جماجم ولغة: ما تبقى من الاحتلال الفرنسي للجزائر

محمود سعيد موسى
نشر في 2017/12/12

الصورة: Getty/Pascal Le Segretain

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر ديسمبر «كيف تشكِّلنا الحرب؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


في زيارته الأولى بعد توليه المنصب، وبينما يتجول الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» على قدميه في شوارع وسط العاصمة الجزائرية، تعالت الزغاريد والهتافات المتفائلة به، وكان مطلب الأغلبية تسهيل إجراءات تأشيرة دخول الجزائريين إلى الأراضي الفرنسية.

خلال جولته القصيرة، لم يسلم ماكرون من بعض الأصوات الناقمة التي طالبته بالاعتراف بالجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الاحتلال الفرنسي للجزائر بين عامي 1830 و1962. لم يلتزم ماكرون الصمت، واقترح الرئيس الشاب طَيّ صفحة الماضي الاستعماري والتطلع نحو المستقبل لبناء علاقات جديدة ندية مع الجزائر.

ينافي هذا الاقتراح حديث ماكرون في أثناء حملته الانتخابية بشأن ارتكاب فرنسا جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب خلال احتلال الجزائر. اتضح بعد هذا الحديث بستة أشهر، في زيارته الأولى إلى الجزائر، أن ماكرون كان يلعب على استخدام التاريخ ليحشد لنفسه مزيدًا من الأصوات.

لم يتناول ماكرون مسألة الاعتذار عن جرائم الاحتلال، بل اكتفى بحسم قضية إعادة «جماجم الثوار الجزائريين» المعروضة في متحف الإنسان في باريس، بعد أن كشفت وسائل إعلامية فرنسية وجزائرية وجود 36 جمجمة تعود إلى رموز المقاومة الجزائرية خلال ثورة التحرير بين 1954 و1962. قطع الاحتلال رؤوس الثوار، ثم أرسلها إلى فرنسا.

جماجم الماضي وأدمغة الحاضر

المتحف العسكري في باريس يلقي الضوء على جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر

منذ تفجير قضية «جماجم المقاومين الجزائرين» عام 2011، طالب البرلمان الفرنسي السلطات المعنية باتخاذ خطوة جريئة لإعادتها، بينما لزم البرلمان الجزائري الصمت ولم يتخد أي مبادرات تجاه القضية. بالتالي، اتهمت رئيسة الهيئة الجزائرية لمناهضة الفكر الاستعماري، فاطمة الزهراء بن براهم، وزيرة الثقافة الجزائرية السابقة، خليدة تومي، بعرقلة إتمام إجراءات نقل الجماجم.

خلال الاحتلال، حظر رئيس وزراء فرنسا اللغة العربية على الجزائريين واعتبرها لغة أجنبية، لشطب الهوية الوطنية والقومية للشعب.

لم يكن دافع ماكرون الوحيد في حسمه لقضية «جماجم الثوار» أخلاقيًّا وبداية علاقة ندية مع الجزائر، بل كانت مقايضة من أجل السماح للأقدام السوداء، وهم المستوطنون الفرنسيون الذين وُلدوا أو عاشوا في الجزائر، بالعودة إليها ولو لزيارة مسقط رأسهم ولقاء أقاربهم.

فرنسا-الجزائر: اللغة كسلطة

 

كاميل شوطون، رئيس وزراء فرنسا الذي حظر استخدام العربية في الجزائر

كان الاحتلال الفرنسي يعي تمامًا أن استمرار الهيمنة على مستعمراته لا يتحقق بالضرورة بالوجود العسكري، بل ربما عبر الاختراق اللغوي، أو «الفرانكفونية».

لا تقف قضايا الذاكرة وحدها عائقًا أمام العلاقات بين البلدين، إنما قضايا الحاضر والمستقبل، المتمثلة في سلب الاحتلال الفرنسي اللغة العربية في الجزائر، كي يبقى البلد تابعًا وجزءًا من الثقافة والعقلية الفرنسية.

فخلال الاحتلال، أصدر رئيس وزراء فرنسا «كاميل شوطون» مرسومًا يحظر العربية ويعتبرها لغة أجنبية، بهدف شطب الهوية الوطنية والقومية للشعب الجزائري. كانت اللغة وسيلة الاحتلال لبسط السيطرة والنفوذ السياسي على الشعب. فمن خلال الألفاظ المستعملة للغة، كأداة حاسمة في الخطاب السياسي، يستميل المحتل الجماهير بطريقة مقنعة، تدفعهم إلى الشعور بالانتماء لفكر معين وتبنِّي أيديولوجية بعينها.

في كتابه «السياسة وسلطة اللغة»، يقول عبد السلام المسدي، وزير التعليم العالي في تونس، وهو أحد أهم الباحثين في اللسانيات، إن اللغة «سلطة في ذاتها، والسياسة هي السلطة بذاتها ولِذاتها، فبواسطة اللغة، يمارِس الفاعل السياسي تأثيره في الناس وهو واعٍ بسلطة لغته».

كان الاحتلال الفرنسي يعي تمامًا أن استمرار الهيمنة على مستعمراته لا يتحقق بالضرورة بالوجود العسكري، بل ربما عبر الاختراق اللغوي، أو «الفرانكفونية». فكان فرض اللغة الفرنسية هو المدخل الرئيسي لتكسير هوية الجزائر وشَلِّ حركة مقاومتها.

