عالمنا

رسوم جمركية: هل يغير ترامب وجه النظام الاقتصادي العالمي؟

الصورة: Getty/Handout

تبدو التطورات متسارعة جدًّا بخصوص سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاقتصادية الخارجية، للدرجة التي جعلت التوتر بينه وبين قادة الدول الغربية الأخرى يظهر للعلن بوضوح.

ففي مؤتمر صحفي مشترك على هامش قمة «مجموعة الدول الصناعية السبعة الكبرى»، علَّق رئيس وزراء كندا «جاستن ترودو» على وصف ترامب الرسوم الجمركية الجديدة على واردات الألومنيوم والحديد من كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي بأنها «أداة لصد تهديدات للأمن القومي الأمريكي»، بقوله إنه «أشبه بدعابة».

وأضاف ماكرون: «ما يتَّبعه ترامب من إجراءات في الوقت الحالي ما هو إلا سيطرة. تلك السيطرة ستنهي حكم القانون، وتنهي الحماية التي وعد بها المواطنين، وقد تكون نهاية عضوية الولايات المتحدة في مجموعة السبعة الكبار إذا أردنا ذلك».

أما وزير التجارة المكسيكي «ليدفونسو غواخاردو» فلم يستوعب سبب استخدام الرئيس ترامب ورقة تهديدات الأمن القومي الأمريكي ضد حلفائه التقليديين، لكنه فرض رسومًا جمركية على واردات أمريكا بنفس قيمة الرسوم الجمركية المفروضة من إدارة ترامب، متخطيًا مرحلة عدم الاستيعاب.

ولأن المكسيك ثاني أكبر الدول تصديرًا للألومنيوم والحديد إلى أمريكا، فقد فتح وزير التجارة المكسيكي باب المفاوضات والحوار راغبًا في الوصول إلى أفضل حل ممكن للحليفَيْن التجاريَّيْن، رافضًا وصف كل تلك التدابير التجارية العالمية بمصطلح «حرب تجارية»، بل هو «أسوأ سيناريو»، على حد وصفه.  

وصفت المفوضة الأوروبية للتجارة، «سيسيليا مالمستروم»، قرارات ترامب بأنها «غير قانونية» و«غير مبرَّرة» على الإطلاق. وبالتالي انضم الاتحاد الأوروبي إلى معسكر المعترِضين الذين لم يكتفوا بالتنفيس غضبًا بالتصريحات فحسب، بل بالسير قُدُمًا نحو فرض رسوم انتقامية ضد الولايات المتحدة بقيمة 3.3 مليارات دولار بداية من أول يوليو 2018، كإجراءات قانونية مستمَّدة من قواعد أرستها «منظمة التجارة العالمية»، ردًّا على الرسوم الأمريكية أحادية الجانب، وفقًا لتصريح نائب رئيس المفوضية الأوروبية.

في السادس من يونيو 2018 تحركت كندا والاتحاد الأوروبي قانونيًّا بتقديم شكاوى ضد أمريكا في منظمة التجارة العالمية، بأنها لا تلتزم بواجباتها بشأن استيراد الكميات المحددة من الأولومنيوم والحديد، على خلفية أسباب غير مبرَّرة تتعلق برخائها الاقتصادي وحماية أمنها القومي.

من أجل إعادة الرئيس ترامب إلى صوابه، وجعله يعدل عن فرض الرسوم أو على الأقل استثنائهم، تَسارع الحلفاء بالشكاوى القانونية والتصريحات الغاضبة والتدابير الانتقامية ضد الولايات المتحدة. وحتى في الداخل الأمريكي تقدَّم ستة أعضاء في مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري لإقرار مشروع قانون يسمح للكونغرس برفض الرسوم الجمركية المفروضة على حلفاء الولايات المتحدة أو التصديق عليها.

وبالرغم من أنها آخر دولة في قائمة الدول العشرة الكبرى في تصدير الألومنيوم والحديد لأمريكا، كانت للصين استراتيجية أخرى في حل الأزمة بعد إعلان إدارة ترامب تطبيق الرسوم.

في البداية، حذَّرت الصين من فشل المفاوضات، وعبَّرت عن توتر العلاقات التجارية بين البلدين. لكن بعدها بأيام معدودات عرضت الصين شراء بضائع أمريكية تُقَدَّر قيمتها بنحو 70 مليار دولار كحل بديل لفرض الرسوم الجمركية الأمريكية.

