عالمنا

خبز خبزتيه: الهجوم الإعلامي على قطر لا يعني أنها ضحية

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني - الصورة: Hindustan Times

كتب جاسم القامس وشيخة البهاويد

استيقظت الشعوب الخليجية والعربية فجر 24 مايو 2017 على وقع حرب إعلامية في مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الخليجي، بعد أحداث دراماتيكية متسارعة بدأت بعد الساعة 12 منتصف ليل الثلاثاء، عندما نشر موقع وكالة الأنباء القطرية تصريحات منسوبة لأمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، خلال حضوره حفل تخريج الدفعة الثامنة من مجندي الخدمة الوطنية نهار الثلاثاء، طالب خلالها دول الخليج بوقف الحملة المناهضة لقطر، مدينًا ربط دولته بالإرهاب.

كان لهذه الجملة وحدها وقعٌ قويّ، كتصريح لأمير لم يعتَد الحديث كثيرًا لوسائل الإعلام، دعكَ من أخذ موقف المناكفة بهذا الشكل.

إلا أن ما تلا ذلك هو ما أسهم في إشعال العاصفة التي حلَّت، إذ أضاف تميم قائلًا، بحسب ما نُسب إليه: «نجحت قطر في بناء علاقات قوية مع أمريكا وإيران في وقت واحد، نظرًا لما تمثله إيران من ثِقَل إقليمي وإسلامي لا يمكن تجاهله، وليس من الحكمة التصعيد معها، خصوصًا أنها قوة كبرى تضمن الاستقرار في المنطقة عند التعاون معها، وهو ما تحرص عليه قطر من أجل استقرار الدول المجاورة».

واصل البيان الذي نشرته الصفحة الرسمية للوكالة وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي: «إننا نستنكر اتهامنا بدعم الإرهاب رغم جهودنا المتواصلة مع أشقائنا ومشاركتنا في التحالف الدولي ضد داعش»، مضيفًا أن «الخطر الحقيقي هو سلوك بعض الحكومات، التي سببت الإرهاب بتبنيها لنسخة متطرفة من الإسلام لا تمثل حقيقته السمحة، ولم تستطع مواجهته سوى بإصدار تصنيفات تجرِّم كل نشاط عادل».

لم يستغرق الأمر طويلًا حتى أثار البيان موجة عارمة من التصريحات والتصريحات المضادة في الإعلام الخليجي الرسمي وغير الرسمي، بعد أن تناقلته وسائل الإعلام متفحصةً تارةً ومستنكرةً تارةً أخرى، فيما تميزت قناتا «العربية» و«سكاي نيوز» الإخباريتان ببث تقارير تشير إلى صلة قطر بالجماعات المتشددة وعلاقة قطر وإيران، في رد فعل إعلامي عنيف.

في الساعة الواحدة و27 دقيقة صباحًا، غرَّد حساب وكالة الأنباء القطرية:

كان مِن شأن هذا أن يخفف الهجمة، خصوصًا مع تزايد حالات الاختراق وتلفيق الأخبار، ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم، إلا أن هذا لم يحدث، إذ تواصل الهجوم الإعلامي على قطر، ممَّا ينُمُّ إما عن هجوم متعمد أو عدم ثقة مبرَّر في نوايا القطريين، نظرًا لتاريخ الخلافات بين الخليج (السعودية والإمارات تحديدًا) وقطر.

ما أثار الريبة هو إصرار قناة «العربية» على دحض الرواية القطرية، إذ نشرت تقريرًا بعنوان «بالقرائن.. موقع وكالة الأنباء لم يكن مخترقًا»، في محاولة لإلصاق التصريحات بالقطريين رغم نفيهم.

التليفزيون القطري يوضح فبركة الشريط الإخباري

لم يقتصر الأمر على الاختراق المزعوم لموقع وكالة الأنباء، بل انتشرت مقاطع فيديو مفبركة، استندت إليها «العربية» (الرابط السابق) و«سكاي نيوز» ومواقع إخبارية أخرى، تشير إلى نقل التليفزيون القطري للتصريحات على شريطه الإخباري، وهو ما أنكرته القناة في أحد تقاريرها، واصفةً ما يجري بـ«المؤامرة».

اللي يحب النبي يضرب

ما الذي يجري؟ هل يتم استهداف قطر في حرب إعلامية؟

لم تتوقف الحرب الإعلامية عند التراشق على قنوات الأخبار، بل شارك عديد من المغردين والإعلاميين السعوديين في الهجوم على قطر، كما حجبت السعودية والبحرين والإمارات المواقع الإلكترونية القطرية، قبل أن تستغل مصر الفرصة لحجب مواقع معارضة، من بينها موقع قناة «الجزيرة».

