كيف تشكِّلنا الحرب؟

الملك الذي خدع هتلر: كومبارس روماني اضطر للعب دور البطولة

يون أنتونيسكو (يمين) وملك رومانيا مايكل الأول (الثاني من اليسار) - الصورة: Getty/Ullstein bild Dtl

كانت رومانيا أحد حلفاء هتلر الأساسيين في خطته للحرب ضد روسيا، وأحد مصادره الرئيسية لتزويد جيوشه بالنفط. لكن الليلة، مساء 23 أغسطس 1944، يتغير الحال، وتطوي البلاد صفحة سوداء من تاريخها.

أجواء غير عادية في شوارع رومانيا وبيوتها، الناس يركضون تجاه أجهزة الراديو ليتسمَّروا بجانبها، الأفواه مغلقة والأعين تملأها التساؤلات والآذان تبحث عن إجابات من صوت شاب يعرفونه جيدًا، أتاهم عبر أثير الإذاعة.

اليوم يسقط رئيس الوزراء القوي الذي ظن الناس أنه يملك زمام الأمور في الدولة الأوروبية الشرقية، ففوجئوا بسقوطه على يد ملك لم يتعدَّ عمره 23 عامًا. تلاعب به وبألمانيا وبالفوهرر نفسه: أدولف هتلر، قبل أن يقلب الطاولة على جميع الأطراف ليُحدث تأثيرًا عظيمًا في مسار الحرب العالمية الثانية، ويضع النازيين على الطريق السريع إلى الهاوية.

كيف تمكَّن الملك الشاب من فعل ذلك كله؟

 

سقوط كارول الثاني وصعود مايكل الأول

الملك كارول الثاني (منتصف الصورة) وابنه مايكل الأول (أقصى اليسار) - الصورة: Agence de presse Meurisse

كان هتلر يضع عينيه على النفط الروماني، أما ستالين فكان يرغب في السيطرة على أقاليم رومانية ليجعلها منطقة عازلة على حدوده الغربية.

سبتمبر 1940، كان «كارول الثاني»، ملك رومانيا، في وضع لا يُحسد عليه، إذ إن لعبته انقلبت على رأسه. فهو الذي أراد استغلال الفوضى السياسية في بلاده ليعلنها ملكية ديكتاتورية، وجد نفسه في وجه عاصفة من الغضب والثورة بعد احتلال ألمانيا والاتحاد السوفييتي أجزاءً من أراضي بلاده.

الجيش على صفيح ساخن، وشعبية الفاشيين الرومانيين تتصاعد في الشارع، ما جعل الملك يعتقد أن الحل ربما في تعيين الجنرال العنيف «يون أنتونيسكو» رئيسًا للوزراء، لاسترضاء الجبهتين. لكن ما اعتقده لم يكن صحيحًا، ليجد نفسه مجبرًا على إعلان تنازله عن العرش تحت ضغوط أنتونيسكو نفسه. وفي عمر الـ18 فقط، أصبح ابنه مايكل ملك رومانيا. خطوة ظن حينها رئيس الوزراء أنه أصبح يملك زمام الأمور تمامًا، وكم كان اعتقاده خطأً.

كانت رومانيا في ذلك التوقيت بلدًا ناشئًا، لم يمر على تأسيسه سوى 60 عامًا فقط، لكن ما امتلكته من موارد نفطية هائلة جعلها جزءًا مهمًّا من الاقتصاد الغربي، وأصبحت إحدى القوى الاقتصادية الكبرى تحت حكم كارول الثاني. لكنها كذلك كانت محاصَرة بين نازية هتلر وحلفائه من دول المحور وشيوعية روسيا ستالين.

كان هتلر يضع عينيه على النفط الروماني من أجل دباباته وطائراته، أما ستالين فكان يرغب في السيطرة على أقاليم رومانية ليجعلها منطقة عازلة على حدوده الغربية. وقبل أن تتعارض مصالحهما، عقد الثنائي هتلر وستالين، اتفاقًا بينهما قسَّمَا على أساسه شرق أوروبا بين بلديهما، ليضيع ثلث مساحة رومانيا، الأمر الذي أشعل الموقف ضد الملك كارول الثاني وعجَّل بالإطاحة به.

ملك «كومبارس»

كانت رومانيا تواجه توحش رئيس الوزراء أنتونيسكو الذي أصبح ديكتاتور غير معلن، حتى إنه أطلق على نفسه لقب «القائد».

