عالمنا

انظروا كم هم قذرون: سياحة فقر أم حديقة حيوان بشرية؟

الصورة: Getty/ Daniel Berehulak

بعيدًا عن الفكرة التقليدية حول السياحة: أن يزور المرء مكانًا بغرض رؤيته وقضاء وقت ممتع فيه، تبدأ فكرة جديدة في الانتشار عن السياحة، تحديدًا في الهند، وفي الأحياء الفقيرة منها حصرًا، يمكننا أن نطلق عليها «سياحة العشوائيات».

يورد تقرير نُشِرَ على موقع هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» أن بعض الشركات متعددة الجنسيات بدأت تنظم جولات للسائحين خلال ممرات حي دهارافي المزدحمة.

فمقابل ستة يوروهات فقط يستقل السائحون حافلة خاصة من مقر إقامتهم حتى دهارافي، ويُطلب منهم خلال الرحلة اتِّباع بعض التعليمات، منها الامتناع عن التصوير، والتمسك ببعض القواعد الأخلاقية. سيكون هناك بعض الروائح الكريهة والأماكن المليئة بالدخان، لكن يجب عليكم ألا تمتعضوا أو تسدوا أنوفكم، فبحسب مرشدة الرحلة «سونيل تشيتينا»، إذا فعلت ذلك سيشعر الناس بالإهانة.

حلم المدينة الكبيرة

الصورة: Jonathan McIntosh

لم يتخيل أحد يومًا أن أحياء الهند الفقيرة قد تجذب آلاف السائحين على مستوى العالم، وتكون مصدرًا للدخل وتمويل المدارس والورش الصغيرة.

ينتقل الآلاف شهريًّا من القرى والمدن الصغيرة إلى مدينة مومباي، التي تعد المركز المالي ومقر صناعة الأفلام في الهند، للبحث عن حلم مومباي الكبير، غير أن الفقر الطاحن، وعدم توفر المسكن المناسب في المدينة الشرقية، يقود هؤلاء إلى مدن الصفيح المترامية على أطراف المدينة.

وصول سكان هذه الأحياء إلى 62 مليون شخص جعل الحكومة تضع خطة طموحة للقضاء على الأحياء العشوائية بحلول 2014، لكن إلى أن يحدث هذا، اغتنمت الشركات السياحية ذلك في تنظيم مزيد من الجولات السياحية حول دهارافي.

خلال الموسم السياحي الذي يمتد بين ديسمبر وفبراير، يزور الحي يوميًّا نحو 30 سائحًا، إضافة إلى أن شخصيات ذائعة الصيت سارت عبر الممرات المزدحمة، مثل الأمير البريطاني تشارلز، والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون.

ربما يُشكل فيلم «Slumdog Millionaire» الخيال الذي يرسمه كثيرون عن الأحياء الفقرة في الهند، لكن أحدًا لم يتخيل يومًا أن تلك الأحياء الفقيرة قد تكون عامل جذب لآلاف السائحين على مستوى العالم لدرجة أن هذا النوع من السياحة بات مصدرًا للدخل، بل ومصدر تمويل لإنشاء المدارس وبعض الورش الصغيرة في الحي.

في مقاله المنشور في «دويتشه فيله»، يحكي الصحفي «مايكل أتكين» عن رحلته إلى دهارفاري، فيذكر أنه تلقى دعوة من «أفاقير ناصر»، وهو أحد سكان الحي الفقير، إلى بيته.

يبلغ أفاقير من العمر 29 عامًا، ويعمل فني حاسب، يعيش في غرفة صغيرة جدًّا مع زوجته وطفليه، وبحسب فترات اليوم تتحول تلك المساحة الصغيرة إلى مطبخ، أو إلى ورشة عمل، أو إلى غرفة نوم.

وعلى الرغم من ذلك أراد ناصر أن يُعلِمَ السائحين من دعوته تلك أن الحياة في دهارافي ممتعة جدًّا رغم الفقر والحاجة، وأنهم يعتزون بثقافتهم وعاداتهم، وأنهم دائمًا ما يساندون بعضهم. باختصار، أراد أن يقول له إنهم بشر، مثلهم مثل غيرهم.

