عالمنا

ربما يصبح العالم أكثر سلامًا تحت حكم المجانين

فلاديمير بوتين، فرنسوا فيون، دونالد ترامب، نايجل فاراج

حين صعد نجم رجل الأعمال الملياردير الأمريكي دونالد ترامب مرشحًا لرئاسة أمريكا، اعتبره الجميع مجرد أخرق يسعى لمزيد من الشهرة، وتابع الإعلام فضائحه وتصريحاته العنصرية كمادة للفكاهة، ثم أتى فوزه بترشيح الحزب الجمهوري صادمًا لكثيرين، لكن الاستطلاعات كلها أكدت أن الجولة النهائية ستحسم لصالح منافسته من الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، إلا أن ترامب حقق المفاجأة ووصل للبيت الأبيض.

قد يهمك أيضًا: أنا عربي، والكثير مِنَّا سعداء بفوز ترامب

وصول ترامب، العنصري المجنون كما دأبت الصحف ووسائل الإعلام على وصفه، جعل الجميع يتوقعون من الولايات المتحدة سياسات أكثر تهورًا وأكثر ميلًا للصراع، لكن ماذا لو فاجأ ترامب العالم مرةً أخرى، وقاد بلاده والعالم لفترة من الاستقرار والسلام؟ ماذا لو كان الصعود المتزامن لليمينيين المتطرفين في عدة دول عظمى سيدفع العالم أخيرًا نحو شكلٍ من أشكال الاستقرار؟

أمريكا: لو كانت هيلاري


ترامب متحدثًا عن علاقته ببوتين

لو أن هيلاري كلينتون فازت برئاسة الولايات المتحدة كما كان متوقعًا، لشهد العالم صدامًا فوريًا بين أمريكا وروسيا في المسألة السورية ؛ فهيلاري مؤيدة بشدة للتدخل العسكري ضد نظام بشار الأسد، وطالبت بدعم المعارضة المسلحة، ونددت بالأعمال العسكرية التي يمارسها بوتين وحليفه بشار بالتعاون مع النظام الإيراني وحزب الله. وحين كانت وزيرة للخارجية، اختلفت مع الرئيس الحالي باراك أوباما بسبب رفضه تسليح المعارضة. وقد أيدت فرض منطقة حظر طيران وإنشاء منطقة آمنة في الداخل السوري، وهو الخيار الذي تدعمه فصائل المعارضة.

سياسات ترامب عمومًا انعزالية؛ تركز على القضايا المحلية، وتريد تحجيم التدخلات الأمريكية في الخارج.

أما ترامب فقد رأى وقتها أن خطط منافسته في سوريا ستؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، وأكد أكثر من مرة أن البديل للرئيس السوري بشار الأسد هو داعش والإرهاب، مذكرًا بما حدث في العراق بعد إسقاط صدام حسين، كما شكك مرارًا في المعارضة السورية مشيرًا إلى أن أفرادها غير معروفين، وقد يكونون موالين لداعش، وربما أسوأ من الرئيس الحالي بشار الأسد.

سياسات ترامب عمومًا انعزالية؛ تركز على القضايا المحلية، وتريد تحجيم التدخلات الأمريكية في الخارج، وتقليل الدور الدولي للولايات المتحدة، وهي السياسات التي سبق للرئيس أوباما انتقادها في قمة رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، التي تشكل مع الاتحاد الأوروبي أكبر المتضررين من انعزالية ترامب؛ إذ ستترك الأولى في مواجهة الصين، وسيترك الثاني في مواجهة روسيا، دون مساندة أمريكية.

تابعنا على فيسبوك: منشور Manshoor

بريطانيا: وداعًا لأوروبا

العالم أكثر سلاما مع المجانين
بوتين وماي

كان استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نقطة محورية في تاريخ العلاقة بين المملكة وأوروبا، ومع أن التوقعات كلها أكدت فوز خيار البقاء؛ لأن الحزبين الكبيرين حزب العمال والتيار الغالب في حزب المحافظين برئاسة رئيس الوزراء حينها ديفيد كاميرون يدعمان البقاء، حقق مؤيدو الخروج المفاجأة وفازوا، محققين حلم العنصري المجنون نايجل فاراج زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة (يوكيب)، وعلى إثر ذلك صعدت رئيسة الوزراء تيريزا ماي ووزير خارجيتها بوريس جونسون الممثلين لأقصى يمين حزب المحافظين.

