار «بووي» نسبةً إلى «جيمس بووي»، البطل القومي لولاية تكساس الأمريكية إبان ثورتها في القرن التاسع عشر.

كان لديفيد توجهات فنية متعددة قبل مسيرته الغنائية، بداية من كونه فنانًا تشكيليًّا حتى قبل أن يشتغل بكتابة الأغاني. أحب الجاز منذ الصغر، وكذلك موسيقى «جون كولترين»، حتى اشترت له أمه جرافتون ساكسفون.

وقتها، كاد بووي يبدأ التدريب على يد أحد موسيقيي المدينة الماهرين، إلا أنه تعرض لإصابة شديدة في عينه اليسرى، إثر شجار على فتاة مع صديقه «جورج أندروود»، لم يكن معالجة الأمر كليًّا ممكنًا، فصارت الإصابة المستديمة تؤثر في تمييز عينه اليسرى للأبعاد، وهي نفسها تفسر اختلاف لون حدقتي عينيه التي طالما عُرف به.

استكمل دراسة الجاز لاحقًا وتمرّس في لعب الساكس، بل صار مصدر رزقه لبعض الوقت. وبقي للجاز موضع مكثف في موسيقاه، ولم يكف أبدًا عن العودة إليه في إصدارته اللاحقة من حين إلى آخر.

عندما اتجه بووي إلى الغناء، لم يحالفه النجاح كضربة بداية. وهو في الخامسة عشرة، أسس مع صديقه جورج أندروود أولى فرقه الموسيقية، «The Konards». كان عازفًا للساكسفون، ثم بدأ لاحقًا يلعب الغيتار. لعبوا الروك آند رول في الأفراح وتجمعات الشباب، لكن لم يستمر الأمر كثيرًا لعزم بووي الجاد على أن يصبح «بوب ستار». لم يجد في فرقته ما يحمسه فرحل وانضم إلى فريق آخر، «The King Bees».

كان بووي يأمل كثيرًا في أن يساعده رجل الأعمال الإنجليزي «جون بلووم» بعلاقاته الواسعة، فكتب له يطلب منه أن يفعل معه ما فعل مع «البيتلز»، حين دعاهم للغناء في بدايتهم في حفل نظمه في بيته، ومن هنا جاءهم أول تعاقد لهم.

لم يرُد بلووم على رسالة بووي، لكنه رشحه لـ«ليز كون»، مساعد المنتج الموسيقي «دِك جيمس»، فتعاقد بووي مع مدير أعماله الأول. أصدر أغنية واحدة مع «ذ كينغ بييز» ورحل سريعًا لعدم تحقيق أي نجاح تجاري. رحل إلى فرقة أخرى هي «The Manish Boys»، وأصدر مرة أخرى أغنية لم تحقق نجاحًا تجاريًّا، فرحل إلى «The Lower Third»، دون أمل.

وقتها رحل بووي عن تلك الفرقة، أنهى عقده مع مدير أعماله ليز كون، تعاقد مع «رالف هورتون» ليحل محله. في الوقت نفسه، اتجه إلى فريق يغني الجاز، أصدر معهم خامس أغنية فردية لم تلقَ نجاحًا تجاريًّا. عرّفه هورتون إلى «Ken Pitt»، الذي حل محل هورتون لاحقًا مديرًا لأعمال بووي، واتجه به أخيرًا نحو مساره الموسيقي الفردي.

في عام 1966، تعرّف بووي إلى الاستعراضي الطليعي «ليندسي كيمب»، وبدأ دراسة الفنون المسرحية تحت إشرافه، من المسرح الطليعي مرورًا بالتمثيل الصامت والكوميديا الارتجالية.

كانت تلك النقطة الأولى والأهم في مساره الفني، أدرك حبه لخلق الشخصيات والتواصل مع ذاته عبرها. منذ ذلك الحين ظهر بووي الراديكالي، كان يجمع القطع والتفاصيل من كل مكان، وكأنها قطعًا من البازل، هكذا كانت لكل شخصياته قصة وانعكاسات واقعية وأحيانًا أفراد بعينهم.

بهذا بدأ بووي يمهد المشهد الموسيقي لنزول الإله الفضائي من السماء، «زيغي ستاردست»، كواحد من أكثر آلهة الروك تأثيرًا في أجيال السبعينيات، ونقطة التحول الأضخم في مسار الأيقونة الأعظم والأكثر صداميةً وتأثيرًا في مسار «الغلام روك».

بدأ الأمر عندما قابل بووي مغني الروك آند رول البريطاني «فينيس تايلور» مرات في منتصف الستينيات، بعدما أهلكه الحب فأدمن المخدرات وانضم إلى جماعة دينية، ثم أعلن نفسه إلهًا فضائيًّا جاء ليحرر الأرض، قبل أن يخرج على المسرح مرةً في إحدى حفلاته بفرنسا ليصرخ في الناس أنه المسيح وينتهي مساره الموسيقي إلى الأبد. هكذا صار تايلور وقصته أول قطعة في حلقات زيغي.

