عالمنا

الحكومة الشعبوية: هل تصطدم إيطاليا بالاتحاد الأوروبي؟

«جوزيبي كونتي» رئيس الوزراء الإيطالي الجديد - الصورة: Getty\Antonio Masiello

بينما يجول «ماتيو سالفيني»، زعيم حزب «الرابطة»، شوارع روما وسط الصحفيين في جدية تامة، ساعيًا إلى حل أزمة حكومة لم تولد بعد، انتبِه إلى جدارية «Amor Populi» (في حب الشعب) التي تُظهِره وهو يُقبِّل خصمه السياسي «لويدجي دي مايو»، زعيم حركة «النجوم الخمسة». ابتسم سالفيني قائلًا: «ولكن لديَّ تفضيلات أخرى».

بعدها بدقائق معدودة أزيلت الجدارية، لكن إسقاطاتها لا تزال معبرة عن ما يدور في أذهان الإيطاليين. خصمين في الانتخابات تحولا إلى حليفين في الحكومة «حبًّا في الوطن».

أصوات الشعب المُقسَّمة بين شمال البلاد المؤيد لحزب الرابطة، والجنوب الداعم لحركة النجوم الخمسة، خَلَق حالة من التوتر السياسي والاقتصادي في مخاض أول حكومة شعبوية في إيطاليا، تماشيًا مع موجة صعود الأحزاب الشعبوية في كل أنحاء أوروبا.

فنتائج الانتخابات لم تسمح لأي من للتكتلات الرئيسية المتنافسة (تحالف يمين-وسط، وتحالف يسار-وسط، وحركة النجوم الخمسة) بتشكيل الحكومة كنتيجة طبيعية لقانون النسبية الذي لا يسمح لأي تكتل أو حزب الانفراد بالحكم، وبالتالي كان لزامًا على أكثر حزبين حصولًا على الأصوات التحالف مع بعضهما رغم الخلافات، أو الانتظار طويلًا إلى انتخابات قادمة خلال عام، وهو خيار كان سيرسخ حالة التجمد السياسي والتذبذب الاقتصادي، ليس فقط في إيطاليا، ولكن على مستوى الكتلة الأوروبية بأكملها.

جذور الأزمة

تقدم تحالف اليمين واليمين المتطرف في الانتخابات الإيطالية

نتائج الانتخابات الإيطالية في الرابع من مارس 2018 نسفت ماضي إيطاليا السياسي الذي استمر لعقود في حالة استقرار أشبه بالسُبَات. فقد حصلت حركة النجوم الخمسة الشعبوية التي دخلت عالم السياسة حديثًا في عام 2009، على أكثر من 30% من مجمل الأصوات، وحصد حزب الرابطة اليميني على ما يقرب من 18% من نسبة الأصوات، بعد حصوله على 4% فقط خلال الانتخابات السابقة.

في المقابل، حصل كل من حزب «فورتسا إيطاليا» الذي يرأسه رئيس الوزراء الإيطالي السابق «سيلفيو بيرلوسكوني»، والحزب الديموقراطي برئاسة «ماتيو رينتسي» الذي شكَّل الحكومة قبل السابقة، على فُتات الأصوات التي بقيت من معاقلهم سابقًا في أقاليم الشمال.

تحوُّل المشهد السياسي بأكمله لم يُدهِش رئيس الحكومة السابقة، ماتيو رينتسي، الذي رآه نتيجة طبيعية لرفض الأغلبية من الشعب الإيطالي الاستفتاء على «الإصلاحات الدستورية» التي اقترحها في ديسمبر 2016.

كان رينتسي أكثر السياسيين تحمسًا لتلك الإصلاحات التي ستحد من سلطة مجلس الشيوخ ليحصرها في إقرار الإصلاحات الدستورية، والتصديق على معاهدات الاتحاد الأوروبي، لتتوسع في المقابل سلطات مجلس النواب تيسيرًا لإصدار التشريعات، ووأدًا للبيروقراطية في البلاد، وتغييرًا للنظام السياسي في إيطاليا القائم منذ 1948 على أساس النظام التشريعي الثنائي الذي ينص على الموافقة التامة لكلا المجلسين لسن كل القوانين.

حينها لم يعنِ التصويت مع أو ضد الإصلاحات الدستورية الحؤول دون، أو تسهيل، وصول الشعبويين إلى سدة الحكم، وقد قويت شوكتهم، بل تحول إلى مجرد استفتاء على أداء حكومة رينتسي الذي أعلن أنه سيستقيل من منصبه، وسينهي مسيرته السياسية إذا ما رُفِضَت إصلاحاته.