ذهبت الإمارات إلى أبعد من ذلك، إذ ألغت معسكر منتخبها الوطني لكرة القدم في قطر ونقلته إلى ماليزيا، في خطوة تصعيدية تبين حجم السخط الذي باتت قطر تواجهه من محيطها الخليجي.

أبرز ردود الفعل القطرية كان ما ذكره بيان وزارة الخارجية نسبةً إلى «مصدر مسؤول»، من استغراب قطر «موقف بعض وسائل الإعلام والقنوات الفضائية» التي «استمرت بنشر التصريحات المكذوبة والتعليق عليها»، رغم إصدار مدير مكتب الاتصال الحكومي، الشيخ سيف بن أحمد آل ثاني، بيانًا تضمن إعلان قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية ونفي التصريحات المنسوبة إلى الأمير، والإشارة إلى أن ذلك «يثير أكثر من تساؤل حول دوافع وسائل الإعلام هذه ومراميها».

وفي الخامس من يونيو 2017، أعلن كلٌّ من السعودية والبحرين والإمارات ومصر وجُزُر المالديف والحكومة المؤقتة في اليمن وحكومة شرق ليبيا قطع العلاقات مع دولة قطر، كما أعلنت الدول الخليجية ومصر إغلاق الحدود البرية والبحرية في وجهها، ممَّا يضعها في عزلة عن محيطها، وذلك بعد أن ادَّعت دول الخليج أن قطر تدعم الحوثي الذي تدخل دول الخليج في حرب ضده، وتمول الإرهاب وهو ما أنكرته قطر. 

يدعونا هذا إلى التساؤل: ما الذي يجري؟ وهل يتم استهداف قطر في حرب إعلامية؟ أم أن هناك أسئلة أكبر تُطرح وباتت في حاجة إلى إجابة من القطريين؟

قبل الخوض في ما وراء الحدث من تساؤلات، وجب علينا محاولة الوصول إلى حقيقة التصريحات المنسوبة إلى أمير قطر، إذ عادةً ما تغيب الموضوعية في وسط إعلامي مليء بالاستقطابات بين الدول ووسائل إعلامها، ممَّا يستلزم النظر إلى الحدث بعين فاحصة ومتشككة في السياقات المطروحة من الأطراف كافة.

محاولة لفهم قطر

الحفل الذي زُعم إلقاء خطاب أمير قطر خلاله

لم يكن خطاب أمير قطر عاديًّا، بفرض صحته، فهو يأتي في وقت غير مبرر بعد قمة إسلامية/خليجية/أمريكية في الرياض، تم خلالها تأكيد الأخوَّة وتوحيد الجبهات في مواجهة إيران.

كما أن الآراء التي نُسبت إلى تميم لا يليق، من باب البروتوكول على الأقل، أن تُقال في خطاب لحفل تخريج مجندين، فالمقام غير مناسب، ولا يتسق مع طبيعة الأمير الشاب ذي التصريحات القليلة أصلًا.

غنِيٌّ عن القول، إن صحَّ ما نُسب، أن زيارة أميرية لحفل كهذا وتصريح بتلك الأهمية لا بد أنه وُثِّق بالتصوير التليفزيوني، وهو ما وجدناه بالفعل. إن كان لديك وقت لمشاهدة الحفل، الذي استمر لمدة ساعة، فبإمكانك مراقبة الأمير تميم منذ لحظة وصوله حتى نهاية الحفل دون إلقائه أي تصريحات.

لسنا بصدد الدفاع عن قطر، فلديها من يفعل ذلك، فقد استخدمت على مدار الأعوام الماضية أدوات إعلامية عديدة لتلعب دورًا كبيرًا في المنطقة، فباتت تلك الدولة الصغيرة على ضفاف الخليج أحد اللاعبين الرئيسيين في سياسة المنطقة، مستخدمةً الإعلام للدفع بأهداف سياستها الخارجية التي لم تكن يومًا واضحة الملامح أو العقيدة، بل طالما أحاط الغموض أهدافها من تدخلاتها في دول المنطقة.

قد يعجبك أيضًا: من يدفع ثمن الانفتاح في قطر؟

العامل المشترك بين من تدعمهم قطر هو الإسلام المتطرف، وليس هذا بالأمر المستغرب.