تلاشى الحاجز بينه وبين شخصية «الدوق الأبيض النحيف»، حتى أنه انعزل عن واقعه، وتدهورت حالته الصحية وظهرت عليه اضطرابات، انعكست على صورته في الإعلام وعلى المسرح.

خلال إحدى عروض جولة ألبوم «Hunky Dory»، دخل على بووي أحد موظفي شركة الإنتاج «Mercury Records»، أعطاه اسطوانة لمغنٍّ مغاير جدًّا في أدائه، وقال له إن عليه الاستماع إلى هذا الرجل فعلًا. كانت الاسطوانة لـ«Legendary Stardust Cowboy»، أحد أهم رواد الروك السيكوبيلي. أُعجب بووي بالرجل وولعه هو الآخر بالفضاء والخيال العلمي، أحبه لدرجة أن يأخذ عنه اسمه.

خرج زيغي إلى العالم مع فريق «Spiders From Mars»، في ثاني إصدار يجمعهم ببووي بعد «Hunky Dory» بعنوان «The Rise and Fall of Ziggy Stardust and the Spiders from Mars» في يونيو 1972.

يشرح بوي أن معظم شخوص الروك التي خلقها لها دورة حياة قصيرة: «لا أعتقد أن باستطاعتها البقاء ألبومًا وراء الآخر. لا أريد أن يغلب عليها الحس الكارتوني». انتهى زيغي بشكل درامي حين أعلن بووي انفصاله عن فرقة «Spiders from Mars» أمام الحضور خلال عرض لندن، في يوليو 1973.

رحل في بداية العام اللاحق إلى نيويورك ومنها إلى لوس أنجلوس، حيث بدأ العمل على ألبومه «Diamond Dogs»، الذي قدم فيه محاكاة ديستوبية لرواية «جورج أورويل» الشهيرة «1984». خلال تلك المرحلة أدمن بووي الكوكايين بشكل ملحوظ أثر كليًّا في شكله الخارجي، وتزامن ذلك مع تحوله إلى شخصية «الدوق الأبيض النحيف». كان الدوق الأبيض نابعًا من شخصية «توماس جيروم نوتين»، الفضائي بشري الجسد الذي قدمه بووي في فيلمه «The Man Who Fell to Earth».

تلاشى الحاجز بينه وبين الشخصية حتى أنه انعزل نفسيًّا عن واقعه، انجرف بشكل حاد نحو إدمان الكوكايين، تدهورت حالته الصحية والنفسية، خسر نحو 20 كيلوجرامًا من وزنه، وانعدمت رغبته في النوم، وعمل بشكل مكثف في الاستوديو. ظهرت عليه اضطرابات سلوكية ونفسية انعكست على صورته في الإعلام وعلى المسرح، من خروجه مرةً لإبداء إعجابه بأدولف هتلر، ووصفه اليسار بالتيار الفاشي في حواره مع مجلة «بلاي بوي» عام 1976.

كان ألبومه المكثف الصارخ «Station to Station»، الذي سجله عام 1975، ابنًا لهذه الفوضى وتلك الغيبوبة الطويلة، حتى أن بووي لم يتذكر أبدًا ظروف إنتاجه أو سياق تسجيله. وصف لاحقًا ما كان عليه من تأييدٍ للفاشية بأن «الدوق الأبيض» تملّكه، وأن وعيه غاب كليًّا بفعل المخدرات خلال تلك المرحلة.

سجل بووي عبر ذلك الإصدار وعيًا حادًّا بصراعه بين أن ينجرف شعوريًّا في تجارب أكثر عمقًا وكشفًا لأبعاده الإنسانية، أو أن يتخفي كليًّا من صفاته الإنسانية تحت كينونته الفضائية المخيفة، ويبقى بمعزل مستمر خارج ذلك العالم. التحرك من اتجاه إلى الآخر، من تاج الملك إلى الملكوت، على صليب المسيح، محطمًا قلوب المحبين دون أمل في عودة اتصاله بدواخله الإنسانية.

بووي، إينو، فريب: ثلاثية برلين والموجة الجديدة

أغنية «Yassassin» 

خلال تعافيه من الإدمان، رحل بووي مع «توني فسكونتي» إلى برلين، تعرّف الأول هناك إلى الموسيقي «براين إينو»، وكذلك «روبرت فريب» عازف الغيتار ومؤسس فريق «King Crimson»، وبدؤوا جميعًا العمل معًا.

على إثر ذلك جاءت ثلاثية برلين الشهيرة، التي بدأت بألبوم «Low» عام 1977، أحد أهم علامات بووي، بما فيه من مزج بين «الكرواتروك» (Krautrock) و«الفانك» و«الآرتروك».

