سلطنة

محمد فلاق: كوميديا جزائرية تحارب على كل الجبهات

الصورة: Denis Rouvre

لقب «فلاق» في الدارجة الجزائرية يُطلَق على المقاومين الانتحاريين الذين كانوا يفجرون أنفسهم قرب خطوط العدو إبان الاستعمار الفرنسي، ومحمد فلاق كذلك مفجر ومقاوم بسلاح النكتة الساخرة والكوميديا السوداء، في بلد المليون شهيد، كالأربعين مليون كوميدي.

«أظن أنه كما خلق اليهود كوميدياهم خلال أحلك مراحل وجودهم، وسط الاضطهاد والتمييز العنصري، كأسلحة مضادة ومقاومة لتلك الوضعية، فالجزائريون كذلك، سخَروا من أنفسهم كي لا يسخر منهم أحد». هكذا علق فلاق، في مقابلة أجرتها معه القناة الثانية الفرنسية، على واقع الكوميديا الجزائرية التي تنهل مواضيعها من تربتها الخصبة وواقع حالها.

كمال نزار، الفنان التشكيلي الجزائري، يرى أن السخرية في الجزائر لا حدود لها داخل الأوساط الشعبية، لقد كانت المصاحِب الأكثر إخلاصًا لمآسيه، وهناك نكتة شاعت خلال فترة الحرب الأهلية مفادها أن «ستيلو (قلم) أزرق يموت بسرعة»، في إشارة إلى رجال الأمن الذين كانوا الأكثر عرضة لعمليات القنص التي نفذتها الجماعات الإسلامية آنذاك.

يذكر نزار نكتة أخرى شاعت في التسعينيات تقول إنه «كان في تلك الفترة عُرس في إحدى المداشر، وفي السهرة غنّى المطرب كل ما يملك من طبوع، وفجأة اقتحم الإرهابيون قاعة العرس، فرفع المغني الميكروفون قائلًا: في خاطر الـGIA والـMIA (ميليشيات إسلامية مسلحة)، الآن نقدم لكم طلع البدر علينا حتى الصباح».

مع ذلك، فالكوميديا وسط الشعب تنم عن تراتبية مضمرة، تأخذ فيها السياسة الحظ الوفير من السخرية، يليها الدين بقدر أقل.

وعلى الرغم من أن هذا الشعب لديه قدرة هائلة على إنتاج الضحك، فإنه من الصعب جدًّا إضحاكه. على هذه النقطة بالذات يعلق نزار بأن كثرة السخرية قتلت الإحساس، بينما جعلت الشعب أكثر تطلبًا في ما يخص النكتة.

هناك عامل أكثر عمقًا يوضحه نزار في حديثه لـ«منشور»، أن الشعب الجزائري عقب مرحلة ما بعد الاستقلال أصبح غير منتج، يعيش على الريع، ما جعله يفقد الدينامية التي طبعته بدايةً من فترة الستينيات حتى نهاية التسعينيات، فعاد بذلك «شعبًا لا غاية له كي يحققها، ولا مشاعر ذات قيمة ليمنحها. لا يملك شيئًا، ولا يستحق شيئًا، ورغم ذلك يشعر بالحاجة إلى التعويض»، وهنا يقتبس نزار جملته من كتاب «اللامنتمي» لـ«كولن ولسون».

من داخل شعب بهذه المميزات ظهر نجم محمد فلاق، جامعًا بين الموقف المدافع عن الحرية والإنسانية، حاملًا ذاكرة شعب على عاتقه، وعلى عاتقه أيضًا مهمة إضحاكه.

نبغ فلاق في ذلك على كل الجبهات التي خاض معاركه الفنية فيها، والتي حارب فيها حرفيًّا من أجل البقاء حيًّا، ومن أجل بقاء فنه حيًّا على الخشبة، وفي قلوب جمهوره.

بدايات فلاق: بين أرض الوطن والمنفى

لقطات من عرض «Cocktail Khorotov» لمحمد فلاق سنة 1989

«لا أعرف حقًّا ما السبب في أنه لا شيء ينجح في الجزائر، ولا شيء يدوم، الكل ينحدر إلى القاع».

بهذه الجملة يفتتح محمد فلاق عرضه الفكاهي «Jurassique Bled»، الذي عُرِضَ لأول مرة سنة 1997 على خشبة المسرح الدولي في باريس، مازجًا بين الكوميديا السوداء والشاعرية، مُشكِّلًا بطريقة سلسة نكاته من عجينة أحداث، من معرفة ثقافية ونظريات علمية، معتمدًا سردية تاريخية محضة، ساخرًا من الواقع المعيش بالوطن الأم الجزائر.

