الشاشة

10 سنوات على «The Dark Knight»: فيلم يغير ثوابت السينما

لقطة من فيلم «The Dark Knight»- الصورة: DC comics

«ولكني أعرف الحقيقة، لا يمكن العودة إلى الخلف. لقد غيرتَ كثيرًا من الأشياء».

في واحد من أهم مشاهد فيلم «The Dark Knight»، مشهد المواجهة بين باتمان والجوكر داخل غرفة التحقيقات، يقول الأخير هذه العبارة. بينما تحولت عبارات كثيرة جدًّا للجوكر، في الفيلم، إلى اقتباسات على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت هذه الجملة تحديدًا بمثابة نبوءة عن تأثير هذا الفيلم الذي لم يتخيل صناعه أن يصير علامة سينمائية بهذا الشكل.

كان العرض الأول لفيلم «فارس الظلام»، في أمريكا، 18 يوليو 2008. نعم، 10 سنوات مرت على العرض الأول للفيلم، ربما لا يتخيل كثيرون أن كل هذا الوقت قد مر لكثرة إعادة مشاهدة هذا العمل.

لنعترف بالحقيقة: في 10 سنوات تغير كثير من الأشياء بفضل «The Dark Knight».

«إما أن تموت بطلًا، أو تعيش طويلًا لتشهد تحولك إلى الشرير»

وردت هذه العبارة، في الفيلم، على لسان «هارفي دينت». «هيث ليدجر» حقق نصف العبارة، مات بطلًا لفيلم يلعب فيه دورًا ثانيًا، لكنه لم يعش ليرى نفسه في زي الشخصية الشريرة، شخصية الجوكر.

قبل عام 2008، كان دور الجوكر الذي قدمه الرائع «جاك نيكلسون»، في فيلم «Batman» عام 1989، يعد من أفضل أدوار رجال العصابات، بل إن بعضهم كان يُشفق على هيث ليدجر لأنه سيقارَن بهذا الأداء.

مع نهاية عرض الفيلم تضاعف حزن رواد السينما، مرة لانتهاء فيلم جميل، ومرات على رحيل موهبة بحجم هيث ليدجر.

ظهرت أخبار كثيرة عن أداء استثنائي من هيث ليدجر للشخصية من الكواليس، بدا أننا على موعد مع جوكر ربما ينافس ما قدمه نيكلسون. في 22 يناير 2008، أي قبل ستة أشهر تقريبًا من عرض الفيلم، مات هيث ليدجر عن 28 عامًا، ودون أي مقدمات.

يبحث المنتجون عن أخبار تثار حول الفيلم لاستغلالها في الدعاية، ارتباط بطلَي العمل، حوادث طريفة أو غريبة تحدث في أثناء التصوير، فماذا عن رحيل أحد الأبطال الرئيسيين؟

كان سبب الوفاة جرعة زائدة من مسكنات ومضادات الاكتئاب. أكد ليدجر في حوار سابق أنه كان يبذل مجهودًا كبيرًا في أدواره الأخيرة حتى وصل الأمر به إلى أن ينام ما يقرب ساعتين فقط لعدة أيام.

طمأن صناع الفيلم المشاهدين بأن الممثل الراحل كان قد انتهى من تصوير جميع مشاهده في الفيلم، وبدأت الأساطير تُحاك عن الدور الذي قتل صاحبه: الممثل انخرط في الشخصية أكثر من اللازم، فأصيب بالاكتئاب الذي أدى إلى وفاته. لاحقًا نفت أخته هذه الشائعة.

عند عرض الفيلم، وجد المشاهدون أن ما قيل عن الأداء الرائع أقل مما شاهدوه بالفعل، وبنهاية الفيلم تضاعف حزن رواد السينما، مرة لانتهاء فيلم جميل، ومرات على رحيل موهبة بحجم هيث ليدجر.

لا يزال أداء هيث ليدجر مضرب المثل عندما يتحدث عشاق السينما عن الانخراط في الدور، أو عن أداء غير مسبوق، يذكرون أداء ليدجر للجوكر، ربما نختلف في أنه المرجع الوحيد للأداء، أو الإجادة المطلقة كما يرى بعضهم، لكنه بالتأكيد واحد من أفضل الشخصيات التي لعبها ممثل.