في نفس العام، تبعه الإصدار الثاني من تلك الثلاثية، الذي حمل اسم الأغنية الأشهر في تاريخ بووي «Heroes»، شهد ذلك الألبوم تعاون بووي وإينو مع فريب، لتشهد حركة الموجة الجدية ازدهارًا مبهرًا مع تغيُّر شكل الأدوات التي قدم بها الثلاثي ذلك الإصدار، من استعمال مباشر للسينث والعناصر المحيطة، والبنية الأكثر مينيمالية المليئة بالضجيج الأبيض (White Noise).

تضخم بووي تجاريًّا بعد تعاونه مع فريق «كوين»، وسجّل وصوّر لاحقًا أغنية «Dancing in the Streets» مع رفيقه «ميك جاغر».

في عام 1979، جاء ثالث إصدار من السلسلة مُركّبًا بعض الشيء، لما فيه من توسع بالدمج، فشمل الموسيقى الإثنية مع نفس الشكل المينيمالي الجديد، وبعض التراكيب من المقامات الشرقية، كـ«الحُجاز» مضادًا لذلك اللحن الغربي. إصدارًا مفاهيميًّا حمل اسم «Lodger»، يحاكي فيه نزيل شريد يقع ضحية متع الحياة وتطور التكنولوجيا.

عند عودته إلى بريطانيا عام 1980، كانت الحركة الرومانسية الجديدة/السينث بوب (Synth Pop) قد نمت في لندن، بعدما بدأت عند موسيقى ديفيد بووي وفريق «Roxy Music». تفرّد بووي بالمشهد كليًّا، وتحوّل مرة أخرى إلى كيان جديد، ذلك المهرج الشريد الذي لعبه في أغنية «Ashes to Ashes» من ألبوم «Scary Monsters».

أغنية «Ashes to Ashes»

لم يكتفِ بووي بذلك، فأعاد رفيقه السابق «الدوق النحيف» في نفس الأغنية، ساخرًا، لتبدأ القطعة بتلقي رسالة من صديقه القديم، حليف البدايات الأولى «ماجور توم»، وقد تلقوا رسالة منه بعدما ضل طريق العودة في الفضاء، محاكاة أخرى لتجربة بووي مع الإدمان.

حوّل بووي الرائد البطل إلى مجرد مدمن آخر، لا يستطيع أن يبقى بعيدًا عن جرعته. لم يخفِ القصة وراء أسطورته الملحمية التي رفعته إلى سماء النجومية الأولى عام 1969، كانت «Space Oddity» بكل ما فيها من مشهدية لرائد تضيع مركبته في الفضاء خلال عمليته الاستكشافية، بكل ما فيها من رسائل وداع لزوجته وأطفاله، هي في الحقيقة سردية مكتوبة بعناية وحرفية شديدة عن الإدمان.

تغنى بووي في «Fashion» نفس الإصدار عن الحركة الرومانسية الجديدة في المملكة المتحدة، وسخر من الموضة والتوجهات السائدة في محافظتها وعدم انفتاحها على هؤلاء المنعزلين عنها، مشبههًا إياها بالفاشية.

جاء ذلك الإصدار على نفس الأسس والقواعد التي بناها بووي وإينو وفريب في ثلاثية برلين، بلمحة أكثر كثافةً من الهارد روك بصحبة «بيتي تاونشيند»، عازف الغيتار وكاتب الأغاني الأول لفريق «The Who»، وعازف الغيتار «تشاك هامر»، المعروف بمواده العديدة مع بووي و«لوو ريد».

في الأعوام التالية تضخم بووي تجاريًّا، تعاون مع فريق «Queen» في ثنائيته الشهيرة مع «فريدي ميركوري» باسم «Under Pressure»، ثم «نايل روجرز» في «Let’s Dance»، ثم ألبوم «Tonight» مع «إيغي بوب» و«تينا تيرنر»، وسجّل وصوّر لاحقًا أغنية «Dancing in the Streets» مع رفيقه «ميك جاغر».

أتت بعد ذلك أعوام تخلِّي بووي عن مساره الفردي وعودته لتكوين فريق موسيقي يضم عازف الغيتار «غابريلز ريفيز» والأخوين «Tony and Hunt Sales» على البيس والدرامز. بدت الأسماء مبشرة، لكن جاءت فرقة «Tin Machine» وإصدارها الأول ثم الثاني. لم تقدم الإصدارات المأمول تجاريًّا أو نقديًّا، حتى بعد الجولة الدعائية. وفي الوقت الذي بدؤوا التجهيز لإنتاج إصدار ثالث، أنهت بعض المشاكل الشخصية خططهم وتفكك الفريق.

