«ديكستر»: القتل كوسيلة مشوشة بين المتعة والغاية

لؤي طارق
نشر في 2018/07/31

«كانت تحمل قلبًا كبيرًا، كبيرًا بما يكفينا معًا. أما أنا، فلم أكن إنسانًا حقًّا إلى أن قابلتها. لم أتوقع أن يتغير ذلك، لكنها استطاعت أن تصل إلى شيء ما بداخلي لم أكن أدرك أنه موجود».

هذه هي الكلمات التي اختارها «ديكستر مورغان» كي ينعى وفاة واحدة من أقرب شخصيات المسلسل إلى قلبه. سيبدو الكلام، لمن لا يعرف مورغان، مجازيًّا بعض الشيء، لكن من يعرفه جيدًا سيكون متيقنًا من أن كل كلمة تفوَّه بها كانت في حقيقة الأمر حَرفيَّة ومقصودة وصادقة.

وإذا أردنا أن نُحَلل هذه العبارات، وهذه الشخصية، علينا أن نعرف أولًا من هو ديكستر مورغان. حسنًا، في حقيقة الأمر هو مختص في الطب الشرعي لدى شرطة ميامي المحلية نهارًا، وقاتل متسلسل يسلب أرواح القتلة والمغتصبين ليلًا.

للوهلة الأولى، يبدو للمُشاهد أن مسلسل «ديكستر» ما هو إلا قصة ذلك القاتل المتسلسل، صاحب الحياة المزدَوَجة، الذي يحاول، طوال أحداث القصة، تفادي اكتشاف الشرطة لجرائمه، لكن إذا أمعنَّا النظر قليلًا، سنجِد أن المسلسل لم يتوقَف عند هذه «الحدوتة» المكرورة، إنما طرح كثيرًا من الأسئلة الفلسفية، من خلال الأبعاد الإنسانية شديدة الواقعية التي أضفاها صناع العمل على شخصية ديكستر.

عندما نعود بالزمن إلى الوراء، لاستكشاف تاريخ تلك الشخصية، سنعرِف أنه تعرَّض لحادثة عندما كان طفلًا، ويبدو أن هذه الحادثة أثرت فيه وفي تكوينه النفسي أشد التأثير، فأصبح عاشقًا للدم بلونه الأحمر المائل للقرمزي، وملمسه الذي يحمل شيئًا من اللزوجة، ومع ذلك، فهي لزوجة مخلوطة بنعومة غريبة، إضافة إلى رائحته التي تحرك غرائز معظم الكائنات التي تقطن هذا الكوكب. لذلك يعمل ديكستر في هذا المجال، إذ يوفر له الولوج إلى مسارح الجريمة التي تحتوي على كثير من الدماء المسفوكة.

يُظهِر صناع العمل شغف ديكستر بالدماء، مستخدمين الصورة والصوت. وغالبًا عندما نرى ديكستر وهو يحمل حقيبة أدواته داخلًا مسرح الجريمة، فإن الأجواء تتغير، ونسمع الموسيقى التصويرية التي تحمل نغمة رومانسية أكثر منها دموية، وتتحرك الصورة بتقنية الحركة البطيئة مع التركيز في لقطات مقربة على وجهه، والبريق الذي يعكس شغفًا عميقًا بما ينظر إليه من خلال مرآة عينيه.

كذلك نلحَظ كيف يفسر لزملائه المحققين تَتَابُع الأفعال التي أدت إلى وجود جثة شخص ما في هذه الوضعية المحددة، وفي هذا المكان المُحدَّد، وبهذه الكيفية المحددة.

العابر المظلم

ما يجعل مسلسل ديكستر متميزًا أن ديكستر نفسه يقع في نقطة بين الإنسان السوي والسيكوباتي.

