لماذا تلتزم الدراما المصرية بتلك الصورة النمطية عن الصعيد؟

محمد سيد رشوان
نشر في 2018/06/27

التصميم: منشور

بعد مسلسلات مثل «طايع» و«نسر الصعيد» شهدنا استغاثات عدة من صعايدة وغيرهم عن السأم البالغ من صورة الصعيد التي لم تتغير منذ أيام مسلسلات محمد صفاء عامر، فهل يتعمَّد كُتَّاب المسلسلات إخراج الصعيد بهذا الشكل الفج؟

مسلسلات الصعيد: من يصحح المفاهيم؟

حين كنت أقول لأصدقائي إني أعمل في مدرسة خاصة، يظنون أنها في القاهرة. وحين أوضح أن المدرسة في سوهاج (مسقط رأسي)، يحسبون أنها في عاصمة المحافظة. ولكن الذهول يغمرهم حين أخبرهم بأن المدرسة في إحدى قرى مركز المنشأة التابع للمحافظة، حيث أقيم. هل في القرى مدارس خاصة؟ نعم، وهي ليست الوحيدة في القرية، إضافةً إلى مدارس اللغات.

سكان عاصمة المحافظة، الذين ولدوا وترعرعوا فيها، يندهشون من وجود مدارس خاصة في القرى. حين كنت أستمع إلى فيروز في الصباح ينتاب زملائي (سكان المحافظة) الذهول. قال لي أحدهم: «لم أكن أعرف أن أحدًا في القرية يسمع فيروز». كنت أبتسم فحسب، الأمر يشرح نفسه.

المدير نفسه انبهر بمستوى مقهى بجوار المدرسة يقارب كافيهات متوسطة المستوى في العاصمة.

أصدقائي من القاهرة لا يصدقون أنني لم أمسك سلاحًا يومًا، وأخاف من صوت إطلاق النار، فهذا ما رسخته لديهم المسلسلات: الأسلحة في الصعيد مع الأطفال.

في إحدى المرات كانت معلمة تتميز بأناقة الملبس وحسن المظهر تُدرِّب أحد الطلاب على نشاط ما بالاشتراك زميل له، وقالت فجأة: «خبر ايه؟»، والذي يرادف «جرى ايه؟ حصل ايه؟» في اللهجة القاهرية أو اللهجات المصرية المعتادة. «خبر ايه» تعبير خاص بالصعيد نوعًا ما، ورغم ذلك، فإن وقع الجملة على زميلي كان رهيبًا لأنه لم يكن معتادًا عليها.

هناك تآكل في اللهجة الصعيدية لدرجة اندهاش أحد الصعايدة من جملة أصيلة في اللهجة الصعيدية، مثل: «خبر ايه؟»، مع توسع بارز في اللهجة القاهرية حتى أصبح تعطيش الجيم من الأشياء القليلة، وكذلك التحدث بمصطلحات صعيدية بحتة، والتي أفتخر بها لحسن بلاغتها وإصراري المتواصل على تفسير هذه المصطلحات مع أصدقائي، خصوصًا في الأمثال الشعبية، وإلقاء الضوء عليها من منطلق إحياء التراث.

حينما أتت اللجنة المسؤولة عن إعطاء الجودة لروضة الأطفال بالمدرسة، اندهشوا من المباني الفاخرة بالمدرسة: الملاعب وقاعات الأطفال والفصول وحجرات الوسائل وحافلات نقل الطلاب، وغير ذلك. هذا الانبهار جعل الطمأنينة تنفذ إلى قلوب الإدارة.

أصدقائي من القاهرة لا يصدقون أنني لم أمسك سلاحًا يومًا، وأخاف من صوت إطلاق النار، ولا أجيد التعامل مع مسدس أو بندقية. بالطبع هذا ما رسخته لديهم المسلسلات: الأسلحة في الصعيد مع الأطفال، وقبل أن يقول الطفل «بابا» و«ماما» يكون والده قد درَّبه على إطلاق الأعيرة النارية بمهارة.

