عالمنا

لا يوجد عمل.. مطلوب مقاتل: «حمل السلاح» وظيفة في سوريا

الصورة: Getty/Anadolu Agency

أسهمت الحرب السورية في تشريد آلاف العمال الذين أصبحوا من دون عمل، بعد غلق المصانع والمؤسسات الحكومية التي كانوا يعملون فيها، لكنها في المقابل خلقت لهم فرصة عمل جديدة، لكنها خطيرة جدًّا: حمل السلاح كوظيفة.

حمل السلاح: وجهة الشباب لتأمين دخلهم اليومي

قد لا يكون الانضمام في صفوف قوات المعارضة وحمل السلاح من أجل قضية وطنية أو قومية أو مذهبية، خيار الشباب المثالي في البحث عن عمل، لكن كان بمثابة فرصة عمل لكثير من الشباب، تؤمِّن لهم راتبًا شهريًّا أو يوميًّا من خلال ممارسة عملهم مرابطين على جبهات العدو. انتشار السلاح أجبر المدنيين على حمله وتأمين قوت يومهم من خلاله.

أجبرت البطالة محمد على الانضمام للجيش السوري الحر لمحاربة النظام، ومن ثَمَّ «داعش».

محمد الموسى (34 عامًا) انقطع عن عمله منذ سنوات في أحد المعامل الخاصة في منطقة شقيف بمحافظة حلب، على خلفية تهديدات وجهها إليه عناصر النظام، بعد وضعهم حاجزًا لاعتقال المطلوبين الذين خرجوا في مظاهرات مطالبة بالتغيير.

يقول الموسى لـ«منشور»: «انقطعت عن العمل في 2011 على أمل العودة، لأن عملي كان جيدًا. وبسبب الخوف من الاعتقال أدركت أن الذهاب إلى العمل يعني أن أكون ضمن المعتقلين. النظام كان يعتقل الشباب في السنوات الأولى من الثورة، حتى إنه اغتال العشرات منهم».

مؤقتًا، يعمل الموسى في الحقل الذي يملكه والده، منتظرًا العودة إلى المعمل حين يسقط النظام الذي اتضح له في ما بعد، أنه لن يتخلى عن السلطة. يقول: «كنت أظن أنها مجرد أشهر وأعود إلى عملي». لكن التحول الجذري في الثورة السورية ووصولها إلى الحراك العسكري، جعل محمد يعيش شهورًا من دون عمل يكفي لتلبية احتياجات عائلته المكوَّنة من خمسة أفراد.

أجبرت البطالة محمد على الانضمام إلى صفوف الجيش السوري الحر لمحاربة قوات النظام، ومن ثَمَّ محاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» عندما اقترب من مدينة أعزاز. يؤكد الموسى أن «كثيرًا من الشباب الذين التحقوا بصفوف قوات المعارضة، كانوا بحاجة إلى عمل أو مصدر رزق لإعالة أسرهم، مقارنة بضعف الإمكانيات بين أوساط المجتمع. وتبلغ نسبتهم نحو 20%».

لا تبدو مناطق النظام أكثر توفيرًا لفرص العمل. فكثير من الشباب والرجال الذين دون الأربعين انضموا إلى اللجان الشعبية (الشبيحة) التي تقاتل في صفوف النظام.

هذه اللجان تأسست مع انطلاق الحراك العسكري ضد قوات النظام، بعدما كانت في البداية مجرد مجموعات تعتدي على المظاهرات السلمية. وتتقاضى اللجان الشعبية رواتب شهرية من النظام السوري مقابل مشاركتها في المعارك ضد المعارضة المسلحة. وشهدت حلب مؤخرًا موجات سرقة على يد هذه الميليشيات.

قد يهمك أيضًا: صباح الصمود: لماذا يسير الأسد مطمئنًّا؟

تفشِّي السرقة وقطع الطرق

الصورة: Foreign and Commonwealth Office

عدم وجود جهة تحد من انتشار السلاح بين المدنيين في المناطق السورية المحرَّرة، أبرز المشكلات التي ظهرت مع امتداد المعارك في المنطقة والتحديات التي واجهتها. ولعل تداول المدنيين والعسكريين للسلاح بين التجمعات السكنية رأس المشكلة التي ظهرت مع الأيام، ما أدى إلى كوارث عدة، أهمها انتشار السرقة وقطع الطرق على المدنيين خلال التنقل بين المدن.