لم يكن أداء حكومته بالمستوى المطلوب بسبب ارتفاع البطالة، واستراتيجيته الضعيفة في مواجهة أزمة الهجرة، إضافة إلى رغبة الشعبويين إبقاء النظام السياسي كما هو. كل العوامل كانت ضد رينتسي في رحلته الإصلاحية. استقال رينتسي من رئاسة الحكومة، وكذب في إنهاء مسيرته السياسية.

الطريق إلى قصر «المونتيشيتاريو»

«ماتيو رينتسي» - الصورة: Official website of Ali Khamenei

 قابل الرئيس الإيطالي، القاضي «جوزيببيه كونتيه» في مقر الرئاسة وكلفه بتشكيل الحكومة المُنتَخَبة من تحالف حزب الرابطة وحركة النجوم الخمسة.

بعد وصول حركة النجوم الخمسة الشعبوية وحزب الرابطة اليميني إلى مقر البرلمان الإيطالي بمجلسيه «الشيوخ» و«النيابي» بقصر «المونتيشيتاريو»، والهزيمة المدوية للحزب الديمقراطي، استقال ماتيو رينتسي من زعامة الحزب لينضم إلى صفوف المعارضة مستقلًّا من أجل «فتح صفحة جديدة داخل الحزب». ورغم مخالفته لوعده بإنهاء مسيرته السياسية منذ 2016، فإنه اتهم أكثر الحزبين حصولًا على أصوات الناخبين بأن أدار حملاته بالكذب في ما يخص استحالة تحالفهما لتشكيل حكومة معًا.

في مساء يوم إعلان النتيجة، الرابع من مارس، كانا الحزبين المتنافسين المنتصرين يبحثان عن سبل التعاون والتحالف من أجل تسريع تشكيل الحكومة على ضوء نسب الأصوات في نتيجة الانتخابات.

بالرغم من انعدام تطابق البرامج التي قدمها كلا الحزبين، فإن هناك أوجه تقارب تجعل التحالف ممكنًا.

كلا الطرفين كان ملف الهجرة على رأس أولوياتهما، فقد وعدت حركة النجوم الخمسة بتحسين التعاون الدولي الرامي إلى إعادة المهاجرين إلى أوطانهم، والمراجعة الدورية لتقييم المهاجرين، كل على حدة، إذا كان لهم الحق في البقاء أو الترحيل. في المقابل، كان حزب الرابطة أكثر راديكالية لأنه وعد بسن قانون يعاقب على الهجرة غير الشرعية، لأن «الإسلام لا يتوافق مع الدستور الإيطالي»  وفقًا لتصريح زعيمه سالفيني. وبالتالي من المستحيل حصول أي مهاجر على الجنسية الإيطالية في ظل حكم الحزبين.

على المنحى الاقتصادي، اتفق الحزبان أيضًا على تقليل الإنفاق الحكومي على السياسيين، والذي كان أحد أهم ملامح برنامج حزب الرابطة. وطلب سالفيني من دي مايو سن القوانين بسرعة وشفافية من أجل استقطاع تلك المصاريف. واتفقا على تعديل قانون المعاشات الذي كان يسمح للمواطن بالتقديم على المعاش عند وصوله إلى سن 41 لإقرار سن المعاش عند 62.

ويتشارك الحزبان نفس الانتقادات ضد سياسات التقشف وقيود الميزانية التي تفرضها أوروبا، واتفقا على مناقشة ملامح التعامل الجديد مع الاتحاد الأوروبي، دون الخروج من منطقة اليورو. وسيتجاهل كلا الحزبين ما يقره الاتحاد الأوروبي بشأن عدم تجاوز الدَّين العام في إيطاليا إلى 3% كحد أقصى.

بذلك الاتفاق، نحى الحزبان خلافاتهما الجوهرية حول ضريبة الدخل سواء الضريبة الثابتة التي دعا إليها حزب الرابطة، أو الضريبة النسبية بقيمة 15% التي أيدتها حركة النجوم الخمسة. وأجَّل الطرفان نقطة الخلاف بشأن الإنفاق على الجيش، سواء حزب الرابطة الذي يدعو إلى زيادته من أجل إحكام الأمن، أو رؤية حركة النجوم الخمسة التي تؤيد الاستقطاع منه.

في مساء 21 مايو 2018، قابل الرئيس الإيطالي «سيرجيو ماتاريلا» القاضي «جوزيببيه كونتيه» في مقر الرئاسة بقصر «الكوينيراليه»، وكلفه بتشكيل الحكومة المُنتَخَبة من تحالف حزب الرابطة وحركة النجوم الخمسة. رحب كونتيه بدعوة الرئيس، وقدم نفسه على أنه «المحامي المدافع عن الشعب الإيطالي، دون كلل أو ملل». لكنه ما لبث أن استقال بعد تكليفه بستة أيام فقط، بعد تسمية الحزبين للوزراء، اعتراضًا على تكليف أستاذ الاقتصاد «باولو سافونا» بحقيبة وزارة الاقتصاد.