لم يحب بووي توجهه التجاري في أواخر الثمانينيات، أجبره حل فرقته على العودة سريعًا إلى مساره الفردي عام 1992. وخلال زفافه على عارضة الأزياء الصومالية إيمان في العام نفسه، قابل براين إينو للمرة الأولى منذ عام 1979، وبدءا بعدها بعامين العمل على ألبوم بعنوان «Outside».

أغنية «The Motel»

بحسب ما ذكره عازف الكيبورد «مايك جرايسون»، قال بووي إنه سيجمع كل الموسيقيين المفضلين الذين ألهموه، ليرتجلوا تراكين متعددي المسارات، ثم يعيد إينو صياغتها لعمل الأغاني.

باستعمال بعض اللوحات والفنون البصرية الذاتية التي جلبوها معهم من إحدى المصحات النفسية، كتب بووي كلمات هلوسية على برنامج «Verbasizer»، الذي يعيد ترتيب الجمل بشكل عشوائي، وهو ما كان طفرة تكنولوجية هائلة آنذاك. في الجلسة الأولى، سجل بووي وإينو وباقي الموسيقيين ما يقارب الثلاث ساعات.

بينما العمل مستمر على ذلك الإصدار، طلب القائمون على مجلة «Q» الموسيقية من بووي أن يكتب مذكراته الشخصية عن 10 أيام من حياته. وخوفًا من أن تكون مملة، إذ لا شيء في حياته غير الاستوديو وفراش النوم، كتب بووي مذكرات خيالية لخمسة عشر عامًا من حياة شخص خيالي ابتدعه وأسماه «ناثان أدلير»، كان وحي تسجيله الأول مع إينو، وأصبح لاحقًا محور الإصدار.

على نفس الخط من الارتجال، كتب بووي باقي شخصياته الروائية السبعة على تلك الارتجالات الموسيقية التي تحدث خلال جلسات التجريب.

كان بووي ينظر إلى نتاج ترتيب الكلمات العشوائي لأول مرة خلال التسجيل، يرتجل الأداء سريعًا مع الموسيقى. تخيّلَ بووي في هذا الإصدار أنه في نسخة أكثر فسادًا من ذلك العالم، يحرِّك جنون بعض الحركات الفنية السرية إلى القتل والتمثيل بالجثث كتوجه فني جديد، بينما تشكل الحكومات فريقًا للتحقيق في تلك الجرائم، وكان ناثان هو ذلك المحقق الذي يحدد بشكل قانوني ما إذا كانت تلك أعمالًا فنية أم «خراء».

حينما تحدث بووي عن إلهام ذلك الألبوم، قال: «ربما كان أحد الخطوط الخفية فيه هو تلك الوثنية الجديدة، البحث عن سريان حياة روحية جديدة، لأننا بني الإنسان حطمنا مفهوم الإله في بداية هذا القرن، ذلك الثلاثي: نيتشه، آينشتاين، فرويد، حطموا كل شيء نعرفه ونؤمن به. فالوقت ينحني، والإله مات، والهوية الذاتية مكونة من عديد من الشخوص. فبأي لعنة نحن الآن؟».

«أفكر أحيانًا: هل يدرك الإنسان أن الإله الوحيد الذي صنعه كان القنبلة الهيدروجينية؟ أو أن التسرب من إدراك أن تلك الآلهة التي نصنعها لا تُنتج إلا الكوارث، يحرك الناس نحو البحث عن روابط روحانية موحدة وسلام نفسي مع الذات.

«لكن تلك الفلسفة الوضعية لم تكن موجودة في نهاية القرن الماضي، وكان الشعار المنتشر بين المجتمع الفني والأدبي آنذاك أنها كانت نهاية العالم، وأن ما يلي ذلك هو الهلاك المدقع. هذا ليس الوضع الآن. يمكن أن نكون الآن حذرين أو غاضبين بعض الشيء مما يجري حولنا، لكن ليس هناك إحساس عام بأن النهاية ستكون عام 2000 مثلًا، بل هناك احتفال وشعور ضمني بأنه على الأقل يمكننا أن نعيد تشييد الحطام».

بعد ذلك الإصدار، تعاون بووي مع «ترينت ريزنور» مؤدي فرقة «Nine inch Nails»، شاركه إعادة توزيع بعض أغانيه، لتستمر المرحلة الإلكترونية في موسيقى ديفيد بووي ستة أعوام أخرى، محافظًا على نجاحه الفردي المعتاد، ويحتفل بعامه الخمسين في يناير 1997، ثم يصدر ألبومه العشرين «Earthling» في الشهر التالي.

