قدمي تحجز الباب: هل تنبع تصرفاتك اليومية من اختيار شخصي حقيقي؟

أسامة بن نجيفان
نشر في 2018/07/31

لقطة من فيلم «Alive» - الصورة: Paramount Pictures

ماذا لو كنت أنا؟ هذا السؤال ليس سهل الاستيعاب، حين ننظر إلى بعض القضايا من حولنا، منظورنا تجاهها هو «الشخص» وليس «الفعل»، لا يكون هناك أي رأي حول العوامل البيئية المحيطة التي أدت إلى هذه النتائج، نركز على الشخص وفعله ولا ننظر إلى محطيه والعوامل التي أدت إلى هذا الفعل.

كيف تؤثر فينا المواقف التي تحدث حولنا، وتجعلنا نفعل أشياء لا يتخيل أحدنا التفكير في عملها؟ كيف تشكلنا البيئة التي حولنا وتكوِّن ما نحن عليه من تصرفات وأفعال؟ ما السبب الذي يمنعك من قتل أحدهم؟ ما السبب الذي يمنعك من أكل لحم بشري؟ أليس إلا لحمًا كغيره من اللحوم؟ لو توفرت لك البيئة المناسبة لقتل أحدهم أو أكل لحمه، أتمتنع؟

حين تسأل أحدهم سؤالًا بسيطًا مثل: لو توفرت لك البيئة المناسبة للغش في الامتحان، هل تغش أم لا؟ سيكون الجواب في الغالب أنه لن يجرؤ على هذا. لكن هل سبق أن وُجد في تلك البيئة التي تُسهل له الغش ولم يُقدم عليه؟

هناك نوع من الأسئلة الخيالية التي يكون احتمال حدوثها في عقل السائل أقرب إلى المستحيل، الهدف من هذه الأسئلة معرفة وجهة نظر أحدهم. أحد هذه الأسئلة: ماذا لو كان الطعام الوحيد الذي يبقيك على قيد الحياة «لحم بشر»، هل تأكل أم تستسلم للموت؟

سيكون هناك نقاش عن استحالة حدوث هذا الموقف، وأن ما يقال من ضرب الخيال: كيف يُسأل هذا السؤال من الأساس؟

ركاب الرحلة «571»، لم يكن هذا السؤال ضربًا من الخيال بالنسبة إليهم، بل حقيقة كان عليهم تقبلها والتعايش معها.

في بداية سبعينيات القرن العشرين وقعت إحدى أعظم صور النضال للبقاء على قيد الحياة: طائرة كانت تنقل لاعبي فريق «رغبي» إسباني مع بعض أصدقائهم. تحطمت في سلسلة جبال الأنديز، في وقت من السنة لا ترى سوى البياض حولك. درجة حرارة 30 مئوية تحت الصفر. السماء في الأعلى وعلى مد البصر بيضاء، وبياض الثلج يحيطهم. لا حياة هنا أبدًا، ثلوج ورياح باردة قاسية، ومقدمة الطائرة المتبقية من الحطام. هذا الحادث ألهم إنتاج فيلم «Alive» عام 1993.

بعد السقوط كان الأمل الرئيسي لدى الناجين أن فرق البحث في طريقها إليهم، ليست إلا مسألة وقت حتى يحددوا مكان السقوط وينقذوهم.

عزل الأحياء منهم جثث الركاب، ورتبوا المبتقي من حطام الطائرة للجرحى. ليس لديهم معرفة بالجبال والثلوج، لا يحملون أي متاع يكفيهم لهذا البرد الشديد. ما يحملون من لباس ليس كافيًا لهم لمواجهة جبال الأنديز العظيمة. 45 مسافرًا، 27 منهم كان حيًّا بعد الارتطام. بعد شهرين لم يتبق منهم سوى 16 مسافرًا، وعثر عليهم أحد هواة تسلق الجبال.

صمد مخزونهم من الغذاء لعشرة أيام فقط، وبعد ذلك، ومن أجل البقاء على قيد الحياة، كان لزامًا عليهم أن يأكلوا لحم الذين ماتوا منهم.