«هذه المدينة تستحق مجرمين أفضل، وأنا سأمنحها إياهم»

بعد أن أشعل النيران في تل من النقود، ألقى الجوكر هذه العبارة لأحد المجرمين. مثلما يؤمن بعض الناس بـ«الفن من أجل الفن»، يؤمن الجوكر بـ«الجريمة من أجل الجريمة».

قدمت قناة «Lessons from the Screenplay» مقطع فيديو مهمًّا عن شخصية الجوكر في الفيلم، يحاول الإجابة عن تساؤل: لماذا أحببنا شخصية الجوكر، بعيدًا عن أداء الممثل الأسترالي الراحل؟

الفيديو يستعرض كيفية بناء السيناريو للشخصية، بشكل شديد الدقة، ليصبح الجوكر الشرير الأمثل لمواجهة باتمان. وفي الوقت نفسه أضاف تعليقًا في غاية الأهمية: «لا يكفي أن تضع الجوكر داخل الفيلم ليصبح فيلمًا رائعًا»، مدللًا على ذلك بلقطة من فيلم «Suicide Squad».

يمكن اعتبار جاريد ليتو كبش فداء كان يجب تقديمه لعشاق الجوكر حتى يتقبلوا فكرة أن يكون هناك جوكر بعد ليدجر.

كانت شخصية الجوكر أيقونة بعد أن قدمها «جاك نيكلسون»، وتحولت إلى شيء مقدس لا يمكن المساس به بعد هيث ليدجر. كُلما طُرِحت مجرد فكرة تقديم الشخصية، يثور العشاق في كل مكان، فلا يجب المساس بالجوكر، ولا جوكر بعد هيث.

الظهور الأول لشخصية الجوكر كان في العدد الأول من سلسلة باتمان عام 1940، ومن ذلك الحين تطورت الشخصية، واختلفت باختلاف المؤلفين والرسامين، وإن احتفظت ببعض التفاصيل بالطبع. جوكر فيلم «فارس الظلام» كان تنويعًا آخر على نفس الشخصية الكلاسيكية، ولكن طبقًا لرؤية «كريستوفر نولان» وأداء هيث ليدجر.

في «الفرقة الانتحارية» قدَّم جاريد ليتو الشخصية بشكل آخر، وبعيدًا عن المستوى الضعيف للفيلم يمكن اعتبار ليتو كبش فداء كان يجب تقديمه لعشاق الجوكر حتى يتقبلوا فكرة أن يكون هناك جوكر بعد ليدجر، وإن كانت مشاهده القليلة في الفيلم لم تنجح في إرضاء أحد، ولا حتى ليتو نفسه.

مؤخرًا أُعلن عن مشروع صناعة فيلم مستقل عن الجوكر، من إنتاج «مارتن سكورسيزي» وبطولة «خواكين فينكس» وإخراج وتأليف «تود فيلبس»، صاحب سلسلة «The Hangover»، وهي تركيبة غريبة، لكن ربما تحقق المفاجأة، غير أنه حتى ذلك الوقت سيظل جوكر هيث ليدجر أسطورة خاصة.

«إذا كنت تجيد فعل شيءٍ ما، فلا تقدمه مجانًا»

إحدى حِكم الجوكر في الفيلم، عندما كان يعرض خدماته على زعماء العصابات.

قدم «كريستوفر نولان» خمسة أفلام قبل هذا الفيلم، منها الجزء الأول من ثلاثية باتمان، نالت جميعها آراءً نقدية إيجابية، لكنها لم تكن كفيلة بجعل نولان نجمًا.

المخرج الإنجليزي الأصل لفت الأنظار إليه منذ فيلمه الثاني «Memento»، الذي كتب له السيناريو أيضًا، ولا يزال هذا الفيلم حتى الآن نموذجًا مهمًّا في كيفية التمرد على السرد الخطي التقليدي للأحداث (بناء الأحداث بطريقة تصاعدية بحسب الترتيب الزمني لحدوثها).

