عالمنا

الحرب المنسية: ما ﻻ يخبرنا به الإعلام عن صراع السعودية وإيران في اليمن

جنود سعوديون على حدود اليمن - الصورة: Carolyn Cole

منذ قامت ثورات ما يُطلق عليه «الربيع العربي» في عام 2011 والمنطقة العربية صارت قطعة من الجحيم: حرب دولية في سوريا، وحرب أهلية في ليبيا، وقتلى في البحرين ومصر، وسجناء في كل رقعة. الأخبار تحاصرك من كل مكان، تنقل إليك تفاصيل النزاعات في كل دول العرب، إلا اليمن.

يقول الشاعر اليمني عبدالله البردوني (1929 - 1999) في قصيدة له:

فظيعٌ جهلُ ما يجري     وأفظعُ منه أن تدري

وهل تدرين يا صنعاء   مَن المستعمر السرِّي

غـزاةٌ لا أشاهدهم     وسيفُ الغزوِ في صدري

ما الذي يجري في اليمن؟

كيف نشأ الحوثيون؟

قبل أن نعرف ما الذي يجري في الساحة الآن، علينا أن نعود قليلًا إلى الوراء، لنعرف كيف وصلت الأمور إلى الحرب الدائرة اليوم بين أطراف يمنية متصارعة وتدخلات دولية.

في تسعينيات القرن العشرين، توحدت اليمن بعد حرب وصراع بين اليمن الجنوبي بقيادة علي سالم البيض، واليمن الشمالي بقيادة علي عبد الله صالح، وسيطر الأخير على اليمن كله، بما في ذلك «حزب الحق» حليف الانفصاليين الذي أسسه حسين الحوثي، والذي ضمَّ مجموعة من الزيديين الشيعة. 

بعد حل الحزب، دعمه صالح لتشكيل تنظيم للمناكفة السياسية ضد السلفيين والإخوان وبعض القبائل في «حزب التجمع اليمني للإصلاح»، إلا أن حسين الحوثي لم يكتفِ بالمناكفة، بل وسَّع رقعته الشعبيه وصعَّد الصراع مع الحكومة اليمنية، واتهمها بأنها أداة للإدارة الأمريكية وحربها الكاذبة ضد الإرهاب في العراق وأفغانستان، وأنها تعزل الزيديين عن المشاركة في الحكم.

تصاعد الصراع المسلح حتى قُتل حسين الحوثي عام 2004، فأعلن أخوه عبد الملك ما يسمى اليوم جماعة الحوثيين.

استمر القتال بين الحوثيين والحكومة منذ 2004 حتى اتفقا على وقف إطلاق النار في 2010، إلا أن مجيء الربيع العربي في 2011، وخروج اليمنيين في مظاهرات ضد علي عبد الله صالح ومشروعه لتوريث الحكم وفساده، شجع الحوثيين على العودة.

مع ضعف الحكومة الانتقالية التي تشكلت بمبادرة خليجية، تمكن الحوثيون من تقوية أنفسهم عسكريًّا وسياسيًّا والسيطرة على عدة مناطق في اليمن، لكن الحكومة الانتقالية تعمدت تهميش الزيديين مجددًا في تشكيلها، ممَّا استدعى الدخول في حوار وطني، طالب فيه الحوثيون برفع الظلم عن الطائفة الزيدية وعدم تهميش مناطقهم وإشراكهم في أجهزة الدولة.

ووسط عجز الحكومة، حشد الحوثيون لمظاهرات تؤيدهم، وتصاعد الصراع حتى وصل إلى نزاع مسلح، وسيطر الحوثيون على القصر الرئاسي في العاصمة صنعاء لإجبار عبد ربه هادي، رئيس الحكومة الانتقالية، على التعهد بزيادة مشاركة الحوثيين في البرلمان، والدعوة إلى دولة فيدرالية وتمثيل أكبر للجنوبيين في الحكومة.