إن كانت قطر تبدو طامحة لنموذج إسلامي ديمقراطي كذلك الذي يقوده إردوغان في تركيا، فإنها ليست دولة ديمقراطية ولا مجال فيها لحرية التعبير. كما أنها تدعم فصائل إسلامية عدة في سوريا والعراق وكذلك ليبيا، منها «جبهة النصرة»، وأسهمت قنواتها الإعلامية بشكل مباشر في تضليل الشارع العربي ونقل أنباء مغلوطة لأجل تأجيج الصراع الطائفي في العراق، أو الانحياز إلى جماعة ضد أخرى في سوريا.

في مقال له على صحيفة «الغارديان»، بعد استقالته من قناة «الجزيرة» عام 2012 اعتراضًا على أسلوب عملها، قال مراسل القناة في سوريا علي هاشم:

«كنت أرى عشرات المسلحين يعبرون الحدود إلى سوريا في إشارة واضحة إلى عسكرة الثورة السورية، وهو ما لا يتماشى مع خط القناة في نشر قصة أنها انتفاضة سلمية، فطلب مني مسؤولي أن أنسى موضوع المسلحين»، مشيرًا إلى أنه كان من الواضح أن هذه التعليمات لم تكن تأتي من إدارة القناة، بل كانت «قرارًا سياسيًّا أخذه أناس بعيدون عن التليفزيون».

العامل المشترك بين من تدعمهم قطر هو الإسلام المتطرف. وليس هذا بالأمر المستغرب، إذ كانت «الجزيرة» دومًا القناة الإعلامية المفضلة للجهاديين، من أسامة بن لادن حتى داعش، مرورًا بقاعدة اليمن.

يقول الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، «روبرت فيسك»، إن علاقة «جبهة النصرة» بقطر تثير الكثير من التساؤلات، إذ تنفي قطر وجود أي صلة مع الجبهة، إلا أن قناة «الجزيرة» التابعة لها أجرت مقابلة مع محمد الجولاني، زعيم «جبهة النصرة»، حاول خلالها تصحيح صورة جماعته المقاتلة وتقديمها بمظهر متسامح.

يضيف فيسك: «لا شك أن للجبهة صلات بقطر، إذ أطلقت مؤخرًا سراح ثلاثة صحفيين إسبانيين كانوا محتجزين في سوريا لمدة 10 أشهر، وإثر ذلك تفاخرت وكالة الأنباء القطرية بدور السلطات القطرية في إطلاق سراحهم».

مقاتل من داعش يحمل علم لا إله إلا الله
الصورة: VOA

تحبِّذ قطر اللعب تحت الطاولة، إذ تُظهر موقفًا بينما تعاكسه وسائل الإعلام التي تتبعها.

يعود تاريخ علاقات قطر مع الجماعات الإسلامية إلى تسعينيات القرن العشرين، إذ أشار «جون هانا»، مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأمريكي الأسبق «ديك تشيني»، إلى أنه خلال عمله بوزارة الخارجية وردت أنباء عن إيواء قطر أحد الجهاديين الذين خططوا لتفجير طائرات مدنية متجهة إلى أمريكا (قبل أحداث 11 سبتمبر بسنوات)، إلا أنه بعد أن تواصل مكتب التحقيقات الفيدرالي مع الحكومة القطرية اختفى ذلك الجهادي، موضحًا أن القطريين أبلغوه بالأمر.

ذكر هانا أن ذلك الجهادي كان خالد شيخ محمد، الذي عُرف بعد ذلك أنه العقل المدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وأن من المعلومات المتواترة أن من آواه في قطر مسؤول كبير ظلَّ في منصبه الحكومي حتى 2013 مسؤولًا عن شؤون الأمن الداخلي.

لا يخفَى عن قطر دعمها للنَفَس الإسلامي عن طريق تأييد جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر وتونس، وتقاربها مع تركيا إلى درجة ما أُثير عن إطلاق أمير قطر اسم «إردوغان» على حصانه.

منذ بدء السياسة الإعلامية القطرية بإطلاق قناة «الجزيرة» عام 1996 وقطر تحبِّذ اللعب تحت الطاولة، إذ تُظهر موقفًا بينما تعاكسه وسائل الإعلام التي تتبعها، فلا تعرف إن كان عليك تصديق الرأي الرسمي أم الرأي الإعلامي. وقد دخلت قطر من بوابة «الجزيرة» في عديد من الصراعات مع دول عربية حتى قبل اندلاع ثورات ما أُطلق عليه «الربيع العربي».