لكن أفلامه كانت أقل حضورًا في شباك التذاكر، حتى مع اشتراك نجوم مثل «آل باتشينو» و«روبن ويليامز» في فيلمه الثالث «Insomnia»، أو حتى «كريستيان بيل» و«هيو جاكمان» و«سكارليت جوهانسون» في «The Prestige»، لم تنجح الإيرادات داخل أمريكا في تجاوز 70 مليون دولار.

بسبب فيلم «فارس الظلام» أصبحت هناك رابطة لمحبي نولان، تدافع عن أفلامه بغض النظر عن مستواها.

بعد «فارس الظلام» تغير كل شيء. الفيلم حقق إيرادات قياسية وقت عرضه، وكان ثاني فيلم يتجاوز حاجز 500 مليون دولار في أمريكا بعد «Titanic»، وبالتالي أول فيلم كوميكس يصل إلى هذا الرقم.

أشاد كثير من النقاد بأداء ليدجر وبقية الممثلين، ولم ينسوا دور السيناريو في تقديم حبكة بوليسية مشوقة لا تُنسى، ودور المخرج في اختيار هؤلاء الممثلين للعب هذه الأدوار تحديدًا. هكذا بدأ اسم نولان يتردد، ليس كمخرج فقط، بل ككاتب سيناريو، بالمشاركة مع أخيه «جوناثان»، وأخذ عشاق باتمان يفتشون عن الأعمال السابقة لهذا المخرج.

بعد عامين ظهر فيلم «Inception»، وعلى البوستر العبارة التي انتظرها نولان طويلًا: يقدمه مخرج «The Dark Knight». نولان صار نجمًا تُسوَّق باسمه الأفلام.

تكلف الفيلم 160 مليونًا، بعد أن كانت أفلامه بعيدًا عن الثلاثية لا تصل إلى 50 مليونًا في تكلفتها، وحقق إيرادات اقتربت من 300 مليون، ومن بعده لم تقل إيرادات أي فيلم لنولان عن 185 مليونًا.

أصبحت هناك رابطة لمحبي نولان لا تقل شراسة عن أي رابطة لفنان ما، تدافع عن أفلامه بكل قوة بغض النظر عن مستواها.

في سبتمبر 2015، أصدرت شركة «Warner Bros» بيانًا بموعد إطلاق فيلم نولان الجديد عام 2017، هكذا دون أي معلومة إضافية، ولا حتى اسم الفيلم. «نولان» وحده صار يكفي، والمعلومات الأخرى لم تعد مجانية.

قد يهمك أيضًا: لأن محبتنا للحرب ضرورية: كيوبريك ونولان

«?Why so serious»

الجوكر كان يقول العبارة السابقة لضحاياه وهو يهددهم بالسكين، والعبارة تعني: «لماذا أنت جاد إلى هذا الحد؟»، وإن كان يجب توجيهها حاليًّا إلى أفلام عالم «DC» الممتد.

كان السيناريو سوداويًّا في «فارس الظلام»: موت «ريتشل»، وتشوه «هارفي دينت» داخليًّا وخارجيًّا، وحتى النهاية لم تكن سعيدة. بينما كانت النهاية أكثر إشراقًا في «The Dark Knight Rises»، لكنه لم يتخلَّ أيضًا عن البطل المضطرب المتردد، المهزوم أحيانًا.

بالعودة إلى ماضي باتمان السينمائي، نجد أن الفيلمين اللذين قدمهما «تيم برتون» كانا سوداويين أيضًا، وبالذات الفيلم الثاني، وربما أكثر حتى من أفلام نولان. شخصية باتمان في الكوميكس مرت أيضًا بكثير من التحولات، فالشكل الذي ظهرت به لأول مرة عام 1939 تطوَّر واختلف، واتخذ طابعًا أكثر سوداوية على يد «فرانك ميلر» في رواياته التي قدمها للشخصية، وهذا الشكل هو الذي قررت «دي سي» التوقف عنده.

في فيلم «Deadpool 2» يقول «ديدبول» لإحدى الشخصيات: «أنت سوداوي جدًّا، أمتأكد أنك لست إحدى شخصيات دي سي؟».