الوتيرة المتسارعة للأحداث ربما تُحوِِّل الأزمة التجارية للرسوم الجمركية، بجذورها ومبرراتها وتفاصيلها وأهدافها ونتائجها المرجوة، وحتى غير المتوقعة على المدى الطويل، إلى حيرة ولغز غير مفهوم، أو إلى مزحة حقيقية. لكن  يمكن تلخيص ما يحدث كالتالي:

وعد ترامب الشعب الأمريكي، خلال الحملة الانتخابية لرئاسة البلاد عام 2016، بحماية أمنه القومي وإنعاش الصناعات الحيوية مُتَّهما الصين بزعزعتها.

اتخذ الرئيس الأمريكي الصين ذريعة كي يكسب ترحيبًا شعبيًّا وتأييدًا دوليًّا خلال معركته الأولى في مارس 2018 المتمثلة في إعلانه نية تطبيق رسوم جمركية مجحِفة على كل واردات الألومنيوم والحديد، وسط شائعات حول تطبيقها على الجميع، بمن فيهم الحلفاء والجيران، ثم استثنائهم، ثم تطبيق نسبة أقل، ثم العودة إلى التطبيق كاملًا دون أي بادرة أمل في الاستثناء، ضاربًا عرض الحائط بكل ما اعترى الحلفاء والأنداد حينئذ من غضب يتمثل في رسوم انتقامية.

لم يستغرق الأمر أكثر من ثلاثة أشهر كي يشن «حربًا تجارية ضد الأنداد»، و«مشاجرة عائلية» مع الحلفاء كما يُراد لنا أن نفهم.

أمريكا والاتحاد الأوروبي: خلافات عائلية

دونالد ترامب وجاستن ترودو - الصورة: Donald J. Trump

قبل خمسة أيام فقط من إعلان ترامب تنفيذ خطته بتطبيق زيادة الرسوم الجمركية على واردات الحديد بنسبة 25% وواردات الألومنيوم بنسبة 10%، كان يضع اللمسات الأخيرة مع رئيس الوزراء الكندي على اتفاقية جديدة في إطار التعاون الدولي بين البلدين طبقًا لمعاهدة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) التي تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. لكن الاتفاقية لم تنته على خير بإعلان ترامب الرسوم الجمركية.

قرار  ترامب فرض رسوم جمركية سيُلحق ضررًا بالغًا في بريطانيا، إذ يهدد 31 ألف وظيفة مباشرة في قطاع الحديد والألومنيوم.

في اتصال هاتفي بين ترودو وترامب، أحاطه كتير من التوتر وقليل من الغموض حول تفاصيله، سُئل ترامب عن معنى «تهديد كندا للأمن القومي الأمريكي»، فأجاب مازحًا بأنهم من أحرقوا البيت الأبيض في الماضي، في إشارة إلى حرب عام 1812، لكن الحقيقة أن القوات الإنجليزية هي التي هاجمت البيت الأبيض.

لكنها لم تكن مزحة عندما اقترح ترامب على ترودو إلغاء معاهدة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) مكتفيًا باتفاقات ثنائية، الاقتراح الذي قوبل بالرفض. قد يكون كبير المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض على حق عندما وصف النقاش الحاد الذي يدور بين الحلفاء من جهة، وترامب من جهة أخرى، بأنها ليست إلا «خلافات عائلية»، لكن من الواضح أن ترامب ليس لديه نية لم شمل أفراد العائلة.

فإضافة إلى كندا، يبدو أن قرار الرئيس ترامب سيُلحق ضررًا بالغًا في بريطانيا، إذ يهدد 31 ألف وظيفة مباشرة في قطاع الحديد والألومنيوم، لأن بريطانيا تُصدِّر ما يقرب من 350 ألف طن من الحديد كل عام إلى الولايات المتحدة بقيمة 350 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل 7% من الإنتاج المحلي. وكان تعبير المتحدث الرسمي باسم الحكومة البريطانية عن إحباطه الشديد جليًّا نتيجة الإجراءات الأمريكية التي كان يُمَنِّي نفسه والحلفاء بالإعفاء منها.

لن ينجو أحد من الحلفاء، إذ يبدو أن قرارات ترامب تستهدف أيضًا قطاع السيارات في ألمانيا، على حد تصريح المفوضة الأوروبية للتجارة. ووصل الأمر إلى أن «رينهولد ورث‬‎»، أكثر المستثمرين الألمان توغلًا في السوق الأمريكية لقطاع أدوات التجميع، قرر إيقاف استثماراته ما دام ترامب في سدة الحكم.

بالتالي توحدت كلمة الحلفاء ضد الولايات المتحدة لأنها تنتهك مصالحها التجارية. لكن ضرر هذه القرارات أكبر من نفعها على أمريكا لأنها ستزيد من عزتها السياسية، وستقوِّي من شوكة الصين تجاريًّا، وستهدم النظام الاقتصادي العالمي التي قضت واشنطن عقودًا من أجل بنائه وحمايته. وبتلك العداءات ستخسر الولايات المتحدة الشراكات الاستراتيجية التي يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي.

