وسع الكون

من يملك القمر؟

الصورة: NASA

صورة العلم الأمريكي على سطح القمر، والتي التُقِطَت يوم 20 يوليو 1969، واحدة من أهم الصور التاريخية التي تحتفي بها الأمة الأمريكية، ربما البشرية كلها كذلك.

رائد الفضاء الأمريكي «باز ألدرين» أول من ثبَّت علمًا على سطح القمر. هذا الفعل كان إنسانيًّا بشدة، أن يضع الإنسان ما يمثله أو يمثل أمته على قطعة أرض. كان هذا بمثابة جرس إنذار. إذ كان السائد على الأرض، في أي ثقافة شعبية، أن وضع علم دولة ما على مساحة ما يعني تَملُّك تلك الدولة لتلك المساحة: إثبات الوجود والملكية.

هل تعني هذه الصورة أن القمر، منذ ذلك الحين، أصبح مستعمرة أمريكية؟

الإجابة: لا، تقريبًا.

قبل صعود الإنسان على القمر بعامين، تحديدًا عام 1967. كانت معاهدة الفضاء الخارجي أُبرِمت بالفعل، والمعروفة رسميًّا باسم «معاهدة المبادئ المنظِّمة لأنشطة الدول في ميدان استكشاف الفضاء الخارجي واستخدامه»، والتي تشكل حجر الأساس للقانون الدولي للفضاء. وقَّعت أمريكا والاتحاد السوفيتي وبريطانيا على تلك المعاهدة.

رأت هذه القوى العظمى حينها أن النهج الاستعماري تسبب في كثير من الهلاك والدمار على الأرض. لذلك فضلت الدولتان، من خلال التوقيع على المعاهدة، عدم إعادة الكرَّة على القمر لتجنب اندلاع حرب عالمية ثالثة. بناءً على المعاهدة، فإن القمر يبقى ملكًا للبشرية كلها. إذ لا تحق ملكيته أو ملكية جزء منه لدولة بعينها.

كان واضحًا عدم رغبة أيٍّ من القوتين العظميين في استفزاز الآخر في ما يتعلق بهذه المسألة، حتى في ظل منافسة شرسة على تحقيق إنجازات تتعلق بالسفر واستكشاف القمر.

حتى عندما حققت أمريكا انتصارًا نوعيًّا في هذا السباق، بإرسال أول إنسان إلى القمر. فقد جاءت رحلة نيل أرمسترونغ وباز ألدرين (أبوللو 11) عام 1969، على حد تعبير «ناسا»، «بغية إرساء السلام على جميع البشر». وعبَّر أرمسترونغ عن أن المشي على القمر «خطوة صغيرة للإنسان، لكنها قفزة هائلة للبشرية». وليست قفزة هائلة للولايات المتحدة فحسب.

إضافة إلى ذلك، سمحت أمريكا للعلماء من بقية دول العالم، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي، أن يجروا أبحاثًا على الصخور التي جلبوها من القمر، ما أكد رغبتها الجادة في مشاركة العالم بشكل حقيقي، أو التظاهر بالمشاركة الحقيقية، لبلوغ التطلعات العلمية المنشودة في هذا المجال.

لكن، هل يعني هذا أن الأمر انتهى، وأنه لا داعي للجدال حول ملكية القمر وطرق استغلاله؟ مرة أخرى: ليس الأمر بهذه البساطة.

اقرأ أيضًا: بعد اكتشاف «ترابيست-1»، هل اقتربنا من الحياة خارج الأرض؟

ماذا عن الاستغلال التجاري؟

الصورة: Carlos Jimenez

قد يبدو أن المعاهدة حسمت أمر ملكية القمر وسبل اتخاذه مستعمرة بشكل كلي، غير أنها أخفقت في التعامل مع مسألة الاستغلال التجاري لموارده الطبيعية. وهي المسألة التي أصبحت اليوم أمرًا مثيرًا للجدل من جديد في المجتمع الدولي، وبخاصة مع دخول لاعبين آخرين في عالم استكشاف القمر، مثل الصين والهند، بل حتى الشركات الخاصة متعددة الجنسيات، ويمتد الأمر إلى عدم وضوح قواعد التملك بالنسبة إلى الأفراد.

