الشاشة

«Black Panther»: حين تملك كل الكروت الرابحة.. وتخسر اللعبة

لقطة من فيلم «Black Panther» - الصورة: Marvel Studios

في عام 2016 ظهر الجزء الثالث من سلسلة كابتن أمريكا بعنوان «Captain America: Civil War»، إذ ظهر فيه لأول مرة على شاشة السينما شخصية الفهد الأسود المعروف باسم «Black Panther» الذي شهد اغتيال والده خلال اجتماع فيينا من أجل وضع فريق «Avengers» تحت سيطرة الحكومة الأمريكية، واختار الفهد الأسود جانب «توني ستارك» «Iron Man» في طرفي النزاع بالفيلم للانتقام من «The Winter Soldier» الذي اعتقد أنه مسؤول عن موت والده.

كانت تلك الخطوة ذكية لمعرفة ما إذا كانت فكرة تقديم سلسلة الفهد الأسود ستنجح أم لا، فالمساحة الصغيرة لشخصية الفهد الأسود التي لاقت ردود أفعال إيجابية جعلت من السهل الإقبال على تقديم فيلم كامل من بطولة الفهد الأسود وحكايته منذ البداية، وكيف تولى الحكم في مملكة «واكاندا» من بطولة الممثل الأمريكي «تشادويك بوزمان» الذي سيعود مرة أخرى لتقديم شخصية الفهد الأسود في الجزء القادم من «Avengers» بعنوان «The Avengers: Infinity War» هذا العام.

البداية «واكاندا» الفاضلة

الإعلان الرسمي لفيلم «Black Panther»

أشاد النقاد بتقديم واكاندا كأنها المدينة الفاضلة، وتساءلوا: كم فيلمًا من إنتاج هوليوود ظهرت فيه مدينة إفريقية ذات تقدم تكنولوجي وازدهار.

ابتكر «ستان لي» و«جاك كيربي» عام 1966 شخصية الفهد الأسود التي تعد من أبرز شخصيات «مارفل»، وظهرت لأول مرة في مجلة «Fantastic Four» في العدد رقم 52.  بعدها انتقلت الشخصية إلى فريق «Avengers» بشكلٍ كامل عام 1968.

الفهد الأسود أو «Black Panther» زعيم منطقة «واكاندا» التي تدور فيها معظم أحداث الفيلم الذي يحكي بداية حكم الملك «تتشالا»، وهي مملكة أو مدينة إفريقية خيالية معزولة عن العالم.

تتمتع مملكة «واكاندا» بالتقدم التكنولوجي بسبب وقوعها على جبل من معدن نادر (خيالي)، وهو الـ«فيبرانيوم» الذي يعود مصدره إلى نيزك هبط على واكاندا منذ زمن سحيق. نفس المعدن المصنوع منه درع كابتن أمريكا المنيع.

تعمل قوانين واكاندا على حمايتها والحفاظ على حدودها من الأعداء، ويُمنَع الغرباء من دخول المملكة حتى لا يعرفوا القوة التكنولوجية المتقدمة التي تتمتع بها المملكة.

تظهر واكاندا في فيلم «Black Panther» منطقة صغيرة تقع حول بحيرة «توركانا»، وتجتمع فيها أوغندا وكينيا وجنوب السودان وإثيوبيا، هذا المثلث المعروف باسم «أليمي».

أشاد كثير من النقاد بتقديم الفيلم لمنطقة واكاندا وكأنها المدينة الفاضلة، وتساءلوا: كم فيلمًا من إنتاج هوليوود ظهرت فيه مدينة إفريقية ذات تقدم تكنولوجي وازدهار مثلما ظهرت واكاندا في «Black Panther»؟

بالفعل ظهرت واكاندا مدينة إفريقية متقدمة تكنولوجيًّا، لكنها لم تبد لي مدينة فاضلة، أيُّ مدينة فاضلة يتحدثون عنها؟ لم يُظهِر السيناريو أي مواقف للملك ليبدو لنا ملكًا عادلًا، ولم يبد لي شعب واكاندا سعيدًا يرتع في سعادة وعدل وحكمة، فلم يسمح السيناريو المكبَّل بكثير من الـ«أكشن» والشخصيات بأن يفرد مساحة لتقديم واكاندا  مدينة فاضلة سوى بالتغزل في مشاهد شروق الشمس. هل يكفي أن تشاهد شروق الشمس بشكل خلاب في مدينة ما لتدرك أنها مدينة فاضلة أو يوتوبيا منتظرة؟