بووي نيوكلاسيكيًّا؟

غلاف ألبوم «Heathen» - الصورة: Iso Records / Columbia

منذ أواخر التسعينيات حتى مطلع الألفية الأولى، تجلى خروج بووي التدريجي من تأثير الموسيقى الإلكترونية. بدأ مع توني فسكونتي التوقف بالزمن، مسار يتحول كليًّا مرة أخرى، بدؤوا العمل على ألبوم جديد بعنوان «Toy» من أجل إصداره عام 2001، لكن هذا لم يحدث، فاستكملوا العمل على ألبوم جديد كليًّا، صار «Heathen»، واحد من أكثر الإصدارات كمالًا في تاريخه، لِما فيه من بناء موسيقي مكتمل النضج والصياغة، تغيُّر شديد البلاغة والجمال في أداء بووي.

صمم «جوناثن بارنبرووك» غلاف ألبوم «Heathen»، ولم يحمل غير صورة صادمة لبووي دون اسمه، وفي أسفل الصورة كلمة «Heathen»، أي كافر، بالمقلوب.

بدا المغني ذو الخمسة وخمسين عامًا أكثر ثباتًا وتصالحًا مع غياب الإجابات، نيوكلاسيكي هادئ، وجد أخيرًا السلام كي يكون ديفيد بووي، أن يكف عن التواصل مع العالم عبر شخوصه، أن يخرج عن أقنعته. في ذلك الألبوم، عاد بووي إلى مصادر تأثره الأولى، التي لم يجد يومًا حرجًا في إظهارها للجماهير.

فمثلًا، أعاد تقديم أغنية الكندي «نيل يانغ» «I've Been Waiting for You»، ثم عاود زيارة وحي زيغي القديم «Legendary Stardust Cowboy»، فغنى له «I Took a Trip on a Gemini Spacecraft». وفي الفيديو المصور لأغنية «Slow Burn»، ظهر ماجور توم مرة أخرى في آخِر مشهد، واقفًا في أقصى زاوية الاستوديو، لم يكف أبدًا عن استخدام شخصياته لدلالة ما لا يحتاج عادةً إلى شرحها، بل يتركها للمُشاهد/المستمع.

أغنية «Sunday»

صمم غلاف الألبوم «جوناثن بارنبرووك»، محاكيًا فكرته الأساسية بوضوح: الإنسان المعاصر الكافر بكل التأويلات المقدسة. لم يحمل الغلاف غير صورة صادمة لبووي دون اسمه، الجميع يعرف من هو ديفيد بووي، وفي أسفل الصورة كلمة «Heathen»، أي كافر، بالمقلوب.

في العام التالي، أصدر بووي ألبومًا بعنوان «Reality»، استمر فيه مع فسكونتي على نفس الخط، بكثافة أقل، إيقاعات أكثر تسارعًا مرة أخرى، أحيانًا أكثر دراميةً وعتمةً في «The Loneliest Guy»، أو كما قال بووي عن نفسه مرة ساخرًا: «أتغذى على السينتمالية الرخيصة، أنا بكّاء حقيقي». كان ذلك الألبوم الأخير في جولته قبل القطيعة الطويلة.

اليوم الآتي: بين الحنين لما مضى، وبداية العد العكسي

الفيديو المصور لأغنية «Love is Lost»

بعد أزمته الصحية، ظل بووي بعيدًا عن الساحة ما يقارب 10 أعوام، دون إجابة لسؤال: هل يعود؟ متى يعود؟

كان غياب بووي ارتباكًا ونقطة تحول جذرية في كيانه ومنظوره، لطالما كان بووي جوّالًا لا يستقر على جدوى محددة.

اختار بووي غلاف أكثر الألبومات وقارًا وشعبية عند محبيه، وأطاح به. أراد للجميع أن يقعوا في المقارنة بين أيام برلين والوقت الحالي.

في عام 2013، كانت تلك العودة التي لا تحمل أي أسئلة ولا مقدمات واضحة، استلم أعضاء الفرقة رسائل من بووي على بريدهم الإلكتروني، يسألهم إن كانوا يحبون العمل معه على ألبوم جديد بشرط التكتم الشديد. لم يكن بووي يريد للإعلام ولا لأي مخلوق خارج عملية الإنتاج أن يعرف بالألبوم قبل صدوره، حتى أنه كان يرمز إليه بـ«الطاولة» خلال محادثاته الهاتفية مع مصمم الغلاف. كذلك، أراد أن يأخذ كامل وقته بالعمل على الإصدار دون تسرع، لم يعد بووي الذي نعرفه، لم يعد يجلس في الاستوديو طوال اليوم، بل صار يغادر مبكرًا في ساعات محددة.

شيء تغيّر يا بووي، المرض جعله يقف بالزمن وينظر لأول مرة خلفه، بمشاعر مضطربة حيال ما تركه، وإعادة النظر بجدية إلى ما يتوقعه الناس منه نظرًا لتاريخه الطويل. كان هذا الألبوم محاكاة لتخريب الماضي الذي لا يستطيع الهرب منه.