شركة دي سي المالكة لحقوق شخصية باتمان وغيره من أبطال الكوميكس قررت أن يكون عالمها السينمائي سوداويًّا ومظلمًا، ربما لمحاولة الاختلاف عن «مارفل»، التي اتخذت من الكوميديا خطًّا واضحًا في أفلامها، وربما لنجاح هذه السوداوية في أفلام باتمان السابقة كما ذكرنا.

لكن الخطة فشلت، ففيلما «Man of Steel» و«Batman v Superman: Dawn of Justice» كانا شديدا التواضع، بينما حاولا إضفاء بعض الكوميديا في الفيلم الأخير «Justice Leauge» ليخرج دون هوية حقيقة، ولا ينجح في إرضاء المتابعين المخلصين للسلسلة، وإن كان فنيًّا أفضل من سابقيه.

بعدما كانت مارفل تحاول أن تلحق بدي سي في الإيرادات، كما حدث في عام 2008 عند عرض «Iron Man»، تربعت مارفل خلال سنوات على قمة شباك التذاكر بأفلامها، بينما ما زالت دي سي تبحث عن هويتها المفقودة، ونجاحاتها التي صارت ذكرى من بعد ثلاثية نولان.

في فيلم «Deadpool 2»، يسخر «ديدبول» من إحدى الشخصيات قائلًا: «أنت سوداوي جدًّا، أمتأكد أنك لست إحدى شخصيات دي سي؟». هكذا وصل الأمر بالشركة العريقة، مجرد نكتة على لسان إحدى شخصيات مارفل.

اقرأ أيضًا: لا يا «دي سي»، النجاح لا يكون بملاحقة «مارفل»

«أخلاقهم مجرد نكتة سيئة، سيُسقطونها عند أول مشكلة»

موجهًا كلامه إلى باتمان، ذكر الجوكر هذه العبارة ساخرًا من مواطني مدينة غوثام، ومن رجال الشرطة الذين يضعون القوانين.

كانت هناك حالة من التعنت ضد أفلام الأبطال الخارقين، غير معلنة بشكل رسمي. يمكن أن تترشح الأفلام للجوائز، لكن في فئات المؤثرات والماكياج والصوت، وليس في التمثيل أو السيناريو أو الإخراج، غير أن تجاهُل هيث ليدجر هذه المرة كان صعبًا. هكذا نال أول ترشيح وأول فوز لجائزة أفضل ممثل مساعد لفيلم في فئة الأبطال الخارقين عام 2009.

رغم هذا كانت هناك موجة من الغضب في هوليوود لعدم ترشيح «The Dark Knight» في فئة أفضل فيلم، خصوًًا مع وجود فيلمين كان عليهما خلاف: «Frost/Nixon» و«The Reader».

كان هذا آخر حفل يشهد وجود 5 أفلام فقط في فئة أفضل فيلم، ومن العام التالي ارتفع العدد إلى 10، قبل أن يصبح من 5 إلى 10 أفلام. ورغم عدم إعلان هذا بشكل صريح، فمن المرجح أن عدم وجود فيلمي «The Dark Knight» و«WALL.E» في ترشيحات أفضل فيلم قد أسهم في رفع عدد الأفلام في هذه الفئة.

رغم عدم تكرار ترشيح أي ممثل أو ممثلة لأيٍّ من جوائز الأوسكار في السنوات اللاحقة، فإن حفل عام 2018 شهد مفاجأة سارة بترشيح فيلم «Logan» لفئة أفضل سيناريو مقتبس، وهي السابقة الأولى أيضًا.

مع استمرار أفلام الأبطال الخارقين في الظهور، وتدفق أسماء مختلفة لصناعتها، مِن غير المستبعد أن تكون على موعد مع جائزة كبرى قريبًا.

هل كان كريستوفر نولان وشركاه يعلمون أنهم بصدد تغيير كثير من العوامل في «The Dark Knight»؟ على الأرجح لا. كانوا فقط يحاولون صناعة فيلم مختلف ومميز، أو لنقتبس من الجوكر مرة أخيرة: «لنقدم القليل من الفوضى. تلاعَبْ بالنظام القائم، والكل سيتجه إلى الفوضى». لكن ما فعله نولان لم يكن فوضى، وإنما ثورة.