اقرأ أيضًا: «بلوكباستر» هوليوود: هل انتهى زمن الأفلام «المُشبعة»؟

سيناريو مكبل بتكفير الأخطاء

أعتمدت حبكة الفيلم على فكرة الصراع على عرش واكاندا. والتي تَعِدَ بالكثير لو لم يكن علينا إدخال أكثر من ٣٠ دقيقة من الأكشن والمطاردات و٢٠ دقيقة من التأملات.

تتمتع مارفل دومًا بالتفوق في عنصر الإبهار البصري، فلن تجد لها فيلمًا خلال السنوات الأخيرة إلا وكان ممتعًا بصريًّا بكل تفاصيله، الأمر الذي بدا جليًّا في فيلم «Black Panther» أيضًا، لكن الفيلم يفتقر إلى كثير من الإحكام في حبكته وقصته، وكأن مارفل قررت تصحيح كل أخطائها في فيلم واحد، فقدمت سيناريو مكبلًا بتكفير كل الأخطاء.

هل كان يجب تقديم كل شخصيات الفيلم من ذوي البشرة السمراء عدا شخصيتين إحداهما تمثل عنصر الشر في الفيلم؟ وهل كان يجب جمع كل هؤلاء النجوم في فيلم واحد؟ هل كان لا بد من إبراز العنصر النسائي بهذا الكم في محاولة للتكفير عن سيطرة الرجال على بطولة معظم أفلام مارفل إن لم يكن جميعها؟ كل هذا الحشد أضعف كثيرًا سيناريو الفيلم، فلم يكن هناك مساحة كافية لعرض شخصيات الفيلم المختلفة، الأمر الذي سيتكرر بالتأكيد في الفيلم الجديد من «Avengers» الذي تحشد له مارفل أيضًا نجومًا من كل حدب وصوب.

حين قدمت مارفل شخصية «توني ستارك» في سلسلة «Iron Man» كان العنصر الإنساني للشخصية محط إشادة من النقاد والنقطة التي تورط فيها الجمهور معها، ثم جاءت سلسلة «Avengers»، وركزت مارفل على تقديم هذا الجانب الإنساني للأبطال الخارقين حتى أنه في الجزء الثاني من «Avengers: Age Of Ultron» كان هناك مشهد يسخر فيه الأبطال الخارقون من بعضهما، ويتمازحون حول مطرقة «Thor» مثلًا، لذا لم يكن مقبولًا أن يظهر الفهد الأسود دون التركيز على هذا الجانب الإنساني لكسب تعاطف الجمهور، لكنه جاء مفرطًا للحد الذي بات مملًّا بعض الأحيان، فبين الدفاع عن والده والهجوم عليه بسبب خطأ ارتكبه والد تتشالا تأتي المعضلة الإنسانية بين الخير والشر وماهية الصواب والخطأ لدى البشر.

حبكة الفيلم اعتمدت بشكل رئيسي على فكرة الانتقام لوالد تتشالا، والصراع على عرش واكاندا. الحبكة التي كان يمكن أن تَعِدَ بالكثير لو لم يكن علينا إدخال أكثر من ٣٠ دقيقة من الأكشن والمطاردات والمعارك القتالية و٢٠ دقيقة من التأملات والإنسانيات للملك تتشالا ووالده في أثناء مراسم تتويجه ملكًا.

الحشد والدعوة للفهد الأسود

منذ بداية الإعلان عن الفهد الأسود والبدء في تصوير فيلم كامل عن تلك الشخصية، بدأ الحشد لتتبع الفيلم وأخباره وكواليس تصويره، الأمر الذي استفادت منه مارفل كثيرًا. لكن كل هذا الزخم الذي ناله الفيلم كان له عظيم الأثر في خلق الإحباط الكبير لدى بعض الجمهور، ما زاد من التوقعات وجعلها تفوق الحد، وحين خرج الفيلم بهذا المستوى المتوسط أصبح من الطبيعي الإقرار بأن الفيلم ضعيف، وبخاصة في ما يخص السيناريو والشخصيات. لكن الحشد حال دون هذا.