كمال رسلان الذي ينحدر من ريف حلب الشمالي، يؤكد أن «انتشار السلاح وقطع الطرق أصبح عملَ مَن ليس لديهم مصدر رزق. لا يمكنني الخروج إلى القرى المجاورة لقريتي حرصًا على سلامتي لأنه من الممكن أن أتعرض للخطف في أي لحظة».

شهد ريف حلب الشمالي كثيرًا من حوادث قطع الطرق على العابرين، وسرقة أموالهم، وأحيانًا يصل الأمر إلى القتل والخطف وطلب الفدية.

يوضح رسلان أن رواتب عناصر المعارضة لا تكفي لتلبية احتياجات عائلتهم، ما دفع بعضهم إلى سلب ممتلكات المدنيين ونهبها. وحتى الآن، لم تستطع أي جهة ضبط هذه الفوضى، بينما مناطق إدلب ومثلث أرياف حماة واللاذقية وحلب أكثر فوضى بسبب اختلاف التوجهات الثقافية بين المدنيين والعسكريين، بعدما أصبحت المنطقة مقصد جماعات المعارضة التي وفدت إليها بعد مفاوضات مع النظام.

حلول نسبية لا تقضي على أزمة البطالة

الصورة: a.anis

المجالس المحلية في مختلف المناطق المحرَّرة هي الجهة الرسمية التي تمثل أهل القرى، حيث تعمل كهيئة رقابية، إضافة إلى تلبية احتياجات السكان. لكنها في المقابل، تفتقر إلى دعم مالي ولوجستي بسبب التحديات التي تواجهها، بداية من ازدياد أعداد السكان وصولًا إلى عدم الاستقرار نتيجة الحرب.

أكثر من 50% من الشباب ليس لديهم فرص عمل، وتنتج أزمة البطالة مشكلات كثيرة بين المجتمع، أهمها السرقة والنهب.

في هذه الظروف، قدم عدد من المنظمات مشروعات كثيرة عبر المجالس المحلية بهدف الحد من أزمة البطالة. ولعل انتهاء الخطر الذي كان يهدد به النظام المنطقة أعاد الحياة إلى طبيعتها تقريبًا، لكن المخاوف والتحديات التي تواجه شباب المنطقة لم تنتهِ بسبب عدم توفر فرص العمل.

أنشأت بعض المجالس المحلية عددًا من الأسواق لترويج المنتجات وتوفير فرص العمل بين الشباب. وتعاون المجلس المحلي في مدينة مارع مع إحدى منظمات التطوير بهدف بناء منطقة صناعية بإمكانيات محدودة.

المهندس عبد الرزاق، الذي يدير مشروع المنطقة الصناعية، يقول: «رغم ضعف الإمكانيات التي تحد من عملنا في المنطقة، بدأنا بمشروع المنطقة الصناعية بدعم من إحدى منظمات التطوير، لتأمين فرص عمل للشباب».

وفقًا لعبد الرزاق، المنطقة الصناعية توفر 200 فرصة عمل للشباب من مدينة مارع وخارجها، بينما توفر سوق «الهال» في المدينة نفسها 300 فرصة عمل للشباب حال الانتهاء من إقامتها.

أكثر من 50% من الشباب ليس لديهم فرص عمل بسبب توقف المصانع والدوائر الحكومية بعد الثورة، بحسب عبد الرازق الذي يشير إلى أن أزمة البطالة تنتج مشكلات كثيرة بين المجتمع، أهمها السرقة والنهب. وتبلغ نسبة العاملين في القطاع الخاص نحو 20%، بينما 30% في الأعمال الحرة.

اقرأ أيضًا: عبودية القرن الواحد والعشرين: تجارة البشر لا تزال مربحة

رغم الحلول التي تقدمها المجالس المحلية للحد من أزمة البطالة، فإن تأثيرها غير فعال بسبب كثافة السكان. إضافة إلى ذلك، تشهد الحدود السورية-التركية، في ريف حلب الشمالي الشرقي حتى ريف اللاذقية، ازدحامًا بالسكان، ما أدى إلى ندرة فرص العمل، ومن ثَم استمرار سرقة أموال المدنيين، إذا لم تجد الجهات المعنية حلولًا تقضي على البطالة. ويعد الأمن أبرز الحلول المبدئية، قبل افتتاح مشروعات استثمارية لتعزيز التبادل التجاري بين باقي المناطق السورية، ما يوفر كثيرًا من فرص العمل للشباب.

, ,