يسعى عدد من الشركات في مختلف أنحاء العالم إلى الاستثمار واسع النطاق في التعدين على القمر. من أمثلة تلك الشركات: «Planetary Resources» و«Deep Space Industries»، وهما شركتان أمريكيتان بدأتا في استهداف القمر كمساحة للتعدين أو منجم عملاق إن جاز التعبير.

يتطلب التعدين على سطح القمر إقامة مستوطنات كبرى عليه، الأمر الذي خططت له بعض وكالات الفضاء الكبرى، مثل «Roscosmos» الروسية، وكذلك «وكالة الفضاء القومية الصينية» (CNSA). إذ إنه كي تحظى رحلة التعدين على سطح القمر بنجاح اقتصادي وتجاري، فعليها أن توفر مواردها من سطح القمر ذاته، وليس من خلال نقل تلك الموارد من الأرض.

وفقًا لما جاء عقب دراسة الصخور التي جلبتها أمريكا من رحلة أبوللو، فإن سطح القمر يحوي في طياته معادن كثيرة.

لذلك، فإن كثيرًا من الأبحاث تُجرى الآن في مختلف بلدان العالم، الساعية للحاق بركب غزو الفضاء، لاكتشاف الموارد التي قد يستطيع سطح القمر توفيرها لرواد الفضاء.

من تلك الموارد التي يحتاجها رواد الفضاء، يأتي الماء والأكسجين في الصدارة. لم يخيب القمر رجاءنا، إذ إن اكتشافًا أخيرًا لوكالة «ناسا» أثبت احتواء القمر على كميات وفيرة من الماء في تربته، تحديدًا في قطبيه الشمالي والجنوبي.

من شأن هذا الماء الموجود على القمر أن يلعب دورًا محوريًّا في صناعة وقود الصواريخ، ناهيك باستخدامه للشرب.

الأكثر من ذلك، وفقًا لما جاء عقب دراسة الصخور التي جلبتها أمريكا من رحلة أبوللو، فإن سطح القمر يحوي في طياته معادن كثيرة.

احتوت الصخور القمرية على أكسيد الألومنيوم وأكسيد الكالسيوم وأكسيد الحديد وأكسيد المغنسيوم وثاني أكسيد التيتانيوم وأكسيد الصوديوم، ما يؤكد وجود الأكسجين بكثرة في تلك الصخور، في شكل معادن متأكسدة، ليجري البحث عن طرق جديدة لاستخراج ذلك الأكسجين بهدف تزويد رواد الفضاء به.

بمعزل عن الموارد التي يحتاجها رواد الفضاء لإقامة المستوطنات، فإن سطح القمر يحتوي على كثير من المعادن الأرضية النادرة، كالسكانديوم والإتريوم واللانثانيدات. في السنوات الماضية، زادت أهمية تلك المعادن بشكل ملحوظ. إذ أصبحت تدخل في صناعة التقنيات الحديثة وتصنيع السيارات الكهربائية والإلكترونيات الضوئية، كالليزر وغيره.

ما زاد من أن يكون القمر هدفًا استراتيجيًّا، أن الصين تستحوذ على ما يتجاوز 90% من تلك المعادن الأرضية النادرة التي بات الاعتماد عليها أمرًا شبه محتوم. لذلك، فإن الخلافات الدبلوماسية بين بعض الدول والصين تجعل الرحلة إلى القمر أسهل وأوفر من التفاوض مع بكين، لا سيما أن من يمتلك المواد الخام للتقنية الحديثة، يمتلك الغلبة الاقتصادية لقرون آتية.

«هيليوم-3»

الصورة: Scott Andrews

لا يقتصر القمر باعتباره مَنجمًا على ذلك. فالأعلى قيمة بين كل تلك الدرر المدفونة هناك هو غاز «الهيليوم-3».