توقيت عرض الفيلم ليس محض صدفة، فأمريكا تعاني من نبرات التطرف التي يتلفظ بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، العنصري ضد السود والنساء.

واليوم إذا ظهر ناقد يسيء إلى الفيلم، فربما يوصم بأنه عنصري، وذو أفكار فاشية ضد ذوي البشرة السمراء. وإذا انتقد أحد الشخصيات النسائية الركيكة في الفيلم ربما يوصف بأنه ذكوري ضد مشاركة النساء، ويوافق ضمنيًّا على التفرقة العنصرية في الأجور والعمل بين النوعين. تلك المشكلة التي ظهرت بقوة مؤخرًا في هوليوود، حتى أنك تقرأ عناوين المقالات النقدية الخاصة بالفيلم، فتبدو العناوين جميعها معاني مختلفة لدعوة واحدة هي: «اترك ما في يدك، واذهب لتشاهد الفيلم في السينما، وادعم قضية ذوي البشرة السمراء».

يبدو أن الدعوة أتت ثمارها حقًّا، فقد تصدَّر الفيلم إيرادات السينما الأمريكية للأسبوع الخامس على التوالي ليصبح الأكثر ربحًا من فئة أفلام كوميكس الأبطال الخارقين في تاريخ السينما، علمًا بأن هذا الفيلم هو الثامن عشر لاستوديوهات مارفل.

قد يهمك أيضًا: لا يا «دي سي»، النجاح لا يكون بملاحقة «مارفل»

توقيت عرض الفيلم الذي يساند قضية السود ليس محض صدفة أيضًا، فأمريكا تعاني حاليًّا من نبرات التطرف التي يتلفظ بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو العنصري ضد السود والنساء كذلك، لذا ليست مصادفة أن ترد هوليوود بطريقتها على هذا التطرف، إذ قال «جوناثان دبليو جراي»، مساعد البروفيسور في اللغة الإنجليزية بجامعة نيويورك: إن هذا الفيلم يأتي «بسياق سياسي يعمل على تقويض إنجازات حركات الحقوق المدنية»، مشيرا إلى أنَّ واكاندا هي المدينة الفاضلة التي تناقض عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب.

للتاريخ كلمته

سيظل فيلم «بلاك بانثر» علامة فارقة في جمعه أرباح تخطت المليار دولار، لكن الفيلم في جوهره لا يستحق كل هذا.

أن تمتلك كل الكروت الرابحة وتلعب للمرة العاشرة، فتخسر اللعبة بدلًا من أن تكسب، ذلك هو الغباء بعينه، وبخاصة أنها ليست المرة الأولى التي تلعب فيها تلك اللعبة، وإنما الثامنة عشر، وها قد أصبحت خبيرًا، لكن للأسف الذكاء يغلب الحظ، فقط لو تعلم شركة مارفل هذا!

بنهاية الحال سيظل الفهد الأسود واحدًا من أنجح أفلام مارفل على الإطلاق الذي قدم بطولة مطلقة لبطل خارق أسمر البشرة، لكنه سيظل فيلمًا ضعيفًا ذا سيناريو مبتذل. فقد امتلكت مارفل مقومات النجاح كافة لتقديم فيلم تاريخي يضاف إلى إنتاجها السينمائي، ينصف فكرة المساواة بين البشر في اللون والعرق والنوع، لكنها أساءت استغلال هذه الفرصة فنيًّا، فجاء ضعيفًا ومملًّا في كثير من الأوقات.

أما على الصعيد الجماهيري، فسيظل الفيلم علامة فارقة في جمعه أرباح تخطت المليار دولار، لكن الفيلم في جوهره لا يستحق كل هذا. بالطبع مثل هذا النقد لن يكون مقبولًا بعد كل هذا الحشد الذي ناله الفهد الأسود من وسائل الإعلام التي صارت الآن تشيطن وتهاجم كل من يفكر في مهاجمة الفيلم. لكن على أي حال بعد مرور بضعة سنوات، وانطفاء تلك الشعلة، سيُعاد تقييم الفيلم بعيدًا عن سياق عرضه وتوقيته لينال حقه دون مجاملات أو حسابات سياسية مثله مثل باقي الأفلام التي نالت شهرتها ثم انطفأت.