عالمنا

جنة الصعاليك: رحلة غجر بلغاريا ورومانيا للتسول في السويد

الصورة: Bengt Nyman

حينما سُئل عن سبب مجيئه إلى السويد، أجاب المتسول البلغاري متباهيًا بامتلاكه خمسة أركان في الشارع: «لا أؤذي أحدًا، جئت إلى هنا لأستفيد من الفرصة».

الذين ترعرعوا في السويد خلال ستينيات القرن العشرين وسبعينياته وثمانينياته لم يروا في حياتهم متسولًا واحدًا في شوارعهم. ففي عام 1964، أُلغي قانون تجريم التسول لأن الدولة وفرت نظام رعاية اجتماعية يناسب جميع المواطنين، بهدف مساعدة من لا يستطيع كسب قوت يومه وتوفير الدعم الكامل له. ولذلك، انسجم إلغاء القانون مع واقع جديد تنعدم فيه الحاجة إلى طلب المال من الأساس.

لكن الحال لم يدم، فمع انضمام بلغاريا ورومانيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي عام 2007، أصبحت هذه الدول والسويد إخوة، وحرية الحركة مكفولة بين البلاد، و هناك أخيرًا وجد غجر بلغاريا ورومانيا خير مستقر لهم.

التقارير التي أصدرها معهد «جيستون» البحثي تؤكد أن أعداد المتسولين البلغار والرومان وصلت في عام 2014 إلى أكثر من 400 شخص، لكنها فاقت أربعة آلاف في أواخر 2016.  

المتسولون ينتظرون في كل ركن، في كل زاوية، في المدن الكبيرة والقرى الصغيرة، حاملين أكوابًا ورقية لجني الكرونات السويدية. بعض السويديين ينظر إليهم كضحايا، بل ويجب مساعدتهم باعتبارهم جزءًا من الاتحاد الأوروبي، وبعضهم يراهم عبئًا اقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا ثقيلًا. فالأمر لم يقتصر على طلب المال، بل تطور إلى امتهان التسول بشكل أكثر تنظيمًا، مع استغلال الأطفال والإتجار بهم.

متسولو السويد: ضحايا أم مجرمون؟

الصورة: Bengt Nyman

يكتظ أكبر المدن السويدية (ستوكهولم، مالمو، غوتنبرغ) بالمتسولين، لأنهم يرون أن التسول هو الأعلى مكسبًا في أوروبا كلها، إذ يستطيع المتسول جني ما يقرب من ألف يورو شهريًّا،  مع الاستفادة من برامج الرعاية الاجتماعية الذي أقرته محكمة إدارية منذ 2014.

يقول أحد المتسولين إنه استقر في السويد بعد أن زار فرنسا وإنجلترا وألمانيا، فلم يجد أكثر سخاءً ولا طيبةً من الشعب السويدي.

تعود جذور الفكرة إلى فترة تولي السويد رئاسة المجلس الأوروبي عام 2001، حين روّج رئيس مجلس وزراء السويد السابق، «جوران بيرسون»، لضم دول شرق أوروبا إلى الاتحاد. كانت أهداف السويد الثلاثة وقت رئاستها هي:

  1. التوسع
  2. محاربة البطالة
  3. الحفاظ على البيئة

لكن بيرسون كان يخشى من البداية استغلال بعض سكان دول شرق أوروبا الفقيرة، حال انضمامها إلى الاتحاد، لحرية الانتقال بين هذه البلدان، والسفر بهدف الاستفادة من برامج الرعاية الاجتماعية دون الحاجة إلى العمل. واقترح مسودة قانون تُحجِّم انتقال الأفراد من دول مثل بلغاريا ورومانيا، وهي خطوة اعتبرها مراقبون مشجعة على «العنصرية» و«كراهية الأجانب».

على سبيل المثال، يعترض الكاتب وعالم الإثنولوجيا السويدي «كارل أولوف أرنستبرغ» على التصور الذائع بأن المشكلة تكمن في أن الغجر يكسبون لقمة العيش عن طريق التسول. فمثل هذا الفهم يكشف فقط عن الجهل والبؤس والتمحور حول الذات، لأنه يُظهِر المتسولين كضحايا. ولو كانوا ضحايا حقًّا، فالسويديون هم المجرمون، لأنهم جزء من الحضارة الغربية، يشعرون بالفوقية على الغجر.

قد يعجبك أيضًا: نصف ثروات الأرض بين أيدي 8 رجال

استيطان الغجر في السويد

الصورة: Carl Ridderstråle

نادَى رئيس قسم الصحة البيئية والسلامة بإغلاق المدارس في وجوه المتسولين، وتجميع الأموال لإعادتهم إلى أوطانهم.