لقطة من مسلسل «نسر الصعيد» - الصورة: العدل جروب

تقول صديقتي تينا شوقي (ابنة محافظتي) إنها كانت شاهدة على زيارة مدحت العدل، المؤلف وأحد المشرفين على إنتاج المسلسلات من خلال شركة العائلة «العدل جروب»، إلى سوهاج، ورأت انبهاره بالمستوى الراقي الذي وصلت إليه المحافظة (لا أرى أي مستوى راقٍ، بل لطخات حداثية تصيب أهل القاهرة بالنشوة بعد أن طفحت العشوائيات من ثنايا الأحياء الراقية، وأوشكت أن تخنقها)، وأشار إلى أنه سيضع هذه الصورة المبهرة في المسلسل الجديد الذي تنتجه الشركة لمحمد رمضان. وكان مسلسل «نسر الصعيد».

إرث محمد صفاء عامر

حاول محمد صفاء عامر إعادة تدوير الطبخة «البايتة»، ليخرج علينا بـ«الحب موتًا» و«حق مشروع» و«أفراح إبليس».

مع النجاح المدوي لمسلسل «ذئاب الجبل» في أرجاء الوطن العربي كافة، أصبحت هذه الصورة تعكس الصعيد في جميع الأنحاء. بعدها قدم صفاء عامر مسلسلات «حلم الجنوبي» و«الضوء الشارد» و«الفرار من الحب» على الترتيب، ومن بعدها استثمر هذا النجاح في «حدائق الشيطان». هذه المسلسلات تناولت صفات الطغيان والقسوة والبطش الشديد لدى أهل الصعيد، وتقسيمهم إلى طبقتين: واحدة من الفلاحين الجهلاء الرعاع المتخلفين المتسخين، والثانية من تجار الآثار أو المهربين أو الإقطاعيين ذوي النفوذ والسلطة.

من جهة أخرى، أصبح راسخًا أن البيئة الصعيدية تغلي بالحروب والصراعات والأحداث غير المعتادة التي تثير شهوة حياة أهل المدن الحضارية الرتيبة المملة، ونجاح هذه الطبخة بالطبع جذب عددًا من الكُتَّاب، حتى الذين لم يعيشوا في الصعيد يومًا واحدًا، إلى أن يسيروا على نهج محمد صفاء عامر، وإضافة هذه المقادير، لتخرج وجبة ممسوخة ليس لها قيمة.

محمد صفاء عامر نفسه سيحاول استثمار هذا النجاح وإعادة تدوير الطبخة «البايتة» بنفس المقادير، ليخرج علينا بـ«الحب موتًا» و«حق مشروع» و«أفراح إبليس». مسلسلات يمكن أن تقول إنها مسلسل واحد مقسَّم على ثلاثة، ولم تلق هذه المسلسلات النجاح المطلوب كغيرها لأنك لا يجب أن تقنع الناس بالطبخة البايتة أكثر من مرة.

تجارب ممسوخة وضحايا الانطباع الخاطئ

في مشهد بمسلسل «الوشم» أصاب المرض ابن العمدة، فينقلونه على حمار إلى الوحدة الصحية في القرية التي لا يوجد بها دكتور واحد.

بعد نجاح مسلسلات محمد صفاء عامر هب عدد من الكتاب لتجربة حظهم، فخرجت منهم تجارب من نوعية «ليلة مقتل العمدة»، بطولة يوسف شعبان وسمية الألفي، حول قصة الثأر التي تلاحق أهلها من الجنوب البعيد إلى العاصمة مع «رتوش» من العنف الديني الذي كان مسيطرًا على المسلسلات أيضًا أواخر تسعينيات القرن العشرين. المسلسل من تأليف مجدي صابر الذي كانت معظم مسلسلاته، ليست الصعيدية فقط، على قدر كبير من التفاهة والتخلف، وذلك من نوعية «قلب امرأة» و«نور الصباح» و«أحلام البنات». وأتحفنا مؤخرًا في العقد الثاني من الألفية الثالثة بمسلسل «سلسال الدم» الذي تدور أحداثه في الصعيد أيضًا، ويظهر جيدًا من اسمه عن أي شيء يتحدث.

مسلسل «حرث الدنيا»، بطولة أحمد عبد العزيز، إنتاج 2000، وتأليف أنور عبد المغيث، عبارة عن صراع دامٍ بين الأشقاء على ميراث الأب الغائب.