ولد فلاق عام 1950 في مقاطعة آزفون الساحلية شمال غربي إقليم القبائل ذي الأغلبية الأمازيغية، حيث عايش مرحلة «الجزائر الفرنسية» في طفولته، وواكب ثورة التحرر الوطنية. وانتسب أكاديميًّا إلى المعهد الوطني للفن الدرامي بالعاصمة، تلك المرحلة التي صقلت موهبته، ونحتت من الأمازيغي الصغير هوية الفنان، هو الذي صرح في مقال لجريدة «Le Monde» الفرنسية بأنه لم يكن ليصل إلى هذه المسيرة الفنية لو لم يشاهد أفلام تشارلي تشابلن عندما كان في سن العاشرة، في باحة العرض الغرائبية المشيدة من بقايا القماش في أحد أركان ساحة مدرسته الابتدائية، والتي كان مهووسًا بحضور عروضها كل يوم خميس مقابل 20 سنتيمًا كثمن للتذكرة.

يضيف فلاق أن «تشابلن قلب حياتي رأسًا على عقب. كنت صبيًّا خجولًا جدًّا، وتشارلي أدخلني عالم الخيال الإبداعي الممتع، إذ كانت حواديته تكسر صمتي الخجول المعتاد لأحكيها بكل جرأة لكل من أصادفه فور عودتي من حصص الخميس السينمائية، وأزيد عليها أحداثًا سيريالية من خيالي كانت تفجر قهقهة كل من يسمعها».

في هذه السن، لم يكن محمد يعي أن حياة الفنان في جزائر ما بعد 1962 أكثر غرائبيةً من باحة العرض السنيمائي تلك، أكثر من عروض تشارلي وحواديته الخيالية. لم يكن يعي أن مسيرته ستكون صعبة ومثمرة في نفس الوقت.

بعد تخرجه، اشتغل كممثل مع فرقة المسرح الوطني في الجزائر، ومعها سيعيش فلاق أولى تجاربه على الخشبة، وأولى المفارقات التي كانت دافعًا من دوافع مغادرة الفرقة، التي كان يغلب على أعضائها الطابع المحافظ، الذي لم يكن يُشبِع رغبات محمد الشاب المنفتح على مستجدات التجارب والكتابات والأفكار العالمية حينها.

بعد ذلك، برفقة شباب من زملاء المعهد، أسس فرقة مسرحية ستلقى لحسن حظهم دعمًا من وزارة الثقافة الجزائرية في ذلك الوقت.

خلال النصف الثاني من السبعينيات إلى بداية الثمانينيات، سيبدأ البلد في الانغلاق على نفسه. الجزائر لا تريد أي واردات ثقافية من الخارج، لا أفلام ولا كتابات عالمية، لا صوت يعلو على صوت السلطة، وهذا بالضرورة كان مخالفًا لطموح فناننا الشاب، ما خلق له ولفرقته متاعب دفعته إلى مغادرة البلاد سنة 1978 إلى فرنسا أولًا، ثم إلى كندا، ليعيش هذا الرحالة حياة لم تنقص إبداعًا رغم الظروف المعيشية الصعبة التي عاشها.

سيعود بعد ذلك إلى الوطن عام 1985 لزيارة الأهل في الأساس، غير أن المصادفة ستشاء أن يعتلي الخشبة مجددًا مع الفرقة المسرحية الوطنية في عرض مسرحي لنص الإيطالي «إدواردو دي فيليبو»، بعد أن غَيّب المرض بطل الفرقة عن دوره.

وكأن القدر أعد له تجربة جديدة حتى تتحول رحلة الأسبوعين إلى عودة نهائية. فبعدها بسنتين، سيُخرج أول عرض ساخر له بعنوان «Les Aventures de Tchop»، يليه «Cocktail Khorotov» سنة 1989.

في عز دموية الجزائر، كان هناك تغيير حاصل وحركة، وكان هناك شعب يفرغ همومه بالسخرية، سخرية وجدت طريقها إلى مخيلة محمد فلاق.

خلال سنوات التسعينيات التي طبعتها مآسي العشرية السوداء، سيُنتج عرضه الشهير «بابور أستراليا Un Bateau Pour L'Australie» سنة 1991، وفي 1993 سيستلم محمد فلاق إدارة مسرح مدينة بجاية. بعدها ستُرغمه التهديدات بالقتل على مغادرة الجزائر مستقرًّا في تونس أولًا، ثم فرنسا منذ 1995 إلى يومنا هذا.

فرنسا مثّلت أرضية خصبة لإبداعاته في كل الفنون التي يتقنها، مسرحًا، وكتابةً، وسينما، وخطوطًا خلفية خلال حربه الإبداعية على النواقص التي يأخذ موقفًا ضدها، إذ سيشكل شخصيته بسلاح السخرية الشاعرية والمعرفة، شخصية محمد فلاق الكوميدي المثير للجدل والمحارب على كل الجبهات.

فلاق: كوميديا الاختيارات الصعبة

حوار قناة «TV5» الفرنسية مع محمد فلاق

«بعد العودة الأولى إلى العاصمة الجزائر، وجدتُ جزائر أخرى». يصرح محمد فلاق لجريدة «Le Monde» الفرنسية، قاصدًا الزخم الاجتماعي الذي كانت تعيشه البلاد في فترة الثمانينيات بعد ما يقرب من عقدين على جلاء المستعمر، وزهو التحرر الثوري الذي مرّ سريعا «لدرجة أننا لم نلحظ مروره»، كما علق ساخرًا خلال أحد عروضه.