الأمن الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية معتمد بشكل كبير على التدخل الأمريكي.

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب سياسات انعزالية أمريكية عبر عنها كثيرًا الرئيس الفائز ترامب والمقربون منه، الذين شككوا في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ورأوا أن على دول شرق أوروبا أن تدافع عن نفسها ولا تنتظر دفاع أمريكا عنها، كل هذا يؤدي لأوروبا شديدة الضعف؛ فالأمن الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية معتمد بشكل كبير على التدخل الأمريكي، وغياب أمريكا مع انسحاب بريطانيا قد يعني انتهاء الاتحاد الأوروبي ككيان مؤثر، بل ربما انتهاءه ككيان أصلًا ، ما يعني ألا مواجهة أوروبية روسية قادمة.

فرنسا: أحلاهما مُر


المرشح الفائز  في انتخابات اليمين الفرنسي فرنسوا فيون، متحدثًا عن الإسلام والحركات الإسلامية

تتبقى فرنسا، التي تتحضر لانتخابات رئاسية مقبلة في 2017، وقد تمخضت الانتخابات الداخلية في صفوف اليمين والوسط عن فوز فرنسوا فيون في الجولة الثانية من الانتخابات على منافسه آلان جوبيه. وكان فيون رئيس الوزراء الأسبق في رئاسة ساركوزي، قد حقق المفاجأة بتقدمه في الجولة الأولى على منافسيه، وهو يخوض المنافسة ببرنامج تقشف ليبرالي قاسٍ، ومع الأداء السيئ لليسار في سنوات حكم الرئيس فرانسوا أولاند، والتفتت الحاصل في صفوف اليساريين، فإن الاستطلاعات تتوقع فوزًا سهلاً لمرشح اليمين فرنسوا فيون.

يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد حقق النصر الكامل.

 لكن زعيمة حزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف مارين لوبان قد تحقق المفاجأة في فرنسا كما حققتها ماي في بريطانيا وترامب في أمريكا . وحتى لو لم تفعل، فمرشح اليمين المرجح فوزه فرنسوا فيون لا يختلف كثيرًا عنها، فهو صديق مقرب للرئيس الروسي بوتين ويدعم التقارب مع إيران وحزب الله، ويتفق مع بوتين وترامب في أن الخطر الأكبر هو تنظيم داعش، وأن التحالف مع بشار وروسيا هو الطريق الأقرب للقضاء على التنظيم الإرهابي، كما حذر من خطورة الإسلام معتبرًا إياه دينًا مُهددًا للقيم الفرنسية.

روسيا: الرابح الأكبر

يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد حقق النصر الكامل؛ ففي الداخل نجح حزب روسيا الموحدة الموالي له في تحقيق الأغلبية المطلقة بفوزه بثلثي مقاعد مجلس الدوما (البرلمان)، وأصبح الطريق ممهدًا لفوز بوتين بولاية رئاسية رابعة عام 2018. وعلى المستوى الدولي، فاز بالانتخابات الأمريكية ترامب الذي مدح الرئيس الروسي وأعلن إعجابه بسياساته، وهو ما يعني عمليًا تقارب روسيا مع عدوها ومنافسها الأكبر عالميًا طوال الفترة الماضية، وسقوط العوائق التي كانت تواجه سياسات روسيا إقليميًا أو عالميًا.

اقرأ أيضًا: كيف أفزعت الأمريكيين قرارات ترامب الأخيرة

قد يؤدي فوز لوبان أو فيون في فرنسا إلى إسقاط العقوبات الاقتصادية على روسيا تمامًا.

كان الاقتصاد هو التحدي الأكبر لبوتين؛ بسبب انخفاض أسعار النفط مصدر الدخل الرئيس لروسيا، والعقوبات التي فرضتها أوروبا على روسيا بعد احتلال شبه جزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا، لكن يبدو أن هذا التحدي في طريقه للحل؛ فثمة مؤشرات على تعافي أسعار النفط، ومؤشرات على قرب انتهاء العقوبات الأوروبية، إذ فشلت أوروبا في إضافة عقوبات اقتصادية جديدة على روسيا بسبب جرائمها في حلب السورية؛ نتيجة اعتراض بعض الدول المرتبطة بعلاقات اقتصادية قوية مع روسيا، وقد يؤدي فوز لوبان أو فيون في فرنسا إلى إسقاط العقوبات الاقتصادية على روسيا تمامًا.