غلاف ألبوم «The Next Day»

كان «بارنبرووك» مصمم البصريات المثالي لتلك المرحلة، بعد أن عمل مع بووي في مرحلته النيوكلاسيكية، فصمم هذه المرة غلاف ألبوم «The Next Day»، ذلك الغلاف الذي تعجب كثيرون لرؤيته، فلم يكن أكثر من مربع أبيض يغطي وجه بووي الشاب في غلاف ألبوم «Heroes»، تعتليه كلمة «اليوم الآتي»، بينما شطب العنوان الألبوم البرليني القديم في الأعلى. كان صادمًا وجارفًا لمشاعر محبيه، فما الذي قصده من مثل ذلك الإعلان؟

في البداية، أراد بووي أن تنقلب الصورة رأسًا على عقب، هكذا يرى الماضي، في محاولة التخطي والمضي قدمًا، لذلك اختار غلاف أكثر الألبومات وقارًا وشعبيةً عند محبيه، وأطاح به. أراد بووي للجميع أن يقعوا في مقارنة بين أيام برلين في أواخر السبعينيات، والوقت الحالي، بين الماضي الحميم والحاضر المبهم، تمامًا كما شعر هو ذلك الوقت.

لم يختلف الألبوم كثيرًا عن غلافه، جاء مغايرًا كليًّا، بووي في تكوينه الجديد يعيد صياغة الزمن ويفرض وجهًا جديدًا هذه المرة، لكن هذا الوجه مارَس هوايته في التخفي والتعري وراء النص، كلمات مباشرة تحمل معانٍ مختلفة، في توجه موسيقي مختلف كليًّا، أيضًا، عن كل ما نعرفه عنك يا ديفيد.

«إنها أكثر الساعات ظُلمة

وأنت في الثانية والعشرين من عمرك

صوت الشباب، ساعة الرهبة

إنها أكثر الساعات ظُلمةً وصوتك جديد

الحب فقد، الفقد حب
...
بلادك جديدة، وكذلك أصدقاؤك

بيتك جديد، وحتى عيناك جديدتان

خادمتك جديدة، ولكنتك جديدة

لكن خوفك عمره من عُمر العالم»

بطل أغنية «Love is Lost» هو بووي في بداية مسيرته الموسيقية، ذلك الوقت الذي حقق فيه أول نجاحاته، «Space Oddity»، كان سن بووي 22 عامًا آنذاك. ثم يأتي الترحال وتجميع الذات من بلد إلى آخر، والبحث عن أصدقاء جدد، وبيت أكبر، وربما بعض عمليات التجميل، التقاط لكنات جديدة، وتلك تحديدًا كانت دائمًا هواية بووي. يُودِع الحياة الألمَ والمخاطرة، عندما كانت كل الأشياء حقيقية. ها قد وصلتُ إلى النجومية، ما زلتُ وحيدًا، شريدًا، فماذا بعد الصعود إلى السماء؟

الملفت أكثر للانتباه هو الفيديو المصور لهذه الأغنية، الذي احتوى على نسخة معاد مزجها، تحمل اللازمة الأساسية لأغنية «Ashes to Ashes»، بينما تعود شخصيات الأخيرة للظهور في الأغنية الأحدث بسياقات معكوسة. يحاول الدوق الأبيض النحيف قتل المهرِّج الشريد فيسجنه المهرج دون أمل في الفرار. بينما يعود الدوق النحيف ليقتل المهرج في المحاكاة الأحدث، لتنتهي الأغنية بالدوق النحيف يحمل جثة المهرج الذي يخاطبه مفجوعًا: «ما الذي فعلت؟».

يغني بووي هذه المرة بشيء من الميلانخوليا الثقيلة عن أيام برلين، محطة قطار بوتسدامر بلاتس، الطرقات والملاهي الليلية، كرجل ضاع في الزمن، يمشي موتًا، لا تلمع عيناه، ولا شيء داخلها. الحنين إلى ذلك الوقت الذي مر، دون أمل في استرجاعه. تحكي الأغنية أيضًا عن سقوط جدار برلين، ولحظات العبور الأولى قبل ما تُفتح بشكل رسمي، الخوف من احتمالات الأسى والموت.

في نهاية الفيديو، يظهر بووي مرتديًا تيشيرت مكتوب عليه «m/s Song of Norway»، ذلك اسم الفيلم الذي تركته محبوبته القديمة «هيرميون فارثينغال» عام 1969 من أجل تصويره، تلك التي تألم بووي كثير لرحيلها، وكتب في غيابها «Letter to Hermione» و«Life on Mars».

بلاكستار: مانيفستو الوداع

منذ طفولته، تمنى بووي أن يكتب مسرحية روك موسيقية، رغم أنه لم يكن يعلم كيف يتكون بناء الكتابة المسرحية وقتها، لكن الفكرة ظلت تراوده حتى الأعوام الأخيرة.

