بيزنس إز بيزنس

التضخم في فنزويلا: نموذج في الفشل الاقتصادي

الصورة: Getty/NurPhoto

هناك إعلان شهير لأحد البنوك التايلاندية يصور طفلًا يحلم بأن يكون رائد فضاء. الخطوة الأولى بالنسبة إليه، أن يدخر من مصروفه المدرسي ليشتري تلسكوب يساوي ألفين و500 بات تايلاندي. الإعلان يصور رحلة الطفل في الادخار، وكيف منع نفسه عن كل ما يمكن أن يستمتع به الأطفال الآخرون من حلوى وألعاب، وبعد أن وصل إلى المبلغ المقصود: ألفان وخمسمئة بات، ذهب إلى المحل ليجد أن السعر ارتفع إلى ثلاثة آلاف و500.

ترتسم ملامح الخيبة على وجه الطفل، بينما بعلو الصوت في الإعلان بحقيقة اقتصادية: «قيمة المال تقل بمرور الوقت». يدعو البنك الناس للادخار في البنوك التي تعطي أسعار فائدة يمكنها أن تقلل من حدة التضخم. لكن ماذا إذا كان التضخم كبيرًا جدًّا؟

إعلان لأحد البنوك التايلاندية

تبدو صورة العربة التي تحمل كميات كبيرة من النقود، يذهب بها الناس إلى السوق فقط من أجل الحصول على كيلو من الخضروات أو اللحم، معبرة عن ما يمكن أن يفعله التضخم الانفجاري بالناس والدول على السواء.

ليست ظاهرة التضخم الانفجاري جديدة على التاريخ الحديث، فمنذ بداية رصد الظاهرة عانت دول كثيرة منها، ولأسباب مختلفة، سواء أزمات اجتماعية أو ثورات عطلت الإنتاج الاقتصادي أو بسبب حروب أو سوء الإدارة الاقتصادية، دول مثل ألمانيا ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، والمجر 1944، وفرنسا ما بعد الثورة الفرنسية، كانت أمثلة تاريخية واضحة.

لكن مع بداية عصر العولمة، اعتقد الاقتصاديون أنه يمكنهم التنبؤ بتلك الظاهرة، والعمل على الحيلولة دون وقوعها. رغم ذلك، وفي القرن الحادي والعشرين، سجلت دولتان هما فنزويلا وزمبابوي، أعلى معدلات التضخم الانفجاري، وكان ذلك بالطبع نتيجة مباشرة لسوء الإدارة الاقتصادية، وليس بسبب حرب أو أزمة اجتماعية أو سياسية حادة.

أنتج التضخم في الحالتين الأخيرتين أزمة اجتماعية عميقة، وبخاصة في فنزويلا التي تتخذ الاحتجاجات المستمرة فيها منذ 2015، صورة حرب شوارع بين الحكومة والمعارضين.

سنركز على فنزويلا بوصفها النموذج الأبرز لفشل الإدارة الاقتصادية، ممتزجة مع نموذج الشعبوية السياسية التي أنتجت منظومة اقتصادية وسياسية هشة معرضة للسقوط في أي لحظة. لكن قبل هذا دعونا ننظر قليلًا في تاريخ التضخم نفسه.

كيف بدأ التضخم؟

انهارت الإمبراطورية الإسبانية، أولى الإمبراليات العالمية الحديثة، بسبب التضخم. حينها لم يعرف أحد السبب. معظم المؤرخين كانوا يظنون أن السبب هو الثورات في المستعمرات الإسبانية في أمريكا اللاتينية، أو تفوق القوة العسكرية الإنجليز والفرنسيين على الأسبان الذين فضلوا الإنفاق على العمارة بدلًا من الإنفاق على التكنولوجيا العسكرية.

كانت الإمبراطورية الإسبانية تنعم بخيرات العالم الجديد، ومستعمراتها في أمريكا اللاتينية على وجه التحديد، بينما كان الملوك الإسبان ينفقون بسخاء على العمارة القوطية في مدريد وبرشلونة، منتشين بالفضة التي يستخرجونها من جبال الإنديز والمكسيك، لكن لم يلحظ هؤلاء أن وحشًا كبيرًا ربض في حديقتهم الخلفية. هذا الوحش هو التضخم.