وبالرغم من النزعة الإسلامية للسياسة الخارجية القطرية، فإن تقارب قطر مع الولايات المتحدة واستضافتها قاعدة «العديد» الجوية الأمريكية على أراضيها أمر يدعو للاستغراب، خصوصًا إذا علمنا أن كثيرًا من الطلعات الجوية في الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 كانت تخرج من قطر، على بعد كيلومترات قليلة من مبنى قناة «الجزيرة» التي كانت ذات موقف واضح ضد الحرب.

هنا تكمُن الحيرة في فهم القطريين: هل نصدق السياسة الخارجية القطرية وفتحها أجواءها للطائرات الأمريكية؟ أم نصدق السياسة الإعلامية ممثلةً في قناة «الجزيرة»؟

تساؤلات مشروعة

ستوديو في قناة الجزيرة القطرية
أحد استوديوهات قناة «الجزيرة» - الصورة: ullstein bild

مشكلة العمل في الخفاء أن أحدًا لا يثق بك، وما نُسب إلى الأمير تميم هو محاولة لإخراج قطر من «اللعب تحت الطاولة» إلى اللعب في العلن، وهو موقع جديد وغير مألوف على السياسة الخارجية القطرية ذات الوجهين الإعلامي والرسمي.

لم تتطرق التصريحات القطرية حتى هذه اللحظة إلى مضمون ما نُسب للأمير، بل تجاهد لتوضيح أنه لم يقُله أصلًا. أفلا يحق لأحد أن يسأل إن كان هذا الكلام يعبر عن منطلقات السياسة القطرية؟

إن المسألة اليوم تتعدى اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية ونِسْبَة تصريح إلى أمير الدولة، فما نُسب إلى تميم ليس ببعيد عن سياسة قطر الخارجية كما يتضح من ممارساتها، وإن لم تعلنها بصوت عالٍ، إنما قيلت بالنيابة عنها عن طريق اختراق واستهداف. وسواءً كانت تصريحات الأمير حقيقية أو مفبركة، وبإمكاننا ترجيح أنها مفبركة، لكن أتراها بعيدة عن الواقع؟

لا تتعلق القضية بما إذا كانت التصريحات صحيحة أم لا، بل بما إذا كانت قطر مستعدة اليوم لأن تقف في العلن لتؤكد المواقف التي كانت تتخذها في الخفاء، أو توضح أهداف ومقاصد سياستها الخارجية، فسياسة اللعب تحت الطاولة لم تعُد تجدِ نفعًا.

كانت السعودية حتى وقت قريب في ذات موقف قطر، تحمل الازدواجية نفسها، وتحتضن العديد من الوهابيين المتطرفين في الوقت الذي تدعو إلى السلام والتآخي ومكافحة الإرهاب في العالم.

لكن الفارق بين قطر والسعودية أن الفكر السلفي الوهابي له جذور تاريخية في المملكة يصعب الانسلاخ منه، إلا أنها اليوم تسعى، إلى حدٍّ ما، للقضاء على التشدد، ليس لشيء ولكن لما بات يشكله من خطر على السعودية نفسها. أما مواقف قطر فمدفوعة بأسباب مجهولة لم تصرح بها الدولة، بل تكاد تنكرها.

قد يهمك أيضًا: رغم التناقض الظاهر: 9 تشابهات بين السعودية وإيران

قد ينتهي الأمر بعودة المياه إلى مجاريها، غالبًا بوساطة كويتية، إلا أن أسئلة مهمة سمحت لها هذه الأحداث بأن تُطرح، حول دور قطر في المنطقة ومنطلقاتها وأهدافها، فهي لاعب غامض له أيادٍ كثيرة في عديد من الدول، بينما البلدان الأخرى في المنطقة مثل السعودية لها أهداف واضحة، حتى إن اختلفتَ معها، في ساحات الصراع التي تدخلها.

لطالما استخدمت قطر سلاح الإعلام لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، وها هو اليوم ذات السلاح يُستخدم ضدها. في الخليج يقول المثل «خبز خبزتيه يا الرفلة كليه»، والرفلة تعني «المرأة الخرقاء» التي تفسد ما تؤديه من أعمال، واليوم تتجرع قطر من ذات الكأس الذي سقته للآخرين.

يبدو الإعلام اليوم ذا استقطاب واضح إما مع أو ضد، وكل من تدعمه دولة من أطراف الصراع برز وانكشف، بينما خفت صوت من يتحدث بموضوعية وليس له ناقة في النزاع ولا جمل.

إننا لا نشهد على الأرجح نهاية المعركة، بل بدايتها، وهناك الكثير ليتكشَّف في الفترة المقبلة.

, , , , , ,