إذًا، فقد تكونت لدينا صورة لا بأس بها عن ديكستر النهاري، فماذا عن ذاك الذي يعيش ليلًا وسط الظلال؟

يُسمِّي ديكستر هذا الجانب المُظلم من شخصه (العابر المظلم)، وهذا هو الوصف الدقيق للروح التي تتملَّكه عندما يتربص بالقتلى والمجرمين الذي فروا من العدالة وجعلهم يعبرون إلى العالم الآخر.

فمنذ طفولته، وجد ديكستر لديه رغبة مُلِحَّة في سلب الأرواح. هذه اللذة التي لا تضاهى في أن تنقل أحدهم من حالة النبض والحيوية إلى حالة السكون الأبدي. لذلك، فبمساعدة والده الذي كان شرطيًّا وشاهدًا على الحادثة التي كوَّنت هذا العابر المظلم داخل ديكستر، استطاعا أن يبتكرا هذا النسق الأخلاقي (الكود)، هدفه الأولي أن يحمي ديكستر من أن ينكشف أمره، إضافة إلى مساعدته على دقة اختيار ضحاياه، فيقضي وقتًا في الفحص والمراقبة، وإذا تبيَّن أن الشخص المختار مجرم حقيقي، يمكن أن يسبب الأذى للآخرين، عندها يكون بالفعل قد حُكِم عليه بأن يعبر إلى العالم الآخر.

لكن شخصًا يعيش حياة كهذه، ويملك رغبات كتلك، لا يستطيع أن يمارس حياة إنسانية طبيعية. ففي علم النفس لا ينتظر الأطباء النفسيون، من مرضاهم أصحاب الشخصيات السيكوباتية، أن يكونوا قادرين على تكوين علاقات إنسانية قويمة كباقي الآدميين. لكن ما يجعل مسلسل ديكستر متميزًا أن ديكستر نفسه يقع في نقطة بين الإنسان السوي والسيكوباتي، فتزداد أزمة الشخصية الداخلية عُمقًا عندما يكوِّن بالفعِل روابط إنسانية مع الآخرين، ويكتشف أن بعضًا مما قاله أبوه عن أنه مسخ ليس صحيحًا بشكل تام، ولا يُعَد حقيقة يجب أن يُسَلَّم بها.

هنا نرجع إلى الاقتباس الذي أوردناه في بداية مقالنا، فإذا ما قرأناه مُجددًا في ضوء ما سبرناه من أغوار هذه الشخصية حتى الآن، نتيقن من أن كلماته كانت حَرفية. هو بالفعل لم يسبق له أن آمن بآدميته حتى أتى من جعلوه يدرِك حقيقة أن له قلبًا يخفق لأشياء أخرى غير الدم، وأن آدميته تتعدى النسق الأخلاقي الذي طوَّره هو ووالده.

قد يهمك أيضًا: بماذا تخبرنا أفلام الجريمة عن أنفسنا؟

إذًا، فديكستر يرتكب عملًا منافيًا للأخلاق: القتل، من أجل غاية أخلاقية: تطهير العالم من المجرمين الفارين من العدالة. ما موقعه إذًا من مسألة الأخلاق برمتها؟

هذه نقطة أخرى تميِز مسلسل ديكستر عن غيره من نفس النوع. إذ نجِد أن المسلسل يضعنا دائمًا في هذا الموقِف الحرِج، طارحًا هذا السؤال الفلسفي عن حقيقة أفعال ديكستر، وإذا ما كان يستحق العقاب عليها أم الشكر والثناء.

الغاية المشوَّهة

في أحيان كثيرة نجِد أنه من السهل إصدار حكم على إحدى الشخصيات الخيالية، أو تكوين انطباع واضح وصريح عنها. لكن في رأيي: إن الشخصيات الأكثر واقعية هي التي يصعب معها تحديد موقفنا الشخصي منها.

ما يفعله ديكستر يُذكرنا بالمقولة الخالدة لـ«نيقولا ميكافيلي»: الغاية تبرر الوسيلة. لكن هذه المقولة لا تنطبق عليه بشكل كامل.