الإسبان كانوا يجبرون العبيد والسكان الأصليين على استخراج الفضة والذهب وغيرهما من المعادن، من تلك الجبال وشحنها إلى إسبانيا، التي كانت بدورها تتاجر بتلك المعادن مع أوروبا. كانت الفضة في ذلك الوقت السلعة الأكثر قيمة لأنها تدخل في صناعات كثيرة، بداية من أواني الطهي والملاعق للنبلاء الأوروبيين، وصولًا إلى أسلحة الحرب.

استخرج الإسبان نحو 150 ألف طن من الفضة، في الفترة ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، ما يمثل نحو 80% من الفضة المستخرَجة من العالم كله في ذلك الوقت.

لم يفهم الملوك الإسبان الاقتصاد، بينما فهمه جيرانهم الإنجليز والفرنسيون الذين استفادوا بشكل أفضل من ثروات مستعمراتهم في الأمريكتين.

أصبح الإسبان ملوك الفضة، وبدا كل شيء على ما يرام. فالعمارة تزدهر، والملوك والنبلاء أصبح لديهم كثير من العبيد. لكن أحدًا لم يعلم أن أسوأ الأوقات قد يحين لاحقًا.

مع الوقت، انخفض سعر الفضة التي يستخرجها الإسبان، ما جعلهم يضربون السكان الأصليين بالسوط ليستخرجوا مزيدًا منها حتي يمكنهم التجارة بحرية أكبر مع أوروبا، ودفع تكاليف الحروب التي تخوضها الإمبراطورية. مع زيادة إنتاج الفضة، انخفض سعرها بوتيرة أسرع.

لم تعد تلك السلعة التي تعطي البيزو الإسباني قوته كعملة في التجارة العالمية في ذلك الوقت، واضطرت الحكومة الإسبانية إلى الاقتراض من التجار، وتعثرت في السداد أكثر من مرة خلال القرن الثامن عشر، حتى انهارت في النهاية بفعل ثورة التحرر التي قادها بوليفار في أمريكا اللاتينية، وعدم قدرتها على الوقوف في وجه الفرنسيين والإنجليز. لم يفهم الملوك الإسبان الاقتصاد، بينما فهمه جيرانهم الإنجليز والفرنسيون الذين استفادوا بشكل أفضل من ثروات مستعمراتهم في الأمريكتين.

لاحقًا أطلق المؤرخون الاقتصاديون على انهيار الإمبراطورية الإسبانية «ثورة التضخم». بعد مرور نحو 300 عام، تعيش فنزويلا، المستعمرة الإسبانية السابقة، تحت نفس خطر الانهيار بسبب التضخم.

لماذا يحدث التضخم؟ هل حقًّا علينا أن نقلق؟

الصورة: Efecto Eco

يعبِّر التضخم عن وتيرة ارتفاع الأسعار في فترة زمنية ما. وهناك مؤشرات كثيرة من أجل قياسه، أكثرها استعمالًا «مؤشر أسعار المستهلكين».

هناك شيء بدهي مشترك بين جميع الناس حول فهم الاقتصاد كعلم، وهو أن الأسعار ترتفع دائمًا. يشكل هذا الفهم البدهي والمشترك للاقتصاد، أحد الأسئلة المؤسسة في الاقتصاد نفسه كعلم: لماذا تزيد الأسعار؟ وهل حقًّا هناك وسيلة من أجل أن ينجو البشر من وحش التضخم؟

يشكل التضخم أحد أهم المؤشرات الاقتصادية التي تؤثر في المجتمع. فمنذ نشأة علم الاقتصاد السياسي، كان التضخم أحد المؤشرات الرئيسية لقياس الأداء الاقتصادي بشكل عام. يظهر التضخم فجأة وحشًا لا يمكن ترويضه، يؤثر في جميع الفئات والشرائح الاجتماعية. لا أحد يريد أن تتآكل قيمة مدخراته، سواء كانت تلك المدخرات قليلة أم كثيرة. في النهاية، لا أحد يحب زيادة الأسعار.