رحل كارول الثاني إلى المنفى بصحبة عشيقته، وصعد ابنه مايكل على العرش، لكن وجوده كان اسمًا دون سلطة حقيقية. فقد أصبح رئيس الوزراء أنتونيسكو الحاكم الفعلي لرومانيا، إذ عزل الملك الجديد عن كل ما يتعلق بحكم بلاده وسلطته، كما يروي وثائقي «The King Who Tricked Hitler»: «في ذلك الوقت لم يكن بإمكاني معرفة ماذا يحدث حقًّا، لأنه لم يجرِ إخباري بأي شيء، وكنت أحاول أن أفهم ما يحدث من هنا ومن هناك»، يحكي مايكل بعدها بسنوات في حوار مع «Oral History».

رغم ذلك، شعر الجنرال بأن الملك يحتاج إلى من يسانده ويعلمه. لذلك أرسل في طلب عودة والدته بشكل عاجل إلى البلاد، الأمر الذي ربما ندم عليه لاحقًا. يتذكر الملك مايكل تلك اللحظات في الوثائقي: «عادت أمي عقب رحيل والدي، كنت ممتنًّا جدًّا لأنتونيسكو بسبب هذا الأمر. لقد رتبه على الفور، لا أعلم ماذا كنت سأفعل وكيف كنت سأقاوم إذا لم تكن أمي معي».

تحت قيادة أنتونيسكو، الموالي للألمان، وجد الملك نفسه مجبرًا على لقاء هتلر. تلك اللحظات التي رواها بلسانه قائلًا: «استقلينا القطار وذهبنا إلى برلين لنرى ماذا هناك. تناولنا الغداء مع هتلر، ولم يكن الأمر محببًا على الإطلاق». ربما كانت هذه وجهة نظر مايكل، لكن الفوهرر الألماني، على الجانب الآخر، كان يرى مايكل شابًّا صغيرًا غير متعلم.

في كواليس اللقاء، يتذكر الملك أن هتلر أخبره بضمانه عدم دخول الولايات المتحدة الحرب، الأمر الذي شعر الملك معه بأن ألمانيا أصبح من غير الممكن إيقافها. أما بلاده، فكانت في الوقت نفسه تواجه توحش أنتونيسكو الذي أعلن تعليق العمل بالدستور، ليصبح ديكتاتورًا غير معلنًا، حتى إنه أطلق على نفسه لقب «القائد»، ما فسره الملك مايكل قائلًا: «لقد كان يغار من كل شيء يحدث حوله. كان يحب أن يكون الأول، لذلك أطلق على نفسه لقب (كونداكاتور)، والذي يعني القائد كالفوهرر».

في 23 نوفمبر 1940، وقَّع أنتونيسكو اتفاقية تحالف مع ألمانيا وإيطاليا، إذ رأى في ذلك، الطريقة الوحيدة لإنقاذ رومانيا من أنياب الروس. أما بالنسبة إلى هتلر، فكان التحالف مع رومانيا يعني امتلاكه الجيش الروماني، ثالث أكبر جيوش دول المحور، والأهم أنه بذلك التحالف، ستصبح حقول النفط الرومانية مُسخَّرة من أجل آلة الحرب النازية.

«نعلم أن ثلث موارد النفط التي كانت تحت أيدي ألمانيا النازية، في أثناء الحرب العالمية الثانية، كان في رومانيا»، توضح «أنيلي غاباني»، من مؤسسة العلوم والسياسة ببرلين. يوافقها في الرأي «ماتي كازاكو»، البروفيسور بالمركز الوطني للدراسات العلمية في باريس، الذي قال في الفيلم الوثائقي: «خطَّط هتلر للحرب، وكان في احتياج إلى النفط. لهذا كان يحتاج إلى رومانيا».

كانت طبول الحرب تدق. أما الملك، فكان في عالم آخر، منعزلًا تمامًا عما يحدث حوله: «أتت والدتي صباح أحد الأيام وقالت لي: أتعلم؟ جميعنا الآن في حرب. فقلت لها: ماذا؟ كيف؟ فقالت إنها سمعت على الإذاعة البريطانية أن رومانيا أعلنت الحرب على روسيا»، يروي الملك ما يتذكره من تلك الأحداث التي وقعت في يونيو 1941.