تتر بداية مسلسل «ليلة مقتل العمدة»

أما مسلسل «الوشم»، لنفس المؤلف، فهو مهزلة أخرى من مهازل الانطباع الخاطئ. يدور حول صراع دامٍ بين عائلتين وفتاة لقيطة تظهر فجأة ليحبها الطبيب الوحيد في القرية، ويظهر أنها من العائلة الأخرى.

أذكر مشهدًا في المسلسل أصاب فيه المرض ابن العمدة شخصيًّا، فظهرت الشخصيات في المشهد هزلية جدًّا، إذ ينقلونه على حمار إلى الوحدة الصحية في القرية التي لا يوجد بها دكتور واحد، ولا يمتلك هذا العمدة سيارة.

أما مسلسل «مملكة الجبل»، فلا حديث فيه إلا عن تجارة الآثار، وإظهار الصعايدة مثل ثُلَّة من مطاريد الجبل الذين لا يمتون بأي صلة للحكومة أو الأوراق الرسمية أو استيعاب مفهوم الدولة، والمسلسل من بطولة عمرو سعد، وتأليف سلامة حمودة، وإخراج مجدي أحمد علي.

مسلسل «الليل وآخره» من تأليف محمد جلال عبد القوي، جاء في نسخة صعيدية أقل خشونة ومواءمة للجو الصعيدي الحالي، فقد نقل حالة من التفسخ الأسري بعد موت الأب، والمشاعر المختلطة، وإحساس الابن الأكبر بالظلم لحرمانه من التعليم بسبب ضيق ذات اليد. لذلك أكاد أقول إنه المسلسل الأفضل، ولكن هذا لا يمنع أن أحداثه كانت لأسرة صعيدية تعيش في القاهرة، وبالتالي لا ثأر ولا سلاح ولا آثار، ولا غيره.

هذا بالطبع غيض من فيض المسلسلات الصعيدية، ونماذج سريعة بسبب ضيق المقام.

أبناء الصعيد من المؤلفين

احتوى مسلسل «يونس ولد فضة» على جرعة مخففة من الصراعات بصبغة كوميدية، فلم يأتِ بالصدى المطلوب لأن الناس لم يعتادوا على الصعيد بهذه العصرية.

أبناء الصعيد من المؤلفين، وبالتحديد من أبناء محافظة سوهاج، حيث أنتمي، كانت لهم لمساتهم أيضًا. فقد أتى عبد الرحيم كمال ليصنع حالة خاصة للصعيد مغايرة عن نسخة صفاء عامر (ابن قنا). لكن رغم ذلك تتقاطع مع كثير من مفرداتها. مسلسل «الرحايا» (2010) القوي دراميًّا ومتماسك الخيوط بإخراج رائع وأداء مبهر من نور الشريف وسوسن بدر، رغم ذلك لم يخرج عن المسار المألوف: الصعايدة قساة، مفطورون على الصراع.

لنتخيل أن هناك لقاءً بين شاب وشابة من القرية لم يجدا غير الكورنيش ليلتقيا فيه بينما الكافيهات في سوهاج أصبحت أكثر من الناس أنفسهم.

أما مسلسله «يونس ولد فضة» الذي احتوى على جرعة مخففة من هذه الصراعات بصبغة كوميدية وبلمسات عصرية تجلت بين ثناياه، لم يأتِ بالصدى المطلوب. ربما لأن الناس لم يعتادوا على الصعيد بهذه العصرية. ترسيخ الفكرة السابقة عن الصعيد تكلست للدرجة التي لم يعد يجدي معها أي مواجهة بالحقيقة.

تتر بداية مسلسل «يونس ولد فضة»

أما المؤلف حسن المملوك، وهو ابن محافظة سوهاج أيضًا، فقد كان أكثر تقدمية. مسلسل «ثورة الحريم» (2003) حاول أن يحافظ على العصرية، فعرض أزمة المرأة في المجتمع الصعيدي بجرأة محدودة من حيث السياق. أما مسلسله «امرأة من الصعيد الجواني» (2006)، فقد احتوى على أكبر جرعة من المعاصرة للواقع الصعيدي. هناك الذين لا يرتدون الجلباب على الإطلاق، والشباب الذي يرتدي الجينز، والذين يعملون في مهن أخرى غير الزراعة، وعلاقة الصعيد بمدن الشمال، مثل الإسكندرية، وحتى حديث العائدين من الخليج بلهجة صعيدية مطعَّمة بمكتسبات البيئة الخليجية.