يعبِّر التضخم (Inflation) عن الوتيرة العامة التي ترتفع بها الأسعار في فترة زمنية ما. وهناك مؤشرات كثيرة من أجل قياسه، أكثرها استعمالًا وأشهرها هو «مؤشر أسعار المستهلكين» (CPI)، الذي يقيس ارتفاع الأسعار في فترة زمنية محددة، عبر قياس متوسط زيادة أسعار الاستهلاك لسلعة محددة بمجموعة من السلع الأساسية، تختلف من دولة إلى أخرى، لكنها تغطي النوعيات المختلفة للاستهلاك، مثل الطعام والمسكن والمواصلات أو غيرها.

يمكن أن يُحسب التضخم على أساس سنوي، وهي الفترة الأكثر شيوعًا واستخدامًا في الصحافة، أو عبر مؤشر شهري، إذ تحاول الحكومات تعقُّب سلتها الغذائية الرئيسية كل شهر حتى تتنبه إلى التضخم. في بريطانيا مثلًا، هناك خط أحمر كبير حين يزيد معدل التضخم الشهري عن 2.3% في السلع الرئيسية، وتحاول الدول الحفاظ على معدل التضخم أقل من 1% إلى 1.5 % على أساس سنوي، وهو المعدل المقبول بشكل كبير. أما إذا ارتفع التضخم عن هذا الرقم، وبخاصة في الاقتصادات الكبرى، فهناك مشكلة لا بد من الانتباه إليها.

إذًا، لماذا يحدث التضخم؟

يمكن أن نلخص أسباب التضخم في ثلاثة رئيسية:

الأول: ارتفاع تكاليف إنتاج السلع، أو ما يطلق عليه الاقتصاديون: «التضخم المدفوع بالتكاليف» (Cost-push inflation). مع الوقت، يمكن لأسعار المواد الخام وأجور العمال والبترول والأرض أو الآلات أن ترتفع. لذلك على المنتِج أن يمرر هذا الارتفاع إلى المستهلك عن طريق زيادة سعر السلعة النهائية.

هذا النوع من التضخم جيد إلى حد ما، ولا يسبب إزعاجًا كبيرًا للدول والحكومات، لأنه ببساطة طبيعي وضمن هيكل الاقتصاد نفسه. بمعنى أنه إذا زادت تكاليف الإنتاج بسبب مطالبات العمال بأجور أعلى، فهذا يعني أن سعر السلعة يزيد، لكن زيادة أجور العمال تمتص تلك الزيادة. فالعمال أنفسهم أحد أكبر فئات المستهلكين في الاقتصاد المستقر، ولا شيء يدعو للقلق ما دامت الشريحة الاستهلاكية الأكبر، قادرة علي امتصاص التضخم المدفوع بالتكاليف.

لكن، إذا كانت مثلًا زيادة التكاليف مدفوعة بالفساد الإداري، الذي يضع الصعوبات أمام استخراج تصاريح إنشاء مصنع أو بيع السلعة بشكل طبيعي في السوق، وغير ذلك من التكاليف الخفية، فإن هذا جرس إنذار حول قدرة الاقتصاد على توليد القيمة المضافة، والمحافظة على كمية كبيرة من السلع المتوفرة والرخيصة للشرائح الاستهلاكية الأكبر.

أو إذا كانت التكاليف الزائدة ناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة مثلًا، فإن هذا يعني أنه على المستهلكين في البلدان غير المنتجة للبترول، أن يدفعوا تكلفة رفاهة المواطنين في البلدان المنتجة. هذا كله إذا رأينا أن السوق تعدل نفسها بشكل طبيعي، دون تدخل من أحد، وهو ما لا يحدث في الواقع. عادةً يكون التضخم المدفوع بالتكاليف، إما نتيجة سوء البنية الاقتصادية، وإما زيادة أسعار الطاقة.