كان «هتلر» أطلق حينها عملية «بارباروسا» مهاجمًا الاتحاد السوفييتي، وأعلن «دميته» الجنرال «يون أنتونيسكو» الحرب على الاتحاد السوفييتي بدوره، إلا أنه لم يخبر ملك بلاده بالقرار، الأمر الذي فسره بشكل تعجَّب له مايكل الأول: «طلبته على التليفون وقلت له: ما هذا؟ لا أحد يخبرني حتى بذلك؟ وكانت لديه البجاحة، بشكل ما، لأن يقول لي: لكنني اعتقدت أنك ستراه في الجرائد».

رومانيا على طريق النهاية

الصورة: 44th Bomb Group Photograph Collection

رغم عدم إعجابهم الشديد بالألمان، فإن الشعب الروماني لم يكن معارضًا للحرب، بل رآها فرصة لاستعادة أراضيه المحتلة من السوفييت. وبعد حصار دام شهرين، استطاع الرومانيون تحقيق الانتصار في أولى معاركهم بأوديسا، لتخرج الجماهير إلى الشوارع احتفالًا. لكن الانتصار على الجانب الآخر شهد مذبحة لآلاف اليهود في أوديسا، وعلى الحدود الرومانية الأوكرانية جُمِعَ مئات الآلاف من اليهود وأُرسِلوا إلى معسكرات الإبادة.

في ذلك الوقت، كان الحاخام اليهودي مقرَّبًا للملك: «كان الحاخام يعطيني معلومات عما يحدث، وأخبرت والدتي فقالت: حسنًا. هذا لا يمكن أن يستمر أكثر من ذلك، علينا فعل شيء»، يروي الملك. في ما شرح «دينيس ديليتانت»، البروفيسور بجامعة جورج تاون الأمريكية، أن الملكة الأم «هيلين»، أعلنت معارضتها الممارسات ضد اليهود بشكل واضح في عدة مناسبات، «ولهذا السبب قيل إن هتلر اقترح على أنتونيسكو أن يتخلص منها».

كان على رومانيا أن تجد طريقها لإنهاء التحالف مع هتلر، تلك الرغبة التي امتلكها الملك وعدد من السياسيين، ولم يشاركهم فيها رئيس الوزراء.

على الجانب الآخر، كانت الحرب التي بدأت بشكل رائع بالنسبة إلى الرومانيين، بدأت تحول مسارها لتصبح كابوسًا يطاردهم. وتكبَّد الجيش الروماني خسائر كبيرة في ستالينغراد، ولم يشعر أنتونيسكو بأنه يحصل على الدعم الكافي من ألمانيا، الشعور الذي نقله في عدة مناسبات إلى الفوهرر ذاته، إلا أن الأخير لم يستمع له قط.

رغم ذلك، لم يطرح الجنرال فكرة إنهاء التحالف مع هتلر، فقد كانت بالنسبة إليه مسألة وعد عسكري رآه أهم من مصلحة دولته، حسب وصف الملك الذي قال: «سأذهب إلى النهاية مع هتلر».

ربما هي النهاية بالفعل، تلك التي كانت تنتظر رومانيا مع استمرارها في الحرب. ولأول مرة، انتقلت الحرب إلى داخل الأراضي الرومانية، وأصبحت رومانيا في مرمى القاذفات الأمريكية التي تمركزت في بني غازي بليبيا. وفي 4 إبريل 1944، قُذِفت العاصمة بوخارست لأول مرة منذ بداية الحرب.

كان الوضع يتعقد مع تقدم السوفييت على الأرض وغارات الأمريكان من الجو، وكان على رومانيا أن تجد طريقها لإنهاء التحالف مع هتلر، تلك الرغبة التي امتلكها الملك وعدد من السياسيين البارزين في الدولة الذين تعرضوا للتهميش، ولم يشاركهم فيها رئيس الوزراء.

خطة الإنقاذ

يون أنتونيسكو (يمين) والملك مايكل الأول (يسار) - الصورة: Atiriq

«اجتمعتُ بمن يمكن أن تطلق عليهم المعارضة، الأحزاب التاريخية: الحزب الليبرالي وحزب الفلاحين الوطني وبعض الأشخاص المستقلين. أنشأنا مجموعة، وكان لدينا كثير من الأمور لنناقشها على مدار العام، حول الفكرة الرئيسية: يجب أن نخرج من الحرب»، يروي الملك.

أنتونيسكو كان يتحكم في الجيش. لذلك، كان الشخص الذي عليه الخروج من الحرب وطلب هدنة، وطُرح السؤال: وماذا إذا رفض؟

في بدايات 1944، أرسل الملك مندوبين سرًّا إلى القاهرة عبر أنقرة، «ذهبوا إلى القاهرة ليخبروهم بشكل واضح، بأننا ضقنا ذرعًا بالحرب، ونرغب في الخروج منها لأنها ليست حربنًا الآن».