في فيلم وثائقي أعده فريق أخبار من بلغاريا عن ظاهرة التسول في السويد، يقول أحد المتسولين إنه استقر هناك بعد أن زار فرنسا وإنجلترا وألمانيا، فلم يجد أكثر سخاءً ولا طيبةً من الشعب السويدي. لكن الشعب السخي نفسه يشتكي من تحول التسول إلى شبكة عصابات منظمة، فالمتسول يدعو أصدقاءه وأقاربه إلى القدوم من أجل كسب مزيد من المال.

في عام 2013، تحولت المنطقة الصناعية في وسط مدينة مالمو السويدية إلى مخيم للغجر يُعرف باسم «مخيم سورغنفري». حاولت البلدية إغلاق المخيم لأنه على أرض ملك لمواطن سويدي، وكان يخطط لبناء مبان سكنية عليها، لكنها فشلت. ورغم الشكاوى التي تقدم بها صاحب الأرض إلى الشرطة، لم تتمكن من طرد المتسولين لأنهم لا يملكون (أو لا يريدون إظهار) جوازات سفر.

مع تنامي أعداد الوافدين إلى المخيم (نحو 200 شخص)، وعدم توفر مياه جارية، وتكوُّن جبال من النفايات، وتسلل الأمراض إلى المقيمين فيه، قررت هيئة البيئة في مالمو هدم المخيم في نهاية المطاف لتطهيره. تظاهر المتسولون ضد القرار، وناشد حينها نشطاء سياسيون الدولةَ لتوفير مساكن لهم.

رئيس قسم الصحة البيئية والسلامة «مارتن فالفريدسون» لم يكن يتخيل أن هناك بشرًا يعيشون في المخيم، ولا يتفق مع فكرة دعم المتسولين ماديًّا، بل ينادي بإغلاق المدارس في وجوههم. وبدلًا من إعطائهم المال، يقترح على منظمات المجتمع المدني تجميع الأموال لإعادتهم إلى أوطانهم.

قد يؤخد حديث فالفريدسون على محمل غير إنساني، لكن له هدفًا أكثر إنسانيةً: التصدي لمشكلة الإتجار بالأطفال وإجبارهم على العمل.

في أثناء الحكم الشيوعي، كان أطفال الغجر في رومانيا يُجبَرون على دخول المدارس، مع توفير مسكن ملائم لهم. وبعد سقوط الشيوعية، أبقت رومانيا على بعض برامج الرعاية، من ضمنها منع زواج الأطفال. لكن بعد انضمام رومانيا إلى الاتحاد الأوروبي لوحظ ارتفاع هائل في نسبة زواج الأطفال، من نحو ثلاث زيجات في 2006 إلى أكثر من 600، لأن إنجاب أطفال أكثر يعني الحصول على أموال أكثر.

معنى هذا أن التخلص من الفقر لن يكون بالإحسان إلى المتسولين بالمال.

الاتحاد الأوروبي صامت، والسويد تدفع الفاتورة

الصورة: Bengt Nyman

دعت أحزاب ليبرالية في السويد كلًّا من رومانيا وبلغاريا إلى تحمل المسؤولية المادية لمواطنيها المتسوليين، فقد حان وقت سداد الحساب.

«لوتا إدهولم»، المحسوبة على التيار الليبرالي في البرلمان الأوروبي، أكدت في لقاء على القناة الإذاعية الرسمية أن «سبب تدفق الغجر المتسولين من رومانيا هو أن الدولة هناك تمارس ضدهم تمييزًا وعنصرية،  وكذلك أن الحكومة الرومانية لا تطالب بالدعم المادي المتاح لها من الاتحاد الأوروبي، إذ تطالب بأقل من 20% من حصتها، ما يعكس عدم اهتمام الحكومة هناك بحل جذري لمشكلاتها».

للتدليل على فكرتها، تضرب إدهولم مثالًا عن مواطن سويدي يمرض في ألمانيا، فتعالجه مستشفى هناك، ثم تطالب السويد بدفع الفاتورة لأن المواطن يدفع الضرائب.

اتهمت البرلمانية الأوروبية الحكومة الرومانية بأنها لا تفي بما وعدت به من إجراءات كدولة ضمن الاتحاد الأوروبي، ولذلك على الاتحاد الأوروبي الضغط عليها لتتعامل مع مواطنيها بإنسانية.

الحزب اليساري في ستوكهولم انتقد إدهولم بأنها لا تبذل مجهودًا أكبر في إنقاذ المتسولين، وأكد أنه بدلًا من تسوية الحسابات، عليها توفير مياه وحمامات وأماكن مناسبة للتخييم.

ردت إدهولم بأنها بالفعل توفر أماكن للنوم وطعامًا ونفقات عودتهم إلى رومانيا، وتفعل كل ذلك من منطلق إنساني بحت، فلا توجد قوانين تجبر السويد على مساعدة المتسولين الرومان.

هذا الاختلاف بين الأحزاب السويدية في الموقف من المتسولين الرومان يعني أنه سيظل بوسعهم «الاستفادة من الفرصة»، والتمتع بحياتهم في السويد، على الأقل لبعض الوقت الإضافي.