السبب الثاني للتضخم هو زيادة الطلب، حين يزيد استهلاك سلعة معينة، بينما يظل المعروض من تلك السلعة قليلًا. يحدث هذا بالأساس في الدول التي تعاني من معدلات مرتفعة للنمو السكاني ومعدلات أقل للنمو الاقتصادي، فلا تقدر على تلبية حاجات المواطنين. أيضًا يمكن أن يحدث التضخم المدفوع بالطلب، في الدول التي تنجح في تحقيق معدلات نمو اقتصادية غير مكبوحة بالضرائب.

بمعنى أن المواطنين يصبح لديهم أموال كثيرة، فيمكن زيادة مشترياتهم من السلع والخدمات، إذا وقفت الحكومة عاجزة عن التصرف وتطبيق ضرائب جديدة أو رفع أسعار الفائدة في البنوك، حتى يضطر هؤلاء إلى الإدخار، فإن هذا يعني أن التضخم سيستمر.

السبب الثالث ضخ النقود في الاقتصاد وعدم وجود سلع كافية لتشتريها هذه النقود. وذلك حين يقرر البنك المركزي طباعة مزيد من النقود، لتحفيز الاستهلاك في الاقتصاد، وتنشيط الطلب الكلي، فإن هذا يعني أنه عند حد معين، تصبح زيادة الطلب الكلي عبئًا على الاقتصاد الذي لا ينتج كثيرًا من السلع، فترتفع أسعارها.

يمكن أيضًا أن تضخ الحكومة النقود عن طريق زيادة الاقتراض من أجل الإنفاق على البرامج الاجتماعية، كالتعليم والصحة والإسكان وغيرها، ما يجعل أموالًا كثيرة تدور في الاقتصاد، دون أي إنتاج حقيقي يلبي الطلب على السلعة، ومن ثَم يزيد سعرها.

كل هذا عن التضخم في حالته الطبيعية. لكن «التضخم الانفجاري» (Hyper Inflation) يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة جنونية، قد تصل في حالات كثيرة إلى أن تشتري السلعة في أول اليوم بسعر، وفي آخره بثمن مضاعف. تتراكم تلك الأسباب الثلاثة أو بعضها في البنية الاقتصادية لتشكل لحظة انفجار التضخم.  

عادة ما ترتبط لحظة الانفجار تلك بأزمة سياسية أو اجتماعية حادة، أو في حالات أخرى، مثل حرب كبيرة أو أزمة اقتصادية ناتجة عن الاقتراض المفرط، إلخ. دائمًا ما يرتبط التضخم الانفجاري بحدث استثنائي في البلد الذي يتعرض له، يجعل هذا الحدث البِنَى الاقتصادية التي من المفترَض ثباتها وعدم تأثرها، هشة وأكثر تعرضًا للانفلات.

ماذا حدث في فنزويلا

الصورة: Valter Campanato

خلال السنوات الخمسة الماضية عاشت فنزويلا أزمة اقتصادية حادة. كان التفسير الأساسي والمشترك بين كل من حاولوا النظر إلى الأزمة هناك، أن السبب هو انخفاض أسعار البترول. تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي بترول معروف في العالم، وهي من أكبر المنتجين للبترول.

في الماضي، وبخاصة في السبعينيات حتى نهاية الثمانينيات، كان البلد تجربة واعدة في النمو الاقتصادي والديمقراطية التي أتاحت لها أن تدير الفائض الاقتصادي الناتج عن بيع هذا البترول، وخصوصًا بعد أزمة السبعينيات النفطية. كان كل شيء على ما يرام، ففي ممالك الخليج هناك فائض ناتج عن بيع البترول، والمشكلة فقط هي كيف يجري توزيع أرباح هذه العملية.

كانت فنزويلا حتى مطلع الألفية الجديدة بلدًا غنيًّا شعبه فقير، حيث ما يقرب من 68% من السكان تحت خط الفقر، ما أتاح لتشافيز الشعبوي اليساري أن يصعد إلى السلطة.

في السنوات اللاحقة، استغل تشافيز عائدات البترول المرتفعة، وبخاصة بعد حرب العراق 2003، والتي رفعت أسعار البترول بشكل كبير في تمويل برامج اجتماعية كبيرة في التعليم والإسكان والصحة. كان كل شيء مُدعَمًا، لذلك أحب الفقراء الرجل.