وفيما يأمل مايكل ورجاله في أن يتفاوضوا بشكل مباشر مع الأمريكان والبريطانيين، أُرسِلت التلغرافات السرية بين بوخارست والقاهرة، فأخبره الأمريكان والبريطانيون بأن عليه أن يُعلِم السوفييت برغبته، لكن السوفييت استغلوا الموقف ليتواصلوا بشكل مباشر مع أنتونيسكو، غير أن رئيس الوزراء الروماني لم يكن يثق في الروس. ومع عدم الوصول إلى اتفاق مع الأمريكان والبريطانيين في القاهرة، كان على الملك مايكل الأول أن يتخذ المبادرة ويلعب دور البطولة.

آمن مايكل الأول بأن مواطنيه سيساندونه، وأن صمتهم نابع فقط من الخوف. أما على الجانب الآخر، علم هتلر أن شيئًا ما يحاك في بوخارست، إلا أنه لم يتوقع أن يكون الملك نفسه وراء هذا الأمر. ولم يستطع أحد معرفة الحقيقة، حتى السفير الألماني الذي قال يومًا إنه يعرف بسقوط ورقة شجر في رومانيا.

«لحسن حظنا، علم الغستابو والخدمة السرية أننا نحضر لشيء ما، لكنهم كانوا يظنون أنه على المستوى السياسي. ما لم يعلموه أنه كان على المستوى العسكري، وهذا فاجأهم تمامًا»، يحكي مايكل الأول. كان الملك وأعوانه داخل الجيش يجهزون لتحرك سيقلب خارطة الحرب رأسًا على عقب.

يروي الملك أن «أنتونيسكو كان يتحكم في الجيش. لذلك، كان الشخص الذي عليه الخروج من الحرب وطلب هدنة، وطُرح السؤال: وماذا إذا رفض؟ حسنًا، إذا لم يفعل ذلك، فسنفعله بأنفسنا، لكن علينا أن نتخلص منه».

تقررت المواجهة الأخيرة بين الملك وأنتونيسكو يوم 24 من أغسطس 1944، إلا أن الملك ومعاونيه من السياسيين ورجال الجيش، اكتشفوا أن الجنرال كان سيرحل إلى الجبهة في ذلك اليوم، ليتقدم الموعد بشكل عاجل إلى يوم 23، لتكن اللحظة التي وصفتها «هيئة الإذاعة البريطانية» بـ«لحظة مجد الملك».

ساعة الصفر

دعا الملك مايكل الأول رئيس وزرائه إلى قصره، وهناك انتظر معه جنراله المخلص «كونستانتين ساناتسكو»، وأخفى نقيبا وثلاثة جنود داخل غرفة جانبية، في انتظار وصول رئيس الوزراء، ليصل الأخير متأخرًا عن موعده نصف ساعة، عاشها مايكل وساناتسكو على أعصابهما.

طال الحديث بين الملك ورئيس وزرائه لنحو الساعة. لخَّص ما قيل فيها في حواره بوثائقي «The King who Tricked Hitler»: «باختصار، قلنا له إن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لا يمكننا الدفاع عن أنفسنا. الروس أقوياء جدًّا، وعلينا أن نخرج من الحرب»، وأعطى الملك أنتونيسكو فرصة أخيرة للتخلي عن هتلر، إلا أنه رفض بشكل قاطع، مؤكدًا أنه أعطاه كلمة شرف كضابط، واستمر في الرفض، فيما حاول الجنرال ساناتسكو الحديث معه بالمنطق، لكنه لم يستمع، كما وصف الملك المشهد.

تروي هيئة الإذاعة البريطانية أن الملك طالب أنتونيسكو بالاستقالة، ليرد عليه الأخير قائلًا: «ماذا؟ وأترك الدولة في أيدي طفل؟». هنا لم يجد الملك خيارًا سوى أن يتفوه بكلمة السر المتفق عليها: «أنت تتركني بحل بديل واحد فقط»، كما توضح صحيفة «The Independent» البريطانية، ليخرج الجنود الثلاثة وقائدهم من الغرفة الجانبية ويعتقلوا رئيس الوزراء.

أعقب ذلك استدعاء مساندي أنتونيسكو إلى القصر الملكي، ليحضروا دون علم بالانقلاب، ليتعرضوا بدورهم للاعتقال والتحفظ عليهم في الغرفة التي اعتاد والد مايكل، الملك كارول الثاني، وضع مجموعته من الطوابع فيها.

