فكر فيها

ترامب امرأةً وكلينتون رجلًا: حكاية المسرحية التي كشفت تأثر أحكامنا بالجنس

الصورة: Pool

تخيَّل أنك تُشاهد امرأة من المشتغِلات بالسياسة تتكلم بحدَّة، تبالغ في إظهار انفعالاتها، تشهَق بصوت عالٍ، ترتدي ملابس أكبر من قياسها، تهاجم خصومها السياسيين بخشونة، بالضبط كما يفعل الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب.

في المقابل، فكِّر في سياسي من الرجال يوزع الابتسامات ويومئ برأسه دومًا في هدوء، يتحدث بوتيرة محسوبة، يردد كلامًا تدرَّب على إلقائه، كما كانت هيلاري كلينتون تفعل في لقاءاتها التليفزيونية.

لو دارت الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2016 بين هذين المرشحين، من تتصور سيفوز؟

هذا بالضبط ما فكرت فيه «ماريا جوادالوبي» (Maria Guadalupe)، أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية في كلية «INSEAD» الفرنسية، عندما شاهدت المناظرة الرئاسية الثانية بين ترامب وكلينتون، فأجرت تجربة مثيرة رصدها مقال على موقع «Quartz».

ترامب وكلينتون يتبادلان الأدوار

ممثلان يتقمصان دورَي ترامب وكلينتون

حملت جوادالوبي أفكارها واتجهت إلى «جو سلفاتوري» (Joe Salvatore)، أستاذ المسرح في جامعة نيويورك والمتخصص في «الإثنودراما» (Ethnodrama)، وهو نوع من الدراما يحوِّل أحداثًا حقيقية إلى أعمال مسرحية.

استطاع سلفاتوري، بعد دراسة المناظرة والبحث عن ممثلين، أن يُخرج عملًا بالتعاون مع جوادالوبي أسماه «Her Opponent» (خِصمها)، وهي مسرحية يؤدي فيها الممثلون مشاهد من المناظرات الرئاسية الأمريكية مع قلب الأدوار، أي أن امرأةً تلعب دور دونالد ترامب بينما يؤدي رجل دور هيلاري كلينتون.

اقرأ أيضًا: هل اختلاف سلوك الرجال والنساء بيولوجي أم ثقافي فحسب؟

في المسرحية، صار ترامب امرأة اسمها «بريندا كينغ»، وتحولت كلينتون إلى «جوناثان جوردان»، وتمكن الممثلان من تقليد المرشحَيْن الرئاسيين في كل شيء، حتى الإيماءات والوقفة وأسلوب الكلام وتعبيرات الوجه.

دفعت المسرحية بعض من انتخبوا ترامب إلى إعادة تقييم اختياراتهم.

كانت الفرضية الأساسية للعمل أن سلوك ترامب الهجومي لن يكون مقبولًا إذا صدر عن امرأة، كما أن إجابات كلينتون الهادئة لن يكون لها الوقع نفسه لو جاءت من رجل، وعندما شاهد الجمهور العرض في يناير 2017، جاءت ردود الأفعال مدهشة.

الجمهور يراجع أحكامه السابقة على كلينتون وترامب

دونالد ترامب في نيفادا
الصورة: Darron Birgenheier

قال أحد مشاهدي المسرحية إنه فوجئ بأسلوب النسخة الأنثوية من ترامب لأنها «تُهاجِم باستمرار ودون توقف»، بينما أكد مُشاهد آخر أنه احترمها بسبب ثقتها في نفسها.

البعض راجع حُكمه على ترامب وكلينتون الحقيقيين بسبب المسرحية. أحد المشاهدين أشار إلى أن هيلاري كانت متفوقة في المناظرات الواقعية بكل تأكيد، لكن هذا العمل جعله يشك في موقفه، وآخر شدَّد على أن التجربة كانت مخيفة، وكشفت له أن المَظاهِر تلعب دورًا كبيرًا في حُكمه على الناس.

تؤكد المسرحية أننا قد نقبل تصرفات معينة من الرجل ونندهش لو صدرت عن امرأة.

دفعت المسرحية بعض من انتخبوا ترامب إلى إعادة تقييم اختياراتهم. أحدهم قال إنه خرج من المسرحية مرتبكًا، وبَدَتْ له اللحظات التي هتف فيها لترامب في الانتخابات سخيفة ومُبالغًا فيها على المسرح، فيما قال آخر إنه لا يحب ترامب ولا كلينتون في الحقيقة، لكن المسرحية دفعته إلى التساؤل: هل نقسوا على البعض ونتساهل مع غيرهم فقط بسبب الانطباعات السطحية؟

اقرأ أيضًا: سايكوميتريكس: علم النفس الرقمي الذي مكَّن ترامب من قيادة أمريكا

أثبتت التجربة أن آراءنا بشأن الجنسين تؤثر بقوة في أحكامنا على الناس، وهو ما لفت إليه أحد المشاهدين بقوله إنه كان يتوقع أن يأخذ موقفًا عدائيًّا من نسخة ترامب الأنثوية، لكنه وجد نفسه يتعاطف معها، فيما أكد آخر أنه فَهِم الآن فقط لماذا أَحبَّ الناس خطاب ترامب الشعبوي، ولماذا وجد كثيرون كلينتون مُحبِطة ومنفِّرة.

هل يقَوْلِب الجنس انطباعاتنا الشخصية؟

هيلاري كلينتون تتحدث مع مؤيديها في أريزونا
الصورة: Gage Skidmore

نسخة ترامب الأنثوية ظهرت شديدة العاطفية وهي تقلِّد حماسه، ربما لأن المجتمع عوَّدنا أن المرأة أكثر عاطفيةً من الرجل.

تؤكد لنا المسرحية أننا قد نقبل تصرفات بعينها من الرجال ونندهش إذا صدرت عن امرأة. فبينما كان ترامب مقبولًا للأمريكيين كرجل، ارتبك كثير من منتخبيه عندما وجدوا امرأة تتصرَّف وتتكلم بطريقته نفسها،  وكذا الأمر مع كلينتون، التي ظنَّ البعض أنها بدت أكثر سُلطويَّة في الجسد الذكوري، وكان هذا رأي صانع العرض نفسه.

لم تبدُ ابتسامة كلينتون الدائمة جذابة، في رأي مشاهدي المسرحية، على وجه الممثل الذي لعب دورها، أما النسخة الأنثوية من ترامب فظهرت شديدة العاطفية وهي تقلِّد حماسه، ربما لأن المجتمع عوَّدنا أن المرأة عمومًا أكثر عاطفيةً من الرجل.

قد يهمك أيضًا: هل يحدد ماكياج المرأة مدى قبولها اجتماعيًّا؟

يهدف قلب الأدوار إلى تحدي القوالب الصلبة التي يوضَع فيها الجنسين، وتسمح لنا هذه اللعبة بالحُكم على جوهر ما نسمعه بدلًا من شكله، وربما يفسر هذا الارتباك الذي أصاب كثيرًا من مشاهدي المسرحية، وحتى صُنَّاعها أنفسهم.

الرسالة التي تلخِّصها المسرحية أن نُجرِّد ما يُقدَّم لنا من أفكار، وننظر إليه بعيدًا عن أي انحيازات أو قوالب جاهزة قبل أن نُطلق أحكامنا. ومن يدري، ربما كانت كلينتون لتفوز بالانتخابات لو عُرض هذا العمل مُبكِّرًا قليلًا.