سياحة الهند: للأمر مزاياه

تهرب الفتيات من عائلاتهن لأنهن لا يريدون أن يكونوا عبئًا، فيضطر كثير منهن للعمل في مهن مثل التسول والدعارة.

طبقًا للباحث في جامعة ليستر «فابيان فرينزل»، الذي نشر كتاب «Slumming it» عن الحياة في عشوائيات الهند، فإن سياحة الفقر تساعد في إلقاء الضوء على المجتمعات المهمَلة والهامشية رغم أنها قريبة من مراكز مدن ناجحة ومزدهرة، وتفتح عين السائحين على حقيقة مستوى النشاط الاقتصادي، والمستوى الحضاري العام.

يحكي إقبال، أحد سكان تلك الأحياء الفقيرة، أنه كان قد هرب من والديه بسبب الفقر، فقد اعتادا التشاجر دائمًا. كان والده يعتدي عليه بالضرب، الفقر والإدمان والعنف كانت أسبابًا كافية للهرب من البيت، من يهربون من بيوتهم عادة ما يعتقدون أنهم لو أتوا إلى حي دهارافي بجانب مركز المدينة سيكونون أحد نجوم بوليوود.

أما الفتيات، فإنهن يهربن من عائلاتهن لأنها غير قادرة على تكاليف زواجهن (في الهند تتحمل أسرة الفتاة أغلب التكاليف المادية للزواج). ونتيجةً لأن الفتيات لا يردن أن يكن عبئًا على عائلاتهن، فإنهن يأتين إلى المدينة بحثًا عن أي مساحة للعمل أو الربح. لكن الأرقام التي يوردها تقرير «BBC» توضح أن كثيرًا منهن يضطر للعمل في مهن مثل التسول والدعارة.

يعمل إقبال في مركز لإعادة التدوير، ومن كل مئة روبية يحصل عليها يدفع 75 للعصابات التي تحافظ على الأمن، ويذهب بعد ذلك إلى عمله في تقديم المشروبات، وبعد ذلك يعمل في مطعم على جانب الطريق. صحيح أنه لا يحصل على أموال من المطعم، لكنه على الأقل لديه طعام ومأوى.

اقرأ أيضًا: أين وصل «تطوير العشوائيات» في مصر؟

معارضة شرسة

الصورة: Camera Nikon D40

الحال أن أغلب الأموال التي تُجنَى من جولات سياحة الفقر تذهب مباشرة إلى المحليين، أي الفقراء. فالمؤسسات غير الهادفة للربح تلقت 80% من أرباح عام 2009، وتلك الجولات كانت السبب في تأسيس هيئة خيرية تشرف على مركز تعليمي ومركز لتعليم الأطفال.

يقول «بوجاري»، أحد منظمي الرحلات، إن المنظمات غير الحكومية تمد سكان هذه المناطق بالتعليم والتدريب اللازمين، وتوفر المشروعات لبعض السكان. وبعيدًا عن دورات اللغة الإنجليزية والكمبيوتر التي تمنحها لسكان حي دهارافي ومستعمرة سانجاي، أسس بوجاري مع رفقائه مركز تعليم للأطفال في دهارافي، تضم مكانًا لتدريب المدرسين كذلك، ووفروا مكانًا للتدريب على كرة القدم للأطفال.

وبحسب بوجاري، تغيرت قناعات أهل الحي في الآونة الأخيرة، وصاروا يفخرون بأنفسهم لأن أولادهم يذهبون إلى المدارس. في دهارافي، توجد ورشة كل خمسة أمتار.

بحسب فابيان فرينزل، عند مناقشة الأثر الإيجابي لسياحة الفقر على الاقتصاد، تبلغ مبيعات الجولات السياحية في حي دهارافي فقط 240 ألف دولار، يُصرف أغلبها على المنطقة نفسها. والحال أن الشركات السياحية تعيد جزءًا كبيرًا من ربحها إلى الحي في صورة مشروعات تعليمية.