كان لتشافيز شعبية كبيرة لدرجة أنه أحبط انقلابًا عليه تدعمه واشنطن، عن طريق دعوة الجماهير للنزول إلى الشوارع. ذلك الإنفاق الحكومي رفع نحو نصف سكان فنزويلا من تحت خط الفقر. حتى وفاة تشافيز في 2013، كان هناك نحو 30% من سكان البلد تحت خط الفقر.

استطاع تشافيز أن يحقق هذا في 14 سنة كانت مدة حكمه. كل شيء كان جيدًا، لكن كان للاقتصاد رأي آخر.

كان تشافيز، ككل الشعبويين، يدرك أن الفقراء في النهاية هم من يحافظون عليه في السلطة. وككل بلدان أمريكا اللاتينية تقريبًا حافظ الرجل على مجموعة من العسكريين ليوفروا له حماية إضافية. أنفق أموالًا كثيرة، لكنه لم يفكر في تحرير الاقتصاد الفنزويلي من عبوديته للبترول. لم يهتم كثيرًا بالاقتصاد، كان الإنفاق المموَّل من عائدات النفط أو من الاقتراض همه الأول والأخير، حتى وفاته في 2013.

بعد وفاة تشافيز صعد رفيق كفاحه الاشتراكي الآخر «نيكولاس مادورو» إلى الواجهة. ولسوء حظ مادورو وفنزويلا، بدأت أسعار البترول في الهبوط من 2014 حتى وصلت إلى نحو 50 دولارًا للبرميل، بعد أن كانت تقارب مئة دولار. بسبب هذا الهبوط خسر الاقتصاد الفنزويلي نحو 35% من ناتجه المحلي في السنوات الخمسة الماضية فقط، مع توقعات لصندوق النقد الدولي أن ترتفع هذه النسبة ليفقد الاقتصاد الفنزويلي نحو النصف تقريبًا من قيمته بحلول 2020.

لجأت الحكومة الفنزويلية في أغسطس 2018، إلى إجراءات اقتصادية لتفادي الانهيار الكبير للعملة كان أهمها حذف خمسة أصفار من العملة الوطنية.

ارتفع معدل التضخم على أساس سنوي في 2017 لنحو 13.864% على أساس سنوي، أصبحت العملة الفنزويلية التي تحمل اسم بوليفار (محرر أمريكا اللاتينية) في مأزق كبير، فقد سجلت في أغسطس 2017، دولارًا واحدًا مقابل 12 ألف بوليفار في الوقت الحالي، بينما سعر الصرف الرسمي للدولار، والذي أقرته الحكومة، 10 بوليفارات للدولار الواحد في 2017.

أتاحت الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف الرسمي والسوق السوداء للعملة، للنخبة الحاكمة، وخصوصًا العسكريين المقربين من النظام الحالي، أن يجنوا أرباحًا هائلة عن طريق استفادتهم بسعر الصرف الرسمي: 10 بوليفارات، ثم التجارة في العملة بالسوق السوداء، أو حتى استيراد السلع والاستفادة من الدولار الرسمي الحكومي، وبيع تلك السلع في السوق السوداء.

كان لتلك المأساة تأثير عميق في فقراء فنزويلا الذين أصبحوا الآن أكثر فقرًا مما كانوا عليه، قبل مجيء تشافيز وثورته البوليفارية للحكم. فقد تجاوزت نسبة الفنزويليين تحت خط الفقر حاجز 80% من السكان، ما جعل نحو 4 أو 5 ملايين من السكان يهربون من البلد في السنوات الستة الأخيرة.

لجأت الحكومة الفنزويلية في أغسطس 2018، إلى إجراءات اقتصادية، كان أهمها حذف خمسة أصفار من العملة الوطنية (البوليفار) لتفادي الانهيار الكبير للعملة. لكن هذه الإجراءات النقدية لا تخفف كثيرًا من وطأة الوضع الاقتصادي المأساوي للمواطنين هناك، إلا في جزئية أنهم سيحملون أوراقًا نقدية قليلة، ولن يضطروا إلى أن وزن النقود بدلًا من عدِّها.