ويعود مصدر هذا الغاز إلى تفاعلات الاندماج النووي التي تجري باستمرار على سطح الشمس، إلا أن الرياح الشمسية تحمل ذرات هذا الغاز لتبعثرها خارج النظام الشمسي، وقليل منها يصطدم بالقمر ليبقى على سطحه.

يتنبأ العلماء بأن هذا الغاز سيكون مثاليًّا إذا ما استُخدِم وقودًا للمفاعلات الاندماجية، التي تعمل على توليد الطاقة. إضافة إلى ذلك، فإن العلماء لا يعرفون لهذا الغاز مصدرًا على الأرض، فبلوغ القمر هو السبيل الوحيد للوصول إليه.

ليس واضحًا ما إذا كان الترتيب لغزو القمر وانتزاع ثرواته الطبيعية، أمرًا يتفق مع معاهدة الفضاء الخارجي أم لا. لكن على ما يبدو، فإن الذهاب إلى هناك لاقتطاف تلك الثمار أصبح قدرًا لا مفر منه تقريبًا.

قد ثبُت أن القمر غني ببعض الموارد التي يندر وجودها على الأرض. لكن في حين توحدت الرؤية حول شيوع ملكية القمر بين جميع دول الكوكب، فإن رؤى مختلف الدول لطرق الاستفادة من موارده تباينت بشدة.

عندما نحاول البحث عن طرق للتعامل مع القمر، نستعيد مراحل مرت بها البشرية لتنظيم الطريقة التي على أساسها تحدد من يمتلك شيئًا ما.

وجدت بعض الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، أن من مصلحتها التعامل مع القمر وجميع الأجسام الفضائية الأخرى، باعتبارها «مِلكًا للبشر»، ما يعني أن لكل دولة في العالم الحق في السماح لشركاتها الخاصة والحكومية بالصعود إلى القمر للتعدين، ما دام العائد المادي مجزيًا. الأمر الذي يذكرنا بقوانين المياه الدولية التي تتيح الصيد، لا لدولة واحدة بعينها، بل لكل الدول التي تستطيع أن تذهب إلى تلك المساحات للصيد.

اقرأ أيضًا: ليس مجرد خيال علمي: هل يبدأ ترامب عصر حروب الفضاء؟

أما دول مثل روسيا وبلجيكا والبرازيل، فيتمسكون بتأويل القانون ذاته بشكل مختلف، وهو الشكل الذي يرى أن ما يثمر عنه الاستغلال التجاري لسطح القمر، يجب أن يعود بالنفع على كل دول العالم، استنادًا إلى حقيقة أن القمر ملكية عامة لكل تلك الدول. الأمر الذي يذكرنا بالقوانين التي وُضِعت لاستخراج الموارد المعدنية من قاع البحر. إذ كان الهدف من تلك القوانين أن يكون هناك توزيع عادل لثروات البحر على مختلف البلاد.

ربما يكون حل عدد من مشكلات كوكبنا يقبع هناك، خصوصًا تلك التي تتعلق بندرة بعض العناصر. ربما نجد حلولًا في ذلك الظلام الدامس الذي تسبح فيه الأجرام السماوية. لكن، هل يتسبب السباق إلى القمر في تكرار التطلعات الإمبريالية التي سادت بشدة في القرون الماضية؟ هل علينا أن نعاني من الحروب المروِّعة قبل أن ننظم عملية استغلال موارد القمر؟

حديثنا عن القمر حديث عن أنفسنا. فعندما نحاول البحث عن طرق للتعامل مع القمر، نستعيد مراحل طويلة مرت بها البشرية لتنظيم قواعد الملكية، والطريقة التي على أساسها تحدد من يمتلك شيئًا ما، ومن ليس له الحق في المطالبة بالملكية.

رحلة طويلة قطعتها البشرية من امتلاك الأرض وتقسيمها، إلى امتلاك القمر. لكن الأكيد أننا سنخوض صراعات جديدة بمجرد استطاعتنا أن نصل إلى القمر.

, , , , , , , , ,