قد يكون ترامب على حق جزئيًّا بشأن أهداف تلك الرسوم الجمركية الجديدة بأن تجعل العلاقات التجارية أكثر توازنًا وإنصافًا بين أمريكا ودول العالم، لكن ليس كل الشركاء التجاريين مستغلِّين. المثال الأوحد هو الصين باعتبارها شريكًا تجاريًّا جائرًا، لأنها تسرق التكنولوجيا وتمنع الشركات الأمريكية من الوصول إلى أسواقها، وتقدم الدعم الحكومي للصناعات المنافسة، ومنتجاتها الرخيصة أجبرت كثيرًا من الشركات الأمريكية على الإفلاس. في الوقت نفسه لا يمكن الجزم بأنها استراتيجية تؤتي ثمارها مع الصين.

الصين تحت الاختبار

الرئيسان الأمريكي والصيني مع زوجتيهما - الصورة: The White House

ربما كان هناك تشابه كبير بين أزمة قرارات ترامب الجمركية عام 2018 والأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 بالنسبة إلى الصين، وأحد أوجه هذا التشابه تشتيت الصين عن تركيزها في النهوض بأولويات اقتصادها المحلي. الأزمتان هددتا النمو الاقتصادي عن طريق تنمية التجارة العالمية الذي سيتبعه تطوير النظام الصناعي والاجتماعي كنتيجة طبيعية.

تواجه الصين سلسلة من التهديدات الأمريكية، من أهمها رغبة ترامب في تقليم أظافر الصين التكنولوجية في عقر دارها.

10 سنوات من الجهود الحثيثة للصين لتقليل نسبة الصادرات وزيادة أهمية الاستهلاك المحلي وتنويع مصادر الاستثمار وتقليل الاعتماد على التجارة الخارجية والحد من الاستثمارات المفرطة على البنية التحتية وإعادة توجيه الموارد نحو تحسين الضمان الاجتماعي، كل ذلك متضافر مع التزام حكومي صارم بإعادة عملية توازن الاقتصاد. ثمار 10 سنوات تكللت لتعطي الصين شعورًا بالأمن والطمأنينة ضد أي تهديد خارجي، سواء من ترامب أو غيره، وسواء برسوم جمركية أو استثمارية.

مع كل تلك الترتيبات ستفقد الصين 6% من إجمالي صادراتها، أي 1% من الناتج القومي المحلي (150 مليار دولار)، حتى مع تركيز أولوياتها على الاستهلاك المحلي، لن تستطيع تغطية خسارتها بتلك الأريحية التي يُظهرها مسؤوليها كل مرة في لقاءات ترامب.

حتى بعيدًا عن الرسوم الجمركية، تواجه الصين سلسلة من التهديدات الأمريكية، من أهمها رغبة ترامب في تقليم أظافر الصين التكنولوجية في عقر دارها، إذ يرى ترامب تنامي قوتها يومًا بعد يوم.

استهداف الصين خطة تطوير تكنولوجية في إطار مبادرة «صنع في الصين 2025» تحول إلى منغصات في الداخل الأمريكي، إذ تخضع كل الاستثمارات والشركات، وحتى المسؤولون في القطاع التكنولوجي، للفحص الشديد من الحكومة الأمريكية.

لكن سيناريوهات عدة ستطرح نفسها على الساحة السياسية والاقتصادية لأن الصين ليست المتضرر الأوحد، بل من الممكن أن تتحول عداوة حلفاء الولايات المتحدة جراء قرارات ترامب إلى تعاون بين الحلفاء والأنداد، ويسقط المشاغب وحيدًا. أو أن الحلفاء سيصبرون طويلًا (أو قصيرًا) على أمل الإعفاء من الرسوم الجمركية، أو حتى تقليل نسبتها، مع الاحتفاظ بالمشاعر الطيبة بين أفراد عائلة اختلفت وجهات نظرهم.

حتى يأتي الوقت الذي تنقضي فيه زوبعة الفنجان بين العائلة، سيتأثر النظام التجاري العالمي. قد يتجه العالم إلى الوقاية والاهتمام بالاستهلاك الداخلي خوفًا من صدمات عالمية أخرى تزلزل مصلحة مواطن وضع الثقة كلها في سياسيين وعدوه بالاستقرار والأمن. وحتى يأتي هذا الوقت، قد ينبت نظام اقتصادي يجعل «أمريكا أولًا».

, , , , ,