عمدت الحكومة أيضًا إلى ربط العملة الجديدة بأخرى افتراضية جديدة، مثل «البتكوين»، أطلقت عليها اسم «البترو»، وهذه العملة مدعومة باحتياطات البترول الكبيرة في البلد الغني نفطيًّا. لكن هذا لم يحل الأزمة بسبب ضعف الطلب على العملة الجديدة بسبب خوف المستثمرين من الانهيار الاقتصادي الوشيك هناك.

أيضًا شكلت العملة الجديدة نحو 4% فقط من قيمة العملة القديمة قبل الأزمة الاقتصادية. شكلت سوء الإدارة الاقتصادية والفساد المرتفع في جهاز الدولة وسيطرة العسكريين على السلطة، حجر الأساس في الأزمة الفنزويلة. إضافة إلى أن الخطابات الشعبوية الكثيفة التي أتاحت لتشافيز، ومن بعده «مادورو»، أن يعلق كل فشل اقتصادي على شمَّاعة المؤامرة الغربية، جعلت الشعب يعتقد أنه لا فكاك من هذه الأزمة إلا بسيناريوهات عنيفة أقرب إلى حرب الشوارع.

كيف ينجو الناس من التضخم الانفجاري

الصورة: Jamez42

تبدو أفق المناورة قليلة جدًّا في ما يتعلق بهذا النوع من التضخم. فغالبية المواطنين الفنزويليين الذين يعملون بأجر، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، تتأخر رواتبهم الشهرية، ما يعني أن كل يوم تتأخر فيه الرواتب، في مثل هذه الظروف الاقتصادية، يعني مزيدًا من تكلفة شراء السلع.

ما يقرب من 60% من السكان في فنزويلا يجدون صعوبة في الحصول على وجبة واحدة يوميًّا.

في الغالب لا تتوفر السلع في المتاجر بشكل يومي، ما جعل مَشاهد الاقتتال من أجل الحصول على الطعام مألوفة جدًّا في فنزويلا. أيضًا يحصل معظم الناس على احتياجاتهم السلعية عبر السوق السوداء، وتُمثل عمليات المقايضة بين السلع أمرًا شديد الأهمية في أوقات الأزمة، إذ يمكن أن يبيع المواطن جهاز تلفزيون حديثًا مقابل أن يحصل على بعض السلع الغذائية.

اقرأ أيضًا: حلول اجتماعية مبتكرة للأزمات الاقتصادية

حينما يتعلق الأمر بالسلع التي تُستورَد بشكل كامل من الخارج، أو السلع التي تدخل فيها أجزاء مستوردة، فإن الحصول عليها يبدو مستحيلًا، إذ إن أسعارها مرتفعة بسبب انخفاض قيمة البوليفار مقابل الدولار. وبالنسبة إلى السلع الغذائية الأساسية، فإن معظم الفنزويلين دخلوا في حمية إجبارية (يسمونها حمية مادورو) بسبب صعوبة الحصول على ثلاث وجبات كل يوم.

تقدر إحصاءات أجرتها مراكز أبحاث داخل فنزويلا، أن ما يقرب من 60% من السكان يجدون صعوبة في الحصول على وجبة واحدة يوميًّا. من غير المعروف إلى متى يستمر هذا  الوحش في التهام فنزويلا، وبخاصة في ظل العقوبات الاقتصادية الشديدة عليها من الولايات المتحدة. لكن ما يمكننا أن نجزم به أن الوضع يسوء كل يوم عن سابقه في ظل حرص إدارة مادورو على التمسك بالسلطة بشرعية الثورة البوليفارية التي قادها تشافيز من أجل الفقراء.

إذًا، فالحل الوحيد مع هذا النوع من التضخم يكون الهروب، وهو ما يفكر به معظم الفنزويليين الآن. وإذا لم يحدث جديد في هذا الوضع الاقتصادي المأساوي، سيهرب هؤلاء أو تستمر ثورة الجياع حتى يشنقوا آخر شعبوي بأمعاء آخر جنرال. هذا ما يمكن أن يحدث حين تتعثر الثورات.