لم يتفق الطرفان، وتواصل القتال بين الحوثيين والحكومة، حتى أعلنت المملكة العربية السعودية إنشاء قوات التحالف في 2015، لتضم إلى جوارها الكويت والبحرين وقطر والسودان والأردن والمغرب، وبدعم واستعداد للمساندة من مصر وباكستان والولايات المتحدة الأمريكية، وتخوض المملكة حرب «عاصفة الحزم» من أجل وقف الزحف الحوثي وتحجيم قوته المدعومة من إيران.

ما وَضْعُ اليمنيين في بلد لا تتوقف غارات التحالف الجوية عليه منذ عام 2015 حتى اليوم؟

في تفسيره لخوض بلاده حربًا في اليمن، قال اللواء في الجيش السعودي أحمد عسيري، المتحدث باسم قوات التحالف، إن هذا يحدث بناءً على طلب من «الرئيس الشرعي» لليمن، وحتى «لا تصبح البلاد قاعدة صاروخية أخرى تهدد أمن وسلامة السعودية، كما خطط الإيرانيون».

في إبريل 2015 أعلن التحالف انتهاء «عاصفة الحزم» وبداية عملية «إعادة الأمل»، بعد تحقق أهداف العملية الأولى بالمحافظة على الشرعية، ومنع وصول الأسلحة إلى الحوثيين وعلي عبد الله صالح، الذي تحالف معهم للعودة إلى السلطة، أما إعادة الأمل فهي المرحلة الثانية التي تهدف إلى استئناف العملية السياسية وحماية المدنيين وإجلاء الأجانب وتقديم الإغاثة الإنسانية ومكافحة الإرهاب، لكن كيف يحسِّن هذا حياة المدنيين؟

ماذا يمكن أن يكون الوضع الإنساني لمواطني اليمن في بلد لا تتوقف غارات التحالف الجوية عليه منذ عام 2015 حتى اليوم؟ كيف حالهم في وقت يعيش فيه تنظيم القاعدة أقوى حالاته، بعد أن أتاح له القتال الدائر مساحة كبيرة للظهور؟

قد يهمك أيضًا: لاجئ سوري يحكي تجربته في السفر إلى أوروبا

اليمن السعيد لم يعد سعيدًا

آثار غارة جوية من عاصفة الحزم على منازل اليمنيين
الصورة: Almigdad Mojalli/VOA

يمانيونَ في المنفى        ومنفيونَ في اليمنِ

جنوبيونَ في صنعاء        شماليونَ في عدنِ

وكالأعمامِ والأخوال        في الإصرارِ والوهنِ

تَرَقّى العارُ مِنْ بيعٍ        إلى بيعٍ بلا ثمنِ

ومِن مستعمرٍ غازٍ        إلى مستعمرٍ وطني

- عبد الله البردوني

ليست الحرب نزهة، تخبرنا الكوارث الإنسانية في اليمن بأن هذا أكثر من مجرد «كليشيه». فبحسب التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية لعام 2017، تورطت جميع أطراف النزاع في اليمن، من قوات التحالف والحوثيين وحلفائهم والقوات المعارضة لهم، في قتل مدنيين وأطفال والتضييق على تقديم المساعدات لهم.

تذكر المنظمة أن الهجمات التي يشنها الحوثيون على المناطق السكنية، مثل مدينتي تعز وصنعاء، أدت إلى سقوط عديد من القتلى المدنيين، كما أن 27% من عمليات تجنيد الأطفال في القتال نفذها الحوثيون وأنصارهم.

قتلت إحدى غارات التحالف أكثر من 700 شخص في عزاء.

بالإضافة إلى ذلك، نفذ الحوثيون عمليات اختطاف لأشخاص من منازلهم ومن على الحواجز الأمنية دون سبب قانوني، وحبسوهم في أماكن سرية، وأخضعوا عديدًا منهم للتعذيب، وأغلقوا ثلاثة مستشفيات في جنوب تعز، وهددوا الطاقم الطبي فيه.

ووثَّقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها أن الحوثيين زرعوا ألغامًا أرضية في عديد من الأقاليم اليمنية، ممَّا أسفر عن مقتل عدد كبير من الأفراد، كما استخدموا القذائف المدفعية ضد مدنيين.