بعد أربع ساعات من اعتقال الديكتاتور الروماني، ألقى الملك مايكل الأول خطابًا إلى الشعب أعلن فيه وقف إطلاق النار على الجبهة السوفييتية، وإنهاء التحالف بين رومانيا وألمانيا، والانتقال إلى معسكر الحلفاء. عقب انتهاء إذاعة خطاب الملك مباشرة، انطلقت الجماهير لتملأ الميدان المواجهة للقصر احتفالًا بانتهاء التحالف مع الألمان، وامتلك الملك في هذه اللحظة مساندة الشعب والجيش معًا.

رد فعل هتلر وألمانيا

هتلر وإلى يمينه يون أنتونيسكو - الصورة: German Federal Archives

أما في ألمانيا، وبمجرد وصول الأخبار إليه، أصدر الفوهرر أمرًا من ثلاثة كلمات فقط: «دمِّروا المؤامرة الرومانية». وفي رد فعل سريع، قصفت الطائرات الألمانية القصر الملكي الروماني في بوخارست، إلا أن الملك كان قد غادره بعدما أتته معلومات عن رد الفعل الألماني. كان رد الفعل غاضبًا، لكن ما فعله السفير الألماني «مانفريد كيلينغر» كان يتعدى هذه النقطة، إذ شعر بالإهانة بعدما خدعه شاب في الثالثة والعشرين من عمره، هو المحارب القديم في الحرب العالمية الأولى ورجل السياسة المخضرم، ليطلق الرصاص على سكرتيره الشخصي قبل أن ينتحر في الثاني من سبتمبر 1944.

شجاعة كبيرة تحلَّى بها الملك الشاب عند انقلابه على الرجل الأقوى في بلاده. شجاعة أثنى عليها الرئيس الأمريكي «هاري ترومان»، وحصل بسببها الملك على تكريمات من روسيا والولايات المتحدة، فيما وصف بطل القصة تلك اللحظات قائلًا: «كان قرارًا صعبًا جدًّا، رغم أننا قررنا اتخاذه. كان لدينا حظ كبير. يمكنني أن أقول إن الأمر كان في يد الله بشكل ما، لأنه كان أمرًا خطيرًا جدًّا جدًّا ونجح».

دخل الروس إلى بوخارست بعد أسبوع من الانقلاب، «لم يكن هناك أي مواجهات. فقط مروا في الشوارع، لم يحرروا أي شيء على الإطلاق»، يقول الملك، ويضيف: «نحن انتهينا من الألمان في 48 ساعة. عندما وصل الروس إلى هنا لم يكن هناك شيء يفعلونه، نحن استطعنا أن نأخذ 50 ألف سجين من أكبر رتبة إلى أصغر جندي. وحين وصل الروس إلى بوخارست لم يكن هناك أي ألمان، كانوا قد انتهوا».

خسر هتلر مئة ألف رجل اعتُقِلوا جميعًا، وخسر مصدره الأساسي للنفط، ومنطقة البلقان بالكامل، فيما كان لانقلاب رومانيا تأثير مباشر في الحرب العالمية الثانية. إذ يُعتقَد أنه سرَّع من انتهاء الحرب بنحو 200 يوم، حسب دراسات أعدها مؤرخون بريطانيون، وكما يؤكد وثائقي «The King who Tricked Hitler».

الصدمة

رغم إنقاذ الملك الشاب بلاده من الألمان، فإن ما حدث بعد ذلك كان أبعد ما يكون عن ما يتمناه. في أكتوبر 1944، اتفق رئيس الوزراء البريطاني مع ستالين على تقسيم الغنائم. إذ أعطى الأول إلى الثاني 90% من السلطة في رومانيا، مقابل حصول بريطانيا على المثل في اليونان، لتنتهي سريعًا فترة الحرية والاستقلال، وتصبح رومانيا تحت الاحتلال السوفييتي بشكل فعلي، كما تروي صحيفة «The Guardian» البريطانية.

بعد سنوات قليلة من انقلابه الشجاع، كان القدر يخبئ للملك مصير والده. إذ أُجبِر على التنازل عن العرش بعد انقلاب نفَّذه الشيوعيون في ديسمبر 1947، ليرسَل إلى المنفى، ويُتوفى في منزله بسويسرا بعدها بـ70 عامًا، عن عمر يناهز السادسة والتسعين.

, ,