بذلك يضمن المحتل عدم تماسك البلد، ثم يعوض هويتها بالهوية الاستعمارية لاستمرار استغلالها اقتصاديًّا، سواء عن طريق استخراج المواد الأولية أو الأيدي العاملة الرخيصة، أو باعتبارها سوقًا استهلاكية واسعة. وقد تمكن الاحتلال الفرنسي من ذلك، فبعد 55 عامًا من استقلال الجزائر، لا تزال الفرنسية أكثر تداولًا من اللغة العربية، حتى إذا توهمت الأجساد التحرر، تبقى العقول والنفوس تابعة.

قد يهمك أيضًا: كيف تموت اللغة؟

الاستعمار اللغوي والهوية الضائعة

اللغة العربية في مقابل الفرنسية في الجزائر

في كتابه «Militant Islam» (الإسلام المقاتل)، ذكر الكاتب «غودفري يانسن» أن أهم أسباب قوة وصلابة هوية الإنسان العربي هي طريقة تعلم الطفل، فهو يتعلم القراءة والكتابة قبل سن الخامسة، ويحفظ أفصح التراكيب اللغوية في اللغة العربية بفضل كتاتيب القرآن الكريم.

لذلك، كان هدف الاحتلال الفرنسي حظر العلوم الدينية واللغة العربية والمدارس المحلية. وحتى المدارس المتاحة، وهي أجنبية، يقل مستواها عن نظيرتها في الغرب، بهدف تكوين طبقة تتعامل مع الأجنبي المحتل، وبذلك تصبح غريبة عن مجتمعها وحتى عن المجتمع الذي تتشبه به في الغرب، وتظل دائمة الشعور بالنقص، وبذلك يضمن المحتل الأجنبي ولاء هذه الطبقة.

التخلص من هيمنة لغة المحتل هو الطريق نحو الاستقلال، حتى إن كانت الأرض مُحررة.

لم تكن وجهة نظر مفكري الغرب وحدها التي تركز على دور اللغة في بسط النفوذ، فقد انضم أيضًا المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد إلى النهج المنحاز للسيادة اللغوية، وأثرها البالغ في بسط الهيمنة على الشعوب. على سبيل المثال، سهّ تهميش اللغة الأيرلندية وتحويل أسماء المناطق الجغرافية في أيرلندا إلى إنجليزية، من بقاء هيمنة الإنجليز على ذلك البلد الأوروبي.

الدفاع عن الأوطان يبدأ بالدفاع عن اللغة. واللغة ليس المقصود بها مخزون الألفاظ والعبارات، بل مصدر النتاج الفكري للمجتمع. واللغة التي تنشأ عليها وتتعلمها ترسم طريقة إدراكك وتفكيرك. وإذا كانت اللغة هي الحصن الأول الذي يوجه إليه الاحتلال ضرباته، فإنها كذلك سلاح المقاومة الأول ضد الابتلاع والهيمنة.

الهيمنة والتحرر باسم اللغة

دروس اللغة العربية للمهاجرين الجزائرين تثير جدلًا في فرنسا

القضية إذًا هي اللغة، ولذلك فإن التخلص من هيمنة لغة المحتل هو الطريق نحو الاستقلال، حتى إن كانت الأرض مُحررة.

على سبيل المثال، كانت القومية إحدى ركائز الاتحاد السوفييتي، وكانت سياسة فرض اللغة الروسية تؤمِّن الاستمرارية والسعي نحو التوحيد. وبعد انهيار الاتحاد، وقّع قادته اتفاقية الكومنولث عام 1991، التي رفضت استمرار اعتماد الروسية لغةً رسميةً فيها، وبدأت غالبية دول الاتحاد السوفييتي السابق تبحث عن هويتها الخاصة.

في أوكرانيا وجورجيا وليتوانيا وإستونيا وأذربيجان، بدأت الحركات القومية بالسعي إلى التخلص من اللغة الروسية، حتى أن الجيل الجديد لا يفهمها، وبالتالي بدأت عملية انقراض هذه اللغة تظهر في عديد من الدراسات.

قد يعجبك أيضًا: 6 أسئلة عن اللغة بوصفها سلاحًا

في عام 2015، كان هناك طلب متزايد على تعلم اللغة العربية في فرنسا، سواء من أبناء الجالية العربية أو من الفرنسيين أنفسهم. وقتها أعلن اليمين الفرنسي في البرلمان أن تعلُّم اللغة العربية قد يعزز الطائفية ويقوض الترابط الاجتماعي. وردًّا على هذا، أبدت وزيرة التربية والتعليم الفرنسية ذات الأصول المغربية، نجاة فالو بلقاسم، امتعاضها من التصريح، وأكدت أن تنويع اللغات له أهميته في المنظومة التعليمية في فرنسا.

ربما انتصر الجزائريون منذ نصف قرن على الاحتلال الفرنسي، ونجحوا في استعادة حرية بلادهم، لكن آثار أكثر من قرن كامل من الاحتلال لا تبدو سهلة الإزالة رغم كل ذلك.

محمود سعيد موسى