أما قوات التحالف فقد قالت هيومن رايتس ووتش إنها استخدمت القنابل العنقودية المحظورة دوليًّا، وهو ما تسبب في قتل مدنيين من بينهم أطفال. واعترف المتحدث العسكري باسم التحالف باستخدام هذه القنابل خلال لقاء له على قناة «CNN» الأمريكية، وبرر ذلك بأنه لم يكن عشوائيًّا.

واستهدفت إحدى غارات التحالف مجلس عزاء وقتلت أكثر من 700 شخص حضروا للتعزية، كما شملت الغارات مصنعًا للألبان سقط فيه عشرات الضحايا، وقلَّص الحظر الجوي والبحري قدرة اليمن على استيراد الغذاء، ممَّا يُنذر بكارثة غذائية.

وذكر المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن مليوني شخص تركوا منازلهم، ويعاني 60% منهم من الجوع، كما أن نحو سبعة ملايين مواطن يمني ليسوا متأكدين من إمكانية حصولهم على الغذاء، في حين تؤكد منظمة العفو الدولية أن هجمات التحالف أسقطت آلاف المدنيين في الشوارع والأسواق والمنازل.

كيف تعامل الإعلام العربي مع الكارثة؟

تَعِدُ كل وكالات الأنباء بتغطيات مستمرة، لكن هل كانت غطَّت «التغطية» كل شيء؟

أميرُ النفطِ نحنُ يداك     نحنُ أحدُ أنيابك

ونحنُ القادةُ العَطْشَى     إلى فضلاتِ أكوابك

ومسؤولونَ في صنعاء     وفرَّاشونَ في بابك

ونستجديكَ ألقابًا     نُتوِّجها بألقابك

فمُرنا كيفما شاءتْ     نوايا ليلِ سردابك

نعم يا سيِّدَ الأذناب     إنَّا خيرُ أذنابك

- عبد الله البردوني

بسبب سيطرة السياسيين والحكومات في الوطن العربي على الإعلام، صار تناول الحرب اليمنية إمَّا على استحياء أو موجهًا لصالح طرف معين، أما الآراء غير المرغوب بها فتُسكَت. يربطُ الإعلاميين والمدونين الخوفُ من الخوض في الحرب اليمنية، بسبب ما قد يتلو ذلك من تبعات قانونية وأمنية خطيرة على حياتهم وحرياتهم.

ففي الكويت، التي تشارك في الحرب، أصدرت محكمة التمييز حكمًا ضد أحد مستخدمي موقع تويتر بالحبس ثلاث سنوات بسبب سخريته من «عاصفة الحزم»، بدعوى تأثيره على العلاقات بين الكويت والسعودية، واعتبار سخريته عملًا عدائيًّا.

الأمر ذاته حدث في البحرين، إذ حُكم على معارض بالحبس لخمس سنوات بتهمة إهانة «عاصفة الحزم» على تويتر، كما أُوقفت مذيعة في قناة الدلتا المصرية عن العمل وأُحيلت إلى التحقيق بسبب حلقة أجرتها حول الحرب في اليمن، بتهمة العمل ضد توجهات الدولة ومهاجمة السعودية.

أعلنت الأمم المتحدة «قائمة عار» تضم الحوثيين والقاعدة والحكومة والميليشيات والسلفيين واللجان الشعبية وقوات التحالف العربية.

على الجانب الحوثي، تذكر هيومن رايتس ووتش أن الجماعة نفذت 49 هجمة على وسائل إعلامية، واعتدت على الصحفيين واعتقلت بعضهم وحطمت معداتهم، بسبب انتقادهم لها.

نتيجةً لما سبق، كيف يكون النقل الإعلامي للأحداث مع شعور الصحفيين بالخطر على حياتهم وحرياتهم؟ لن يُنتج هذا سوى تغطية مشوهة وحذرة، ومشوبة بمحاولات كثيرة لتلطيف واقع سيئ.