استقالة كونتيه كان استجابة لـرفض رئيس البلاد تسمية سافونا وزيرًا للاقتصاد، في أول صدام بين ماتاريلا والأغلبية الحزبية في البرلمان. فسافونا كان معروفًا برؤيته الراديكالية بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي رآه «قفصًا اخترعه الألمان لكل البلدان الأوروبية»، ويرى أن تطبيق اليورو مكَّن رواجًا اقتصاديًّا وصناعيًّا في ألمانيا من خلال إصدار قروض رخيصة الى اقتصادات جاراتها الأضعف، وبالتالي تزايدت ديون جاراتها التي فقدت السيادة النقدية.

وفقًا لرؤية الحزبين الفائزين، فإن سافونا الأقدر على تولي حقيبة وزارة الاقتصاد نظرًا لخبرته ومجهوداته والجوائز المحلية والعالمية التي حصدها. لكن «رجل المشاكل» في كل مؤسسات الداخل والخارج لم يَرُق لرئيس البلاد بسبب آرائه بشأن علاقة إيطاليا بالاتحاد الأوروبي.

لم يتمكن الخلاف على شخص سافونا وزيرًا للاقتصاد من العصف بالعلاقة بين الرئيس وحزبي البرلمان لرغبة كل الأطراف في الاستقرار، ولأن الدستور يكفل للرئيس الحق الكامل في الموافقة والاعتراض، ويكفل للبرلمان حق الاقتراح فحسب. برر الرئيس وجهة نظره بأنه لا يتدخل في ما اختاره الشعب، ولا حتى إذا أراد الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكنه وضع في الحسبان الأسواق العالمية التي تزلزلت ضد مصالح الإيطاليين بمجرد تسمية سافونا وزيرًا للاقتصاد.

عاد كونتيه إلى منصبه رئيسًا للوزراء بعدما أسنِدَت حقيبة وزارة الشؤون الأوروبية إلى سافونا بدلًا من الاقتصاد، وأُعلن التشكيل الوزاري الجديد في الأول من يونيه 2018.

على مشارف «إيطاليكسيت»؟

إذا فشلت الحكومة الجديدة في تطبيق أجندتها سيصاب الناخبون بخيبة الأمل، وتعود إيطاليا إلى حالة السبات لتنتخب الأحزاب التقليدية.

هنأ الشعبويون الأوروبيون حلفاءهم في إيطاليا على كسب ثقة الشعب. لتبدأ أول حكومة إيطالية ذات طابع شعبوي مهامها في إطار تدشين حقبة جديدة من صدام إيطاليا مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

بالوعود والسياسات التي أقرها المنتصرون الشعبويون، أعاد الموقف السياسي في إيطاليا إلى الذاكرة مشهد الحكومة اليونانية التي تولت مهامها عام 2015، ووعدت بإنهاء التقشف وإعادة المفاوضات بشأن الديون. لم تفشل الحكومة اليونانية حينئذ في ما وعدت به فقط، بل طالبت بمزيد من الديون، وهو النموذج الذي لا تريد الحكومة الإيطالية الجديدة التشبه به. لكن السياسيين الإيطاليين يدركون جيدًا ثقل بلادهم، لأن الاختلاف بين البلدين هو أن اقتصاد إيطاليا أكبر بكثير من اليونان، وبالتالي تمثل إيطاليا تهديدًا أكبر بشأن الخروج من منطقة اليورو.

المفاوضات التي وعدت ببدئها الحكومة الإيطالية بشأن القوانين المالية التي تمليها المفوضية الأوروبية تكاد تكون مستحيلة، لأنها تضع استمرار منطقة اليورو على المحك. الأوقع أن يغض الاتحاد الأوروبي الطرف عن السياسات الاقتصادية التي ستتخذها إيطاليا، ولو لفترة قصيرة لامتصاص الغضب، لأن الاتحاد الأوروبي إذا ما اتخذ العناد ردًّا لأفعال إيطاليا، ستتفاقم الأزمة ويتعرض الاتحاد الأوروبي إلى التفكك، بعدما انسحبت بريطانيا منه بالفعل، وإن كانت لا تزال تراوغ حتى اللحظة في مفاوضات الخروج.

وإذا فشلت الحكومة الجديدة في تطبيق أجندتها سيصاب الناخبون بخيبة الأمل، وتعود إيطاليا إلى حالة السبات لتنتخب الأحزاب التقليدية، أو ستتخذ الجماهير زعماء يتخذون قرارات منفردة دون الرجوع إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وحتى دون مفاوضات، وبالتالي ستكون هناك فرصة بكل تأكيد للشعوبيين الأكثر راديكالية.