الصين: العاقل الوحيد


الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي يعلن من الصين «انفصال» بلاده عن أمريكا 

من بين الدول الخمس الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، ربما تكون الصين هي العاقل الوحيد وسط هذا الجنون والدراما العالمية ، فهي الأكثر استقرارًا وثباتًا والأقل سعيًا للهيمنة والتدخل. تركز الصين على الاقتصاد ولا تميل للدخول في صراعات أو مواجهات عسكرية تعرقل نموها.

على الأغلب ستستفيد الصين سياسيًا وعسكريًا من وجود ترامب.

وربما كانت معضلة الصين مع أمريكا في الفترات السابقة هي تدخل الولايات المتحدة في العلاقات بين الصين ودول جوارها في شرق وجنوب آسيا، خصوصًا في الصراع على بحر الصين الجنوبي الغني بالموارد، الذي تتنازع الصين السيطرة عليه مع جيرانها الصغار مثل الفلبين وفيتنام وماليزيا وبروناي وتايوان. ومع فوز ترامب فإن ميل أمريكا لدعم دول جوار الصين، عسكريًا بالتحديد، سيقل كثيرًا، وبخاصةٍ مع وجود الرئيس الفلبيني الحالي رودريغو دوتيرتي، الذي وطّد علاقات بلاده مع الصين، وقلصها مع أمريكا على نقيض سياسات أسلافه.

على الأغلب ستستفيد الصين سياسيًا وعسكريًا من وجود ترامب؛ بغياب حليف داعم ومحرض لدول جوارها، لكنها قد تخسر اقتصاديًا؛ إذ هاجم ترامب خلال حملته الانتخابية الصين بشدة على سياساتها الاقتصادية، لكنه ما زال من المبكر التكهن بتفاصيل سياسات ترامب بالنسبة للصين، والصينيون على أي حال يعتبرونه «أهون الشرين».

السلام وحده لا يكفي


مارين لوبان في البرلمان الأوروبي تتهم دولا عربية وإسلامية بدعم الإرهاب

ربما لن تحدث حروب كبيرة، ولا صدامات عالمية في حكم ترامب/بوتين/ماي/لوبان للعالم. قد يشهد العالم فترة سلام نادرة، غالبًا ستصبح اليد الروسية مطلقة في شرق أوروبا دونما معارضة، إلا ربما مواجهات عسكرية شديدة المحدودية من الدول الصغيرة التي تهددها روسيا مثل إستونيا، وهي معارضة ستتمكن روسيا من إخمادها في ثوان معدودة كما فعلت من قبل في جورجيا. أما الصين فربما ستكون حرة في التصرف مع جيرانها، مستفيدةً من غياب الدعم الأمريكي لدول جوارها. إذا حدث هذا، ربما سيكون العالم أكثر توازنًا بتمدد قوة روسيا والصين وتقلص قوة أمريكا.

ستستعيد ديكتاتوريات المنطقة قدرتها على قمع شعوبها دون شوشرة دولية.

وحتى في الشرق الأوسط، ستنتهي الحروب الكبيرة سريعًا، سيستتب الأمر للرئيس السوري بشار الأسد في سوريا بدعم دولي سياسي، ودعم عسكري مباشر من حلفائه الروس والإيرانيين والميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية. وستستعيد ديكتاتوريات المنطقة قدرتها على قمع شعوبها دون شوشرة دولية، وسيؤدي الضغط والتضييق الأمريكي على إيران والسعودية سياسيًا واقتصاديًا إلى كف يد الفاعلَين الأكثر تأثيرًا في المنطقة ، وهكذا تتقلص قدراتهما على التدخل في دول الجوار وتمويل حروب جديدة في المنطقة.

سيشهد مجلس الأمن الدولي توافقًا نادرًا بين أعضائه للمرة الأولى منذ وقت طويل، فكما عبرت مارين لوبان: «توجد حركة عالمية ترفض العولمة غير الخاضعة للمراقبة، والليبرالية المفرطة الهدامة»، وربما نسيت أن تُضيف «وحقوق الإنسان».