اقرأ أيضًا: كيف تُغسل الأدمغة؟

لم يكن التعتيم حكرًا على المنطقة العربية، فقد وضع الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، في تقريره السنوي حول تعزيز حقوق الطفل وحمايتها، ما أسماه «قائمة العار»، التي تشمل أطراف النزاع المتورطة في إحداث تشوهات وقتل وتجنيد وتعذيب وخطف للأطفال وتدمير منازلهم ومدارسهم، وكل أشكال العنف ضدهم، بما في ذلك منع وصول المساعدات الإنسانية إليهم.

تضم «قائمة العار» الحوثيين وتنظيم القاعدة وقوات الأمن الحكومية والميليشيات الموالية لها والسلفيين واللجان الشعبية، بالإضافة إلى قوات التحالف العربية، لكن الأخيرة بقيادة السعودية هددت الأمم المتحدة بسحب مئات الملايين من الدولارات التي تدفعها لها كمساعدات إن لم تحذف اسمها من القائمة،  وهو ما حدث بالفعل، رغم الأدلة الدامغة التي يذكرها التقرير حول تورط التحالف في انتهاك حقوق الأطفال.

لكن هل تمحو الإزالة من «قائمة العار» ما حصل؟

مستقبل اليمن

لماذا يدور النزاع بين السعودية وإيران في اليمن؟

في حاضر تلوثه الدماء وينهش فيه الجوع أجساد اليمنيين، يلوح مستقبل البلاد مليئًا بالأوجاع والآلام.

تحول اليمن إلى ساحة حرب دولية بين السعودية وإيران، العاملان الرئيسيان في الصراع اليمني. تنظر السعودية إلى اليمن كعمق استراتيجي، ساحة خلفية تحفظ ظهرها وتوفر لها العمالة، وترى أن ضعف اليمن أو قوته لها تأثير عليها كمملكة، فالتقارب الجغرافي والامتداد التاريخي له أثر كبير.

وتنظر إيران ذات النزعة الاستعمارية إلى الموقع الجغرافي المهم لليمن، المطل على بحر العرب والبحر الأحمر والمتحكم في مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي سيكفل لها السيطرة على الملاحة الدولية، بالإضافة إلى أن وجودها في المنطقة الجنوبية للمملكة يوفر لها قاعدة مهمة لأي حرب قادمة.

النزاع بين الدولتين، قطبي المذهبين الإسلاميين السُّني والشيعي، أعطى بُعدًا دينيًّا للصراع في اليمن، صار يُستخدم في شحن الجماهير، واستغلته إيران في دعمها للحوثيين، عوضًا عن البُعد السياسي المتمثل في توسيع النفوذ والسيطرة وحماية أنظمة الحكم وإثبات القوة، وسط تنافس الطرفين على من تكون له اليد الطولى في المنطقة، ليكون الثقل الأكبر لرعاية المصالح الدولية للدول العظمى مثل روسيا وأمريكا.

قد يهمك أيضًا: رغم التناقض الظاهر: 9 تشابهات بين السعودية وإيران

أما الصراع الآخر بين الفصائل اليمنية، التي تُحول الداخل اليمني إلى حرب أهلية بالاستعانة بالتحالفات الدولية، فإنما يزيد الطين بلة. ففي حاضر تلوثه الدماء وينهش فيه الجوع أجساد اليمنيين، يلوح مستقبل البلاد مليئًا بالأوجاع والآلام، ولا تبدو الصورة المستقبلية واضحة بعد إعلان أمير الكويت في 2016 فشل مشاورات السلام بين الأطراف المتنازعة.

بينما لا تزال الضحايا تتساقط إثر التقاتل، يُطِلُّ مستقبل اليمن مخيفًا للغاية، فالبنية التحتية دُمِّرت بسبب القصف الجوي، والاقتصاد في حالة سيئة، ولا سبيل لتعديل أيٍّ من ذلك دون إنهاء الحرب. يبدو الوضع في اليمن بالضبط كما قال الشاعر عبد الله البردوني: «فظيعٌ جهلُ ما يجري، وأفظعُ منه أن تدري».