لأننا لن نصير ملوكًا: ترجمة سردية لكليب (Royals)

أسامة يوسف
نشر في 2016/11/17

لم أكن قد شاهدت كليب Royals للمطربة «لورد» (Lorde) قبل ثلاثة أشهر رغم صدوره في عام 2013. سمعت جزءًا من الأغنية بالمصادفة وأعجبني فبحثت عنها واستحوذت على تفكيري وأذني لأسبوعين متتاليين كانت فيهما خلفيةً موسيقيةً لتنقُّلي داخل مدينتي وخارجها.

تحكي «لورد» في الأغنية عن عالم مُتع الثراء الذي تبشِّر به الأغاني والأفلام، ويسعى إليه جميع مَن حولها، لكنها لا تكترث به، ولا تهتم بأن تنال هذه المُتع.

كنت أرى الأغنية في جميع المشاهد من حولي في مدينتنا الطبقية، كأغلب عواصمنا العربية، لكن أبطال هذه المشاهد لا يشعرون بلا مُبالاة «لورد»، وإن تحدثوا لن يتحدثوا بنبرة الرضا عن مُتعٍ أخرى لديهم تغنيهم عن ترف الثراء.

هذه ثلاث قصصٍ عن أشخاصٍ لن يصيروا ملوكًا.

مشهد أول

الرابعة والنصف عصرًا، ساعة الذروة التي تتزامن مع رحلة المواطنين في طريق العودة إلى المنازل، يتزاحم الناس على الأرصفة في مناطق وقوف الميكروباص. تتحول الصفوف إلى دوائر، والدوائر إلى تظاهراتٍ صغيرة. يرمق الجميع الأفق الملبد بالسيارات باحثين عن أثرٍ لعربةٍ تقل المحظوظين الذين سيستطيعون كسر السلاسل البشرية التي تكبل الجميع، وسينجحون في هزيمة المتصارعين على الدخول عبر باب العربة. يقف هو بينهم، تجعله قامته المتوسطة بمحاذاة غالبية الواقفين، فيشعر كما لو أن رأسه طافيةٌ فوق بحرٍ من الأجساد، يشعر بالحر رغم خفوت حدة الشمس. الأفق خانق.

ينظر للسماء كيلا يرى أي شيءٍ مما حوله، لا يهتم بموجة البشر المضطربة التي تعني قدوم عربةٍ جديدة، يقف في مكانه ويتلقى ضربةً في كتفه فلا يهتم، ما زال ينظر لأعلى ويحاول الانفصال عما حوله، فينجح. تخفت الأصوات تدريجيًا، يعم الصمت، يهدأ قليلًا، يخفض بصره تدريجيًا وهو يحاول الحفاظ على صممه المؤقت، تقع عيناه على حافلةٍ مكيفة تحمل شعار إحدى الجامعات الخاصة، ستائر الحافلة مغلقة إلا من شباكٍ واحد، يجلس خلفه شابٌ من عمره نفسه، يضع في أذنيه سماعات متصلة بهاتفه، ويتثاءب في كسل وملل وهو ينظر من خلف زجاج الحافلة إلى الشارع. تلتقي أعينهما، فتغمر الضوضاء ذلك الواقف في وسط الزحام من جديد.

مشهد ثانٍ

لم يتصل بها خطيبها منذ البارحة. لا يدور في بالها سوى ذلك. تسترجع تفاصيل المكالمة الأخيرة بينهما وهي في طريقها للعمل، تحلل نبرات صوته الغاضبة قبل أن يغلق الخط بينما تُحيي زملاءها عند وصولها، وبينما تُبدِّل ملابسها، تتساءل عن مصير خطبتها بعد عاصفة الأمس. تدخل إلى الحمام وتُنظف المرايا وهي تقاوم شعور بالكراهية يتنامى تجاه والديها اللذين يُكبداها هي وخطيبها المتعسف ماليًا عناءً نفسيًا كان كافيًا لتخريب علاقتهما. لم تتمالك نفسها وهي تبُدل علب المناديل، فانهمرت دموعها وهي تتذكر كم كانا سعيدين قبل وطأة المسؤوليات.

قررت وهي تمسح أرض الحمام أن تكف عن لعب دور الفتاة المهزومة التي تترك مصيرها بين يدي الآخرين؛ ستساعد خطيبها في تدبير المزيد من المال، ستقترض أو ستقنع زميلاتٍ لها ببدء جمعيةٍ تسمحن لها بقبضها أولًا. تحمست للفكرة، واشتعلت رأسها بحساباتٍ لا تستطيع استكمالها، فأبعدت الخرقة التي تمسح بها الأرضية. نشَّفت يديها في بنطالها، وجلبت من حقيبتها قلمًا، قبل أن تفرد الورق المقوى لعلبة المناديل القديمة لتستعملها كورقة. بدأت في كتابة بعض الأرقام لتخمن ما المبلغ الذي يمكنها تدبيره، قبل أن يقطعها صوت دقات كعب حذاءٍ على الأرض.