لم يعتبر بووي نفسه مفكرًا بقدر ما وصف نفسه بأنه كيان يمتص كل ما حوله من ظروف وتواريخ، ثم يعيد بنائها فنيًّا، لذلك وحده كان رائدًا لتوجهات أكثر راديكاليةً من حيث تقديم الشخصيات، ولبداية خطوط أكثر تجريبيةً انقلب عبرها شكل الروك.

جلس بووي مع المنتج «روبيرت فوكس» وأخبره أنه يريد كتابة مسرحية موسيقية، وأن الاسم سيكون «Lazarus»، أما القصة نفسها فستكون مبنية على شخصية «توماس نيوتن» الذي لعبه في الماضي، نيوتن الفضائي الذي وجد نفسه على الأرض من غير طريق للعودة، لذلك هو في العالم وليس منه، غني، عنده بيت، ومع ذلك لا ينتمي إلى أي مكان أو شخص.

قبل أن تبدأ ورشة إعداد المسرحية، بعث بووي إلى فوكس يطلب منه أن يذهب إلى مكتبه في نيويورك في وقت محدد. عندما دخل فوكس مكتب بووي، كان ديفيد يجري مكالمة على سكايب. حدثه بووي عن صعوبة وجوده المستمر خلال الورشة، وأكد أن هذا لا يعني عدم مشاركته، ثم أفصح له عن خضوعه للعلاج من السرطان.

بدأ بووي يعمل على ألبومه «بلاكستار» بمجرد انتهاء جلسات تسجيل ألبومه السابق، حدد شكلًا مبدئيًّا للأغاني يظهر فيه الجازترونيكا طاغيًا أكثر من أي شكل موسيقي قدمّه سابقًا. جلب فرقة جاز محلية من نيويورك، وعرض على «ماريا شنايدر» مشاركته التسجيل، لكنها اعتذرت لانشغالها بتسجيل ألبومها مع الأوركسترا الخاصة بها، ورشحت له «دوني مكاسلين» وفرقته.

كتب بووي أغنية تتر المسلسل التلفزيوني «The Last Panthers» للمخرج «يوهان رينك»، وكانت الأغنية هي «بلاكستار»، عنوان ألبومه الأخير.

ظهر تجنُّب بووي وتوني فسكونتي للروك آند رول تمامًا خلال إنتاج «بلاكستار»، فكان المؤثر الأول لهم هو سابق إنتاجهم للكرواتروك في ثلاثية برلين، كما كان بووي يسمع ألبوم «To Pimp a Butterfly» لـ«كندريك لامار»، وبعض إصدارات فريق الهيب هوب «Death Grips».

عرض ديفيد على المخرج «يوهان رينك» فيديو أغنية «بلاكستار»، وبمجرد موافقته، أعطاه رسومًا لشخصيات القطعة، المُبشِّر المعصوب والأتباع، وبعض المشاهد والكادرات. لفت انتباه رينك ذلك الكادر الذي يرقد فيه الهيكل العظمي لرائد فضاء في بدلته، أدرك فورًا أن هذا هو ماجور توم. بعد أسبوع، أخبر بووي رينك في محادثة على سكايب أنه مريض للغاية وربما يموت قريبًا، ثم لم يتحدث عن ذلك الأمر مرة أخرى.

النجم الأسود في أغنية «بلاكستار» هو مرحلة انتقالية للنجم المتهاوي في طريقه إلى الوحدانية، تتفجر طاقته في النطاق المحيط. النجم الأسود أيضًا مصطلح طبي لندب سرطاني في الصدر.

في رمزية للموت البطيء، وكتقليد مسيحي، تُوقد شمعة واحدة لمن يوشك على الرحيل. بووي، الراوي/المبشِّر/النبي المعصوب، على غشاء عينيه زِرّين، يتراقص هلعًا، يبدو مخاطبًا لقوى خفية أعلى منه، ترتعش يداه اضطرابًا، ينظر إلى أتباعه بينما يؤدون نفس الحركات في تناغم مع حفلة الهلع الآلاتية، الجاز أسود، متخبط، مسعور كصوت بووي الذي يغطيه الوعيد والرثاء، تبديلات سريعة وحادة في عدات الوقت، تنتقل القطعة من مشهد الرحيل وصعود النبي، إلى تلك النبرة الآملة المتسامية مع الموت، تهدأ بانخفاض حدة الإيقاعات.

تقترب الفتاة من جسد ماجور توم المستلقي على الأرض، تنزع غلاف بدلته عن وجهه، تظهر خلفه جمجمة تزينها حبات من الحُلِي، بات مصير توم معروفًا الآن بعدما ضلت مركبته العودة وظلت لسنوات تدور وتدور في الفضاء، «شيءٌ صار يوم مات (...) حلّ شخصٌ آخر مكانه، بشجاعة أعلن باكيًا: أنا النجم الأسود، أنا النجم الأسود”.

