فكر فيها

إرث البشرية المهمَل: هل يمكننا الاعتماد على التاريخ الشفهي؟

طوال عصور مديدة، صاغ البشر تاريخهم ومعرفتهم في حكايات وأشعار حُفظت في صدور الناس، وظلت الأجيال تتوارثها بالسماع والحفظ، إلى أن اكتشف الإنسان الحرف ورسوخه، وطاقة الكلمة المكتوبة وموثوقيتها. لكن في أماكن أخرى من العالم، زهد الإنسان في الكلمة المكتوبة ولم يدون تاريخه حتى اليوم.

وبرغم الثراء والزخم الشديد للإرث الإنساني، يهمله بعض علماء الآثار، ولا يُدرس التاريخ الشفهي بوصفه دليلًا أو مادة علمية، لأنه ببساطة حكايا وصلتنا مشافهة عبر أجيال عديدة ولا توجد أي طريقة للتثبت من مصداقيتها، فالبشر ميالون إلى التحريف، ومن التهور التعويل على الذاكرة الإنسانية المخاتلة. 

لكن هل يكفي هذا التبرير لتجاهل إرث إنساني بهذا الحجم؟ يُسائل «ستيفين ناش»، مؤرخ العلوم وعالم الآثار، هذه المسلمة ويفكك هذا الادعاء في مقال نشره موقع «The Atlantic»

لفائف قُمران: خطوة أولى نحو الحقيقة

لفائف البحر الميت (قمران)

يعرفنا المقال إلى مجموعة وثائق أثرية في غاية الأهمية في بحثنا هذا، وهي لفائف قُمران أو لفائف البحر الميت. هذه الوثائق هي التي جعلت التساؤل يبرق في ذهن الكاتب، عندما عكف على دراستها خلال إشرافه على معرض خُصص لها في متحف دنفر للطبيعة والعلوم. 

وُجدت الوثائق في خربة قُمران جنوبي مدينة أريحا عام 1947. عثر عليها صبي يطارد عنزة ضالة، فقاده بحثه إلى كهف كلسي، لكنه بدل العنزة وجد جرارًا أسطوانية تغفو فيها قصاصات ولفائف من البردي منذ ألفي عام في غفلة عن الزمن.

قبل قُمران، كانت أقدم نسخة مكتشفة للتناخ هي مخطوطة لينينغراد، وتؤكد الأبحاث أن نسخة قُمران أقدم بألف عام كاملة. 

اكتشف المنقبون لاحقًا أن هذه الجرار تحتضن أكثر من عشرة آلاف لفافة كُتبت فيها نصوص عبرانية متنوعة، دينية وغير دينية. ويرجح العلماء أن مجموعة من اليهود الإيسينيين (إحدى الطوائف المضطهدة في ذلك الزمن) قد كتبوا ونسخوا هذه النصوص وأخفوها في الكهف. تضم النصوص الوصايا العشر، ولائحة بقوانين مدنية، ونصًا ملحميًا لمعركة متخيلة بين أبناء النور والظلام، وحتى خارطة كنز كُتبت برموز ملغزة من المستحيل فهمها.

لكن أهم ما وُجد في الكهف كان نسخة كاملة من التناخ (أسفار العهد القديم)، باستثناء سِفر أستير. قبل قُمران، كانت أقدم نسخة مكتشفة للتناخ هي مخطوطة لينينغراد. وتؤكد الأبحاث أن نسخة قُمران أقدم بألف عام كاملة. 

المذهل هنا أن العلماء عندما قارنوا بين النسختين وجدوا تطابقًا حرفيًا، مما يجعلنا نطمئن إلى كمية الدقة والأمانة التي ينطوي عليها فعل التدوين.

لكن التدقيق في هذه الوثائق يقودنا إلى موثوقية من نوع آخر. فمن نتائج مجموعة دراسات وأبحاث مشتركة بين علماء آثار وتاريخ ولغويات ولاهوت، نعرف أنه بالرغم من أن عمر لفائف قُمران يقدر بألفي عام، فإن كثيرًا من القصص التي تحويها تقدر بثلاثة آلاف عام. بل إن بعضها يرجع إلى زمن مُلك داوود، عندما لم تكن العبرية لغة مكتوبة أصلًا. يعني هذا أن تلك القصص كانت تاريخًا شفهيًا لقرون قبل أن يدونها يهود قُمران. 

لماذا يهمش العلم التواريخ الشفهية؟

يتساءل كاتب المقال ستيفين ناش مصدومًا: «لماذا تُعتمد هذه الوثائق مرجعًا تاريخيًا موثوقًا، في حين يُهمل تمامًا التاريخ الشفهي لسكان أمريكا الأصليين؟ أليست هذه ازدواجية عنصرية يرفضها المنطق السليم والموضوعية العلمية؟».

يؤكد ناش أن رفض الأخذ بالتاريخ الشفهي بحجة أن التناقل الشفهي للمعلومة سهل التحوير ومن المستحيل التحقق من دقته، حجة واهية، رغم أنها تبدو بديهية ووجيهة للوهلة الأولى. وهي حجة تنطوي على فهم سطحي وجهل فاحش بطبيعة وآلية تناقل التاريخ الشفهي. إذ لم يتناقل البشر بأي شكل من الأشكال تاريخهم كما نتناقل أحاديثنا اليومية، ولا كما يزين الحكواتية قصصهم الشعبية. 

دلائل موثوقية التاريخ الشفهي

الصورة: Vince Smith

يؤكد ناش في مقاله أن كل المجتمعات التي تناقلت تراثها شفهيًا اعتمدت طريقة حازمة لفعل هذا. فمن أجل أن يصير أحدهم راويًا للتراث، كان عليه التدرب لسنوات والخضوع لاختبارات عدة قبل أن يؤتمَن على هذه المهمة. وربما تحضرنا هنا تقاليد وشروط رواية الشعر أيام الجاهلية، إذ طور النقاد وعلماء اللغة آلية يُعرف بها الشعر المنقول بدقة أو المحرف (المنحول)، واشترطوا صفات عدة في الراوي قبل الاطمئنان إلى روايته.

ولا تقتصر ثقتنا في الرواية الشفهية على فهم كيفية ممارستها، بل إن هناك دلائل مادية أيضًا على موثوقيتها. فعلى سبيل المثال، استطاع علماء لغويات وجغرافيا توثيق نماذج من التاريخ الشفوي في أستراليا، تناقل البشر فيها قصصهم بصورة حرفية دقيقة لأكثر من 400 جيل، أي طوال عشرة آلاف عام. 

وينقل ناش عن المؤرخ «روجر إيكو هوك» أن هناك حكايات في التاريخ الشفهي لقبيلة باوني في أمريكا، تصف ما حصل خلال العصر الجليدي الأخير (قبل 11 ألف عام)، بما فيها عبور البشر بحر بيرنغ نحو قارة أمريكا الشمالية. 

يختتم الكاتب مقاله مستنتجًا أن البشر لطالما عاملوا تاريخهم وإرثهم بقداسة، وكانوا يسعون بشدة نحو الثبات والرسوخ، لا التغيير. لقد اعتبروا التغيير تهديدًا وخطرًا لا يُعمَد إليه إلا في حالات الضرورة القصوى. وهكذا، طبقًا للمقال، نستطيع القول بأن تاريخ سكان أمريكا الأصليين الشفهي، وكل التواريخ الشفهية في قارات العالم، هي تواريخ موثوقة.