هذه الظروف القاسية أجبرت أشخاصًا، آدميين مثلي ومثلك، على أكل لحم البشر. ماذا لو كنت أنت؟ ماذا كنت ستفعل؟

قدمي تحجز الباب: تقنية الإقناع التي ابتكرها رجال المبيعات

الصورة: simpsonsecurity

قديمًا، كان رجل المبيعات يطرق الأبواب لتسويق ما لديه من منتجات، وكان يستخدم حيلة صغيرة تساعده في بيع ما لديه، هي وضع قدمه على عتبة باب العميل ليمنعه من إغلاقه، وبهذا يكون العميل قد وافق على مهمة صغيرة هي عدم إغلاق الباب، بالتالي تزيد احتمالات موافقته على شراء المنتج. موافقة العميل السابقة على المهمة الصغيرة بعدم إغلاق الباب ستؤدي إلى الموافقة على المهمة الكبيرة: الشراء.

سُميت هذه الحيلة «Foot-in-the-Door»، وكانت انطلاقة لسؤال طرحه عالما النفس في جامعة ستانفورد الأمريكية «جوناثان فريدمان» و«سكوت فريزر» عام 1966: كيف يمكن إقناع شخص بأداء مهمة لا يرغب في أدائها؟

نفذ فريدمان وفريز تجربة على 165 امراة. قسم الباحثان النساء إلى أربع مجموعات، واتصلا هاتفيًّا بثلاث مجموعات فقط، وسألا عن نوعية المنتجات المنزلية التي تستخدمها كل واحدة في المنزل.

عقب ثلاثة أيام تواصل فريدمان وفريزر مرة أخرى مع المجموعات الأربعة كلها (بما في ذلك المجموعة التي لم يسبق أن حدث بين أعضائها والباحثين أي تواصل)، وهذه المرة سألا شيئًا أكبر: السماح بإرسال مندوب من الشركة إلى منزل المرأة موضع التجربة، حتى يستطيع عمل قائمة بالمنتجات المنزلية التي تستخدمها.

من الثلاث مجموعات الأولى، وافقت 58% على إدخال شخص غريب إلى منزلهن لعمل القائمة، أما المجموعة الرابعة، فوافقت نسبة 28% فقط، ورفضت الأغلبية.

اتضح للباحثين أن أعضاء المجموعات التي وافقت على الطلب الأول الصغير (الإجابة عن سؤال فقط) لديهن احتمال أعلى في الموافقة على أي طلبات مستقبلية من الشركة، أما المجموعة التي كان أول ما يُطلب منها الموافقة على إدخال المندوب، فكانت الاحتمالات أقل.

الخضوع الاجتماعي: تعالَ نقنعك بالقتل

إعلان الفيلم الوثائقي «Derren Brown: Pushed to the Edge»

بدأ «ديرين براون»، وهو كاتب ومنتج ومؤدٍّ ارتبط اسمه بـ«الألعاب النفسية»، بسؤال بسيط: هل يمكن أن يتلاعب بك أحدهم لارتكاب جريمة قتل؟

قرر براون أن يُجري تجربة نفسية اجتماعية، بالاشتراك مع شبكة «نتفليكس»، امتدت لساعة كاملة وصُوِّرت بالكامل في فيلم وثائقي باسم «Derren Brown: Pushed to the Edge». الهدف الأساسي كان محاولة إقناع أحدهم بارتكاب جريمة قتل.

حتى تكون القصة ذات طابع يسهل تصديقه، أنشأ ديرين منظمة خيرية وهمية أسماها «The Push»، شعارها «Whatever it Takes» (مهما يتطلَّب الأمر)، ودعا لحفل انطلاق المنظمة الخيرية. قبل الحفل تعاون مع مشاهير بريطانين مثل «ديفيد تينانت» و«مارتن فريمان» و«ستيفن فراي»، وأقنعهم بتسجيل مقاطع فيديو قصيرة للترويج للمنظمة ودعمها.

جُهِّزت القاعة من أجل حفل حقيقي، ورُكِّبت كاميرات لتصوير كل شيء، وكان السيناريو جاهزًا لتتم جريمة القتل بسهولة ويسر.

التجربة كانت مصممة لاستهداف «كريس كينغستون»، وهو شاب في نهاية عشريناته، يعمل في شركة مهتمة بالتصميم والطباعة. واستطاع ديرين، باستخدام تقنية «Foot-in-the-Door» أن يجعل كريس يشارك طواعية منه في خطوات لا يتخيل نفسه يفعلها.