قد يهمك أيضًا: هل تستطيع السياحة القضاء على الفقر؟

لكن رغم كل تلك المنح لا يزال بعض الناس يريدون وقف هذا النوع من السياحة، فبحسب «جوكين أرغوثام»، رئيسة جمعية مومباي غير الحكومية، ينزعج بعض السكان من طريقة التعامل معهم كمادة للمُشاهدة، وهذا نوع من الاستغلال.

صحيح أن بعض السكان يطلبون من هذه الجولات السياحية أن تترك دهارافي، لكن المرشدة السياحية «سونيل تشيتينا» توضح أنها تحاول خلال هذه الرحلات أن تُظهِر الجزء الفقير في بومباي، وأن تجعل أهل دهارافي يدركون أن الإنسان الأبيض لديه تصور سيئ عن الفقراء، وما تحاول هذه الرحلات فعله أنها تغير تلك الصورة الذهنية، وتعرِّف البيض كيف يبدو الفقر. باختصار، ترى سونيل أنها تُعرِّف الطرفين على بعضهما بعضًا.

بدأت فكرة هذه الرحلات بإلهام من «جولات فافيلا» التي كانت تُجرَى في ريو دي جانيرو البرازيلية. حاول تشيتينا، مدبِّر هذه الرحلات، أن يكشف عن تعقيدات الحياة في مومباي، مع التركيز على الصناعة المحلية. في البداية كان بإمكان السائحين أن يلتقطوا الصور كما يحلو لهم، لكن بعد عدة شكاوى من سكان الحي قررت إدارة الرحلات منع التصوير.

فكرة سياحة الفقر تبدو جيدة عند النظرة الأولى، لكن لا يبدو أن السائحين يكتفون بمحاولة الارتباط بحياة الفقراء. فبحسب المصور الصحفي الهندي «أكشاي ماهجان»، يحتاج السائحون دائمًا إلى تجاوز الصورة السطحية تلك. والإعلام يؤجج رغبات السائحين لالتقاط صور الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، دون أن يمدهم بأي معلومات حول وضع هؤلاء الأطفال.

يذكر ماهجان أنه من السهل جدًّا أن تحفر بعمق لتلتقط القصة الحقيقية وراء تلك الصور، لكن للأسف لا يوجد من يفعل ذلك، ببساطة لأن ما على السطح متخم بما يكفي: «الحق أني التقطت مثل تلك الصور في الماضي، وهي مهمة جدًّا في بعض الحالات، لكن يجب أن نعرف أن هناك قصصًا أخرى يتجاهلونها، لأن هناك قصصًا محددة يجب أن تخرج إلى النور».

هل سياحة الفقر أخلاقية؟ 

الصورة: Pál Baross

واجهت «كاترينا جوتزي» معضلة أخلاقية حين فكرت في الذهاب إلى أحد الأحياء الفقيرة في الهند بغرض السياحة. ورغم أن مرشد الرحلة حاول إقناعها بأن هؤلاء الناس يعيشون في هذا الحي بإرادتهم، فإنها لم تستطيع طرد الأفكار من رأسها: ماذا يعرف هؤلاء السكان عن الأحكام التي يطلقها السائحون بينما يتجولون في الممرات التي يعيشون فيها؟

غير أن «جوكيند آربوتام»، رئيس رابطة سكان الأحياء الفقيرة الدولية، لا يتفق مع مرشد الرحلة، بل يرى أن تلك الجولات مهينة جدًّا لسكان دهارافي، وأغلبيتهم لا يزال يزعجهم سؤال: لماذا يزورنا الإنسان الأبيض وكأننا قرود في حديقة الحيوان؟ هذه الجولات مثال للاستغلال السيئ، لأنها تصور للسياح كيف يعيش السكان في ظروف قذرة، لكنها لا تشرح لهم كيف يكافح هؤلاء من أجل أن يظلوا أحياء.

لا يمكن أن نصل إلى حكم حول تلك الصناعة التي تقوم عليها أحياء كاملة، لكن إذا كان هناك من يحرص على أخلاقية سياحة الفقر من عدمها، فلماذا يظل صامتًا على وجود مناطق كاملة لا يجد سكانها إلا ما يكفي بالكاد قوت يومهم؟