على الرغم من المستوى المتواضع لمسلسلات حسن المملوك، فإن هناك اتجاهًا لإضفاء صبغة واقعية على المسلسلات التي تناقش المجتمع الصعيدي، ولذلك لم تجد هذه المسلسلات النجاح أو الصدى بسبب حديثها عن الصعيد كأناس طبيعيين، وهذا ما لا يحب أن يراه حتى المُشاهد الصعيدي نفسه.

إن محاولات المؤلفين لتقديم صورة أقل قسوة للصعيد تجد إعراضًا لدى المشاهد الذي يريد أن يصدق أن الصعيد عالم منفصل بذاته، له لهجته الفاقعة الفجة التي تُفَخَّم فيها سائر الحروف، ويفتح الممثل فيها فمه على اتساعه عند الحديث، مع عدد من «أبَّاه» و«يابوووي» و«وَه»، والتي تقال في الصعيد على سبيل المزاح.

«الكبير أوي»

على الرغم من أن مسلسل «الكبير أوي» كوميدي إلى حد كبير، وعليه استثمار تلك البيئة الصعيدية الخصبة بالانطباع السائد عنها في أذهان المشاهدين بالتخلف والرجعية، فإن المسلسل استطاع استثمار هذا الانطباع، وتفجير الكوميديا من خلال الانقلاب عليه تمامًا، ونثر رياح العولمة على أجزاء المسلسل، فأصبحنا نواجه مسلسلًا صعيديًّا يشرب الناس فيه اللاتيه، ويستمعون إلى المطربين الأجانب، ويتشاركون تفاصيل ربما لا يعرفها أهل المناطق الشعبية في العاصمة.

كانت هذه رؤية متطرفة بعض الشيء، لكنها واقعية أحيانًا، والأهم من ذلك خارجة من عباءة صفاء عامر التي أضاعت صورة الصعيد بالكامل من خلال المسلسلات.

إعلان مسلسل «الكبير أوي»

وبعد؟

المؤلفون عادة معذورون لأن تقديم صورة طبيعية عن الصعيد لا يجد الصدى الجماهيري المطلوب، بل يلقى إعراضًا دائمًا، والأهم لدى المنتج بالطبع هو نجاح المسلسل. فأنت ربما تذهب إلى الهند، وتستغرب أن الناس هناك لا يلبسون الملابس الملونة، ولا ينهضون جميعهم للرقص والغناء في نفس اللحظة وفي أي موقف.

هكذا إذًا الصعيد: بؤرة إجرامية مليئة بالصراعات، خالية من أي عمق عاطفي إلا في القسوة والإجرام، وكأن الصعيد عبارة عن مستعمرة يتربى الناس فيها على هذا النحو.

البيئة الصعيدية الآن تحتاج إلى دراسة أنثروبولوجية سوسيولوجية لرصد أبرز التغيرات التي طرأت عليها بعد هبوب رياح العولمة. أو فلنقل إعصار العولمة الذي اقتلع الأصالة الصعيدية المتوارَثة، وذهب بها إلى غير رجعة.

لكن المسلسلات تصر على تناول هذه التغيرات على نحو كوميدي، أو استثمار التعطش المستمر لاستعادة صورة «ذئاب الجبل» من جديد.

أنا كشاب صعيدي أتحسر على حالي لأنني لا أمتلك الأصالة الصعيدية التي تمكنني من العيش بمفردات بيئتي المعهودة بعد تجريفها بشكل كامل، ومسخها بمفردات حداثية مقحَمة عليها. وفي نفس الوقت لم أستفد من الحداثة بشكل يمكنني من مجاراتها، فوقفت «محلك سر» لا أدري لي هوية، ولا أعرف انتماء، محاولًا التشبث بما وصل إليَّ بصعوبة، وربما من خلال الرواية الشفهية عن ذلك الزمن الذي كان هناك فيه تمسك كامل بمفردات البيئة الصعيدية، ربما للتفتيش بداخلي عن هوية أطمئن إلى وجودها، وانتماء يؤنسني.


هذا الموضوع اقترحه أحد قُراء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويره، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.

محمد سيد رشوان