النجم الأسود هو تلك المرحلة الانتقالية للنجم المتهاوي في طريقه إلى التفرُّد والوحدانية، تلك المرحلة التي ينعدم فيها وجود الزمكان، يموت النجم حينها، يتحول إلى كينونة أخرى، وتتفجر طاقته في النطاق المحيط. النجم الأسود أيضًا هو مصطلح طبي لندب سرطاني في الصدر.

في أكتوبر 2015، بدأ يوهان رينك تصوير أغنية «Lazarus»، ثاني أغنيات الألبوم. طلب بووي منه أن يكون أداءً بسيطًا، النبي المعصوب يغني في فراشه، ويقوم في ثوب الدوق النحيف الأبيض، يجلس إلى الطاولة ويبدأ في الكتابة هلعًا وكأنما أحدٌ يلاحقه، ثم يغادر العالم عبر ذلك الدولاب الموجود في الغرفة. لم يلاحظ رينك علاقة الأمر بمرضه، لكنه علم لاحقًا أن ذلك الأسبوع الذي بدؤوا فيه تصوير الأغنية هو الأسبوع نفسه الذي أوقف فيه العلاج، وبات الرحيل حتميًّا، وبدأ العد التنازلي.

لم يُعلم بووي أحدًا بمرضه إلا هؤلاء الذين يشاركهم عملية الإنتاج. وفي شهره الأخير، كانت حالته في اضمحلال مستمر، وصار جسده أضعف.

لم يتوقع أحد أن يحضر افتتاح المسرحية، لكنه ظهر. بدا هادئًا، إيجابيًّا، طلع على المسرح مع فريق العمل لتحية الجمهور، لم يرحل حتى شكر الجميع وأثنى عليهم. وكان هذا لقاؤه الأخير معهم.

في المشهد الأخير من «لازوراس»، يغني نيوتن، الذي أدى «مايكل سي هول» دوره، أغنية «Heroes» بحالة أكثر انكسارًا، بينما يحاول أن يتقبل موته، راقدًا على الأرض، وفي رأسه يصعد إلى النجوم، موطنه.

يوم الثامن من يناير عام 2016، وبعد يوم من صدور الفيديو المصور لأغنية «Lazarus»، كان عيد ميلاد بووي التاسع والستين، وتاريخ صدور ألبومه الأخير «بلاكستار». احتفل في بيته مع زوجته إيمان، كان توني فسكونتي يقدم عرضًا في نفس الليلة، اتصل ببووي خلاله، غنى له مع الجمهور «عيد ميلاد سعيد».

أغنية «My Death»

في «Girl Loves Me»، يصرخ بووي: «أين ذهب الإثنين الملعون؟»، مذعورًا في ملاحقة الزمن، يصرخ لأنه قد لا يلحق يوم الإثنين.

ختم بووي وداعه بخطابٍ كاشف، «I Can't Give Everything Away»، يعرِّي تساميه الأخير، وكأنما يخاطبنا من السماء أخيرًا بعدما تخلى. تبدأ الأغنية بعودة إلى جملة الهارمونيكا ذاتها التي لُعبت في أغنية «A New Career in a New Town» في ألبوم «Low» عام 1977، غناها عن المضي قدمًا وبداية طريق موسيقي وحياة جديدة. أن تبدأ بتلك الجملة في رسالتك الأخيرة، فإنك تعني أنك تخطيت المصير الآتي، تصالحت مع النهاية فصارت شيئًا من الماضي.

«أرى أكثر وأشعر أقل

أقول نعم وأقصد لأ

هذا كل ما قصدت

تلك الرسالة التي أرسلت»

في صباح الأحد، العاشر من يناير، تُوِّج ديفيد بووي نجمًا أسود في السماء، رحل عاليًا وترك مجده الموسيقي مكتملًا. موسيقي، مغنٍ، مسرحي تشكيلي، ممثل، كاتب مخضرم أجاد بناء شخوصه، حرباء تجيد التلوُّن والتبدُّل والمواكبة، كان إلهًا موسيقيًّا، ورحل إلى أعلى، من حيث جاء، في ذلك العصر بينما يُعَد ممكنًا عودة آلهة السبعينيات.

«انظر إلى أعلى، أنا في السماء

عندي ندوب لا تُرى

عندي دراما لا تُسرق

والجميع يعرفني الآن

انظر هنا، أنا في خطر

لم يبقَ لي شيء أخسره

(...)

بهذا الطريق أو بدونه

سأكون حرًّا

تمامًا كذلك الطائر الأزرق

أليس مثلي تمامًا؟

سأكون حرًّا»

وداعًا ديفيد بووي.

, , , , , ,