باستخدام ذات التقنية بدأت التجربة بخطوات صغيرة، فحال وصول كريس حصل أمر طارئ هو أن الغذاء الخاص بالأشخاص النباتيين لم يصل بعد، فيطلب أحد المنظمين من كريس مساعدته في وضع علامات على الأكل غير النباتي على أنه نباتي لكسب الوقت. لا يرفض كريس، ويبدأ بدوره في وضع العلامات على الأطعمة رغم أن كلها ليست مخصصة للأشخاص النباتيين.

يقع كريس في أول فخ: الآن قَدَمُ براون تحجز الباب، لا يمكنه إغلاقه.

قبل بداية الحفل، يصل ضيف مهم (الشخص المستهدف بالقتل في التجربة)، ويعرفه المنظمون إلى كريس. الرجل مريض بالقلب، يحدث خلاف ما، فيسقط فاقدًا وعيه. يطلب المنظم من كريس الإسراع بإحضار الدواء، وحين يعود يخبره بأن الضيف قد فارق الحياة.

الحقيقة أنه بينما كان كريس يبحث عن الدواء، يستعين المنظمون بمجسم مطابق تمامًا لجسد الضيف، عملت عليه نخبة من خبراء التجميل لفترة طويلة قبل التجربة.

ما الحل الآن؟ سيصل الضيوف ويشاهدون الجثة، لا يمكن أن نسمح بهذا.

يشعر كريس بأنه تورَّط، وعليه أن يقدم شيئًا. يطلب منه المنظمون المساعدة في حمل الجثة إلى السطح مؤقتًا. يستجيب الشاب، فيقع في الفخ التالي.

اقرأ أيضًا: معضلات قد تدفعك إلى إعادة التفكير في أخلاقك

هل أنت متأكد من أن تصرفاتك اليومية نابعة من حريتك التامة واختيارك الشخصي؟

اختيار اسم المنظمة الوهمية، «The Push»، لم يكن محض صدفة، فالكلمة تعني «الدَّفع»، وجريمة القتل حدثت عن طريق دفع الشخص المستهدف بالقتل من أعلى البناية.

الخطوة الأخيرة تحدث حين يفيق الضيف/الجثة، ويعرف ما حدث، فيبدأ في تهديد كريس بالسجن بتهمة محاولة قتله. يسيطر المنظمون على الوضع قليلًا، وينتحون بالشاب جانبًا، بينما يجلس الضيف بطريقة متهورة على طرف السطح.

رغم تشجيع المنظمين وترهيبهم لكريس لدفع الضيف من أعلى البناية، فإنه رفض المشاركة في قتل الضيف، بالرغم من أن ثلاثة مشاركين آخرين في التجربة، وصل بهم الحال إلى دفع الضيف وقتله.

هذه التجربة ليست علمية موثوقة، وربما تكون «عرضًا ترفيهيًّا» لا أكثر، وفي حقيقة الأمر لست مقتنعًا كامل الاقتناع بما حدث في تجربة براون وكريس، لكن هذا السيناريو ليس ببعيد عن أحداث أخرى مشابهة، نعيشها في حياتنا اليومية.

يُصاب المرء بالرعب بمجرد التفكير في التفاصيل الصغيرة التي يمكن أن يوافق عليها، فيجد نفسه منتهيًا إلى قرار ضخم لم يتخيل أنه سيضطر إلى اتخاذه يومًا.

أنت (وكل الناس) تعتقد أنك تعلم أن ما تعمله ليس سوى تصرفاتك الخاصة، ورأيك الذي لا يتدخل فيه أحد، بينما قد تكون هذه التصرفات والآراء نتيجة لما يحصل من حولك. جوابك لسؤالي عن قبولك رشوة سيكون في الحالات الطبيعية بالرفض التام مهما يكلفك الأمر، لكنك لا تُدرك الموقف بالكامل. هل سبق وعُرضت عليك رشوة بالملايين ورفضتها؟ هل توفرت أمامك العوامل والبيئة المناسبة للحصول على الرشوة لتعرف إذا كان قرارك بالرفض أم القبول؟

هل أنت متأكد من أن تصرفاتك اليومية نابعة من حريتك التامة واختيارك الشخصي؟

أسامة بن نجيفان