هذا الزخم الشعبي سيُكلّل بانتفاضتَيْن مختلفتين في الظاهر، بينما عمق كل واحدة منهما متصل بالأخرى، الربيع الأمازيغي عام 1980 في منطقة القبائل، وانتفاضة 5 أكتوبر 1988 التي خلّفت أكثر من 650 قتيلًا.

في عز الدموية، كان هناك تغيير حاصل وحركة، وكان هناك شعب يفرغ همومه بالسخرية، سخرية وجدت طريقها إلى مخيلة محمد فلاق الذي سيجسدها بسخاء في عروضه، بدايةً من «Cocktail Khorotov» إلى الآن.

«أنا إرهابي أيضًا، إرهابي جيد يقتل الناس بالضحك».

كانت خياراته الفنية ومواضيعه متسقة مع نبض الشارع، لغته عربية كانت أم أمازيغية أم فرنسية، ممتنعة على غيره لأنها تتطلب حسًّا إبداعيًّا فذًّا وجسارة في الطرح، وهذا أكثر ما يَسِمُه ويجعل منه رجل الاختيارات الصعبة بامتياز. اختيارات برزت بشدة في موضوعاته، وجعلت فنه تجسيدًا فعليًّا لكوميديا سوداء بطعم مغاربي، كوميديا مثلت أداة تمرير أكثر من موقف، ومطرقة لكسر أكثر من تابو داخل المجتمع الجزائري.

يقول ساخرًا في عرضه «Jurassique Bled» إن «العرب خدعونا. بما أن لهم نفس لون البشرة الحِنطي، استقروا بيننا لدرجة لم نعد نعرف من هم ومن نحن».

هنا يبرز ظل قضية الهوية الأمازيغية التي تمثل جزءًا كبيرًا من كوميدياه، والتي حرص من خلالها على إبراز ذلك التماهي بين المكونين (العربي والأمازيغي) بما لا يترك أدنى سبيل للتفرقة بينهما على أساس العرق، ما يجعله في وجه المُدافِع على الجهتين: الشوفينية الأمازيغية المتطرفة، والسلطة التي كانت تصر على التعريب الراديكالي لمواجهة الفرنسية الاستعمارية، مخلفةً أعراضًا جانبية إقصائية لهوية من الهويات الوطنية. هذا التقابل مع السلطة سيبدو أساسيًّا في المسيرة الفنية لفلاق، وفي كثير من النقاط التي هي، من وجهة نظره، علة جميع الأزمات.

«مآسي الاستعمار أصبحت سجلًّا تجاريًّا للحكومتين: الفرنسية والجزائرية»، فلاق متحدثًا عن زيارة «إيمانويل ماكرون»، رئيس وزراء فرنسا، إلى الجزائر في أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، والاعتذار الذي قدمه عن جرائم الاستعمار.

يرى فلاق أنه فعل انتخابي «غبي»، مسترسلًا: «القصة معروفة، والشعوب تعي آلامها، لكنها ليست في حاجة إلى التذكير بذلك الزمن أكثر من حاجتها إلى الخبز والعمل والحرية». تعليقات كهذه صادمة في بلد المليون شهيد، بالرغم من عقلانيتها وتعبيرها عن واقع معين، يعبِّر عنه فلاق بطريقة مباشرة وساخرة أيضًا، ما يعطيه صفة الفنان المتسق مع ذاته وأفكاره.

وفي وجه مأساة التطرف الديني يقف معارضًا، راويًا فَوَاجعه بشكل فكاهي، كاسرًا الصمت حول كثير من أطروحاته، يقول: «أنا إرهابي أيضًا، إرهابي جيد يقتل الناس بالضحك».

هكذا هي موضوعات فلاق الفنية التي عبّرت بعمق عن مزاجية الشعب الجزائري، العصبية والقلقة، وحسه الفكاهي الذكي جدًّا، ومشكلات البطالة، والديمقراطية المنتكسة، والهجرة، والجنس الذي يحيطه جدار من الصمت يحول دون التقاء العالَمَيْن الأنثوي والذكوري، ودون تحقيق قيم الحب في المجتمع.

يواصل محمد فلاق عمله كناطق رسمي ساخر بلسان الشعب الجزائري، والشعوب المغاربية بشكل عام، في آخر عروضه «Bled Runner»، ليعبِّر بحساسية فائقة عن أمة ما زالت تركض وراء بلادها الهاربة، أو المُهرّبة، من بين أيديها، حالمةً بيوم تحقق فيه مطامحها وتعود الكوميديا، كوميديا فلاق وكثيرين من أمثاله، أكثر بياضًا بعد سوادها.

, , ,