ما يجعل شخصية ديكستر تنتمي إلى الفريق الأخير، إلى جانب قتله المجرمين، وارتكاب أفعال نود كلنا لو نمتلك الحد الأدنى من الشجاعة لنأتي بمثلها، هي الطريقة التي اختارها صناع العمل كي يسردوا لنا قصة هذه الشخصية.

في عالم السرد القصصي (Storytelling)، بجميع أنواعه، هناك طرق كثيرة لتناول السرد، وفي السينما تحديدًا يصبح الأمر أكثر تعقيدًا. فصانع العمل يستطيع أن يختار وجهة نظر موضوعية بحتة لكي يحكي لنا قصته، وأحيانًا يختار وجهة نظر أكثر ذاتية، فنجدنا نقضي معظم الوقت مع إحدى الشخصيات، ويدفعنا ذلك مرغَمين إلى تكوين أواصر معينة تجاهها، ويمكننا هُنا ملاحظة أن صُناع مسلسل ديكستر اختاروا أن يدمجوا الطريقتين، فنجدنا منذ اللقطة الأولى من المسلسل، وحتى الأخيرة، في رأس ديكستر، نستمع لأفكاره التي لا يتفوه بها لغيرنا، عن طريق استخدام الـ(Voice Over)، أي صوته في الخلفية، ما يجعلنا نُكوِّن صداقة حميمة مع الشخصية.

من جانب آخر يُطلعنا صناع العمل على أحداث وملابسات بشكل موضوعي بعيد عن ذات ديكستر، وغالبًا هو نفسه يجهل هذه الأحداث، فنجدنا في بعض الأحيان نسبقه بخطوة ونعرف ما لا يعرفه، فعندما يدرك ما أدركناه، يتسنى لنا كمُشاهدين أن نركز على وقع ذلك دراميًّا عليه وعلى شخصه، وفي أحيان أخرى نكون على نفس خط ديكستر، يقودنا بتحليلاته الذكية عبر الظلمة، حتى تنكشف لنا الحقائق على يده.

كل هذا يجعل المُشاهد يتوقف عن كونه مُشاهدًا، بل يتحول بالتدريج إلى شريك لديكستر في جرائمه. لكن إذا ما كنا شركاءه بالفعل؛ هل نملك حقًّا أن ندين أفعاله ونصفها بأنها غير أخلاقية؟

إن ما يفعله ديكستر يُذكرنا بالمقولة الخالدة لـ«نيقولا ميكافيلي»: الغاية تبرر الوسيلة. لكن هذه المقولة لا تنطبق عليه بشكل كامل.

قد يعجبك أيضًا: القاتل والمقتول: من ضحية من؟

قد يكون دافع ديكستر، من وراء أفعاله، تلبية احتياجاته. هذا صحيح. لكن عمليًّا ستظل النتيجة في المجمل عالمًا يحوي عددًا أقل من القتلى والمغتصبين الفارين من العدالة، وفي المقابل هناك قاتل متسلسل مطلق السراح، يستمتع بعملية القتل نفسها، وينفرد بقرار القتل من عدمه، بحسب حكمه الشخصي.

إذًا، فكل ما سبق ذكره أسباب تجعل المُشاهد يرتبط عاطفيًّا بهذه الشخصية، حتى وإن كان كاثوليكيًّا ملتزمًا. ستبقى هناك رابطة إنسانية تجمعنا بديكستر، إضافة إلى التجسيد المتقَن للممثل «مايكل سي. هول» للشخصية، فكل نظرة أو اختلاجة تمُر على وجهه، محسوبة بدقة شديدة، ووراءها مبررها الدرامي.

قد تكون الغاية تبرر الوسيلة أحيانًا، في رأي بعض الناس، لكن ماذا لو كانت الغاية نفسها مشوشة بين هدفها النهائي وكونها متعة شخصية.

لؤي طارق