لم ترفع رأسها لترى مَن دخلت إلا بعد أن استقرت أمام المرآة، نظرت في خلسةٍ إليها، فتاةٌ تكبرها بعدة أعوام، ترتدي قميصًا أبيض دون أكمام، تبتعد فتحة صدرها كثيرًا عن نحرها، بالإضافة إلى تنورةٍ تعلو ركبتيها بقليل. وضعت الفتاة هاتفًا غاليًا في حقيبتها، وأخرجت بدلًا منه أدواتٍ لإصلاح زينتها، وسرعان ما أتمت مهمتها بدقة وفي آليةٍ تامة. انتبهت الفتاة على الأرض بأن الواقفة أوشكت على الانتهاء، فأخفضت بصرها من جديد وحدقت في بلاط الأرضية، وعند مرور الحذاء الأسود النظيف بجوارها، انتبهت إلى ورقتها الممتلئة إلى نصفها بالأرقام، فأخفتها خوفًا من أن تقرأ المنصرفة ما يوجد بها من أرقامٍ صارت تافهة بالنسبة إليها.

بعد انغلاق باب الحمام بدقائق، كانت هنالك ورقة مقواه طافية على سطح جردل ماء قذر، فسد ما كُتب عليها وتحول إلى بقعٍ زرقاء غير مقروءة. والماء راكد إلا من حركةٍ خفيفة لموجةٍ تعلو مع ارتفاع صوت بكاءٍ مكتوم، وتخفت عند السيطرة عليه.

مشهد أخير

تساءل وهو يحدق في الظلام عبر نافذة المقعد الخلفي للسيارة: «هما عاملين المول بعيد كده ليه؟»، رد عليه الجالس بجوار مقعد السائق: «عشان العيال التعبانة اللي بيدخلوا المولات التانية مايعرفوش يوصلوا للمول ده». المركز التجاري الضخم الجديد يقع خارج حيز مواصلات العاصمة، يصل إليه مُلّاك السيارات فقط. وهو لا يمتلك سيارة، لكن صديقه استولى على سيارة والده دون علمه ليقوده هو والآخر في رحلةٍ إلى المركز التجاري الجديد. «البنات هناك حلوين».

أحس بالرهبة من ضخامة ساحة انتظار السيارات، وابتعد قليلًا عن سيارة صديقه بعد أن ألقى نظرة على نوعيات السيارات المحيطة بهم. نظر إلى قدميه كي يرى إن كان حذاؤه الجديد قد اتسخ قبل أن يركب السيارة أم لا. كانت أول مرة يرتدي فيها هذا الحذاء الذي اشتراه بسعرٍ أكبر مما ينفقه عادةً على الأحذية. أقسم له البائع أنه «أصلي» ومن خط إنتاج الشركة التي يحمل شعارها، لكنه مهربٌ من الميناء. صدَّقه، والآن سيصير أكثر جاذبيةً من الآخرين. ألقى نظرة سريعة على ملابس صديقيه كي يستمد المزيد من الثقة.

لفحه الهواء البارد والضوضاء عند عبوره بوابات المبنى، واستغرقه المشهد لبضع ثوانٍ قبل أن تلفحه الرهبة. هو لا ينتمي إلى هنا، لم يرَ هؤلاء الناس من قبل، ولم يرَ ملابسهم ولا أجسادهم ولا أحذيتهم من قبل، لم يستمع إلى الطريقة التي ينطقون بها الكلمات العربية، ولا يعرف غيرها مما يتحدثون به. لم يعد يرَ سوى ألوانًٍا زاهية عديدة وشعارات شركات ملابسٍ شهيرة تختلط بلافتات المحال وتنعكس كلها على زجاج الواجهات لتتناسخ مئة وألف ومليون مرة.

سار عدة خطوات بجوار رفيقيه، ثم لم يستطع المواصلة، توقف واستدار ليتراجع ويستند بظهره إلى واجهةٍ زجاجية. نظرت له إحدى الفتيات فشعر بالخوف. التفت وأعطى ظهره لكل شيء فوجد أنه يحدق في صفوفٍ من أحذيةٍ تحمل شعار حذائه نفسه. نظر إلى الأرض، وفكر أنه خسر الزيادة التي أنفقها على هذا الحذاء.

And we will never be royals

It doesn't run in our blood

That kind of luxe just ain't for us

أسامة يوسف