عالمنا

داعش: جماعة متشددة أم «عصابة» على الطراز الإسلامي؟

الصورة: Getty/Universal History Archive

في أعقاب الصعود السريع لداعش، وإعلانه قيام الخلافة الإسلامية في 2014، ودعوته الفصائل الجهادية إلى مبايعة أبي بكر البغدادي خليفةً للمسلمين في كل مكان، توالت أخبار عن أن التنظيم يضم في صفوفه أفرادًا من جنسيات مختلفة، من بينها أوروبية، اجتمعوا للدفاع عن أرض الخلافة وتوسيع رقعتها.

وردًّا على الوحشية الكبيرة التي ظهر بها داعش، نشأ تحالف دولي يضم قرابة 60 دولة، التزم بشن الحرب على التنظيم والقضاء عليه، قبل أن يتوسع إلى مناطق أكثر ويحقق انتصارات ميدانية قد تُصَعِّب مهمة محاربته.

تمكن التحالف، بمعية القوات المحلية التي يدعمها، من تحقيق انتصارات مهمة، فقد استطاع استعادة نحو 65% من الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش في العراق، وما يقرب من ثلث الأراضي التي كانت خاضعة له في سوريا، وانتهت المواجهات الأخيرة في يوليو2017 بتحرير مدينة الموصل، إحدى أهم معاقل التنظيم.

بالموازاة مع القتال الجاري على الأراضي العراقية والسورية، لم ينحسر شبح تهديد داعش كليًّا، إذ تبنى التنظيم استراتيجية قتالية مختلفة بتنفيذ هجمات إرهابية في عديد من الدول الغربية والعربية، ناقلًا المعركة إلى أرض خصومه، مما أدى إلى رفع درجة الاستنفار المطلوبة لمواجهة خطره المتزايد.

معظم الهجمات المنفذة باسم داعش في أوروبا وأمريكا، التي وصل عددها إلى 51 وراح ضحيتها 395 قتيلًا وأكثر من 1549 جريحًا، نفذها أفراد يحملون جنسيات البلدان التي ارتكبوا فيها تلك الاعتداءات. يطرح هذا تساؤلات عدة حول كيفية تغلغل الفكر المتطرف إلى عقول المشاركين في الاعتداءات الإرهابية، الذين بلغ متوسط أعمارهم 27 عامًا، حتى أدَّى بهم في نهاية المطاف إلى تنفيذها، وإن لم تصلهم تعليمات مباشرة من مسؤولي التنظيم.

في محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات، يعرض مقال منشور على موقع «The Conversation» بعض الآراء التي قد تُسهِم في فهمٍ أفضل لعقلية المنضمين إلى صفوف ما يُطلَق عليه تنظيم الدولة الإسلامية، وتفسير عوامل الجذب المميزة لهذه الجماعة وغيرها من الجماعات المتطرفة.

أسباب مختلفة للالتحاق بداعش

كيف تكونت الجماعات الجهادية الإسلامية المتطرفة؟

سياسة التجنيد التي يتبعها داعش تقوم على قبول أعضاء من داخل الأراضي الخاضعة لسيطرته والمجاورة لها وكذلك من الخارج. ووفقًا لتقارير إعلامية، فاعتبارًا من عام 2013، كان عدد المقاتلين في التنظيم يتراوح بين 17 و19 ألفًا في العراق وسوريا.

قد يكون الإحساس بالتمكين الذي يخلقه الانتماء إلى مجموعة معروفة بعنفها الشديد من الأسباب التي تدفع البعض للالتحاق بداعش.

بحلول عام 2015 كان عدد الأعضاء قد صار 30 ألفًا، أي أكثر مما يكفي لتعويض الـ15 ألف مقاتل الذين قُتلوا في حملات القصف التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وجاء أكبر عدد من العرب المنحدرين من أماكن أخرى غير سوريا والعراق من السعودية وتونس، إضافةً إلى مقاتلين قدموا من أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا والقوقاز.

يشير علماء الاجتماع إلى مجموعة من الأسباب التي تدفع إلى الانضمام لداعش، ويؤكدون أن بعض من جرى تجنيدهم في العراق وسوريا ينخرطون في التنظيم لأنهم يؤمنون برسالة التنظيم وأفكاره، في حين ينضم آخرون رغمًا عنهم، بينما يلتحق بعضهم بصفوف المقاتلين لأسباب تتعلق بالمال أو الانتقام أو المشاعر الطائفية، أو جراء وعود بالسلطة والسبايا.

كذلك، يرجح بعض علماء الاجتماع أن الإحساس بالتمكين الذي يخلقه الانتماء إلى مجموعة معروفة بعنفها الشديد، وحالة الاستياء المتزايدة من المجتمع من قِبل المسلمين الأوروبيين، الذين يعانون الفقر والتمييز داخل بلدانهم، قد تكون من بين الأسباب التي تدفعهم إلى الالتحاق بالتنظيم.

التطرف ليس وحده السبب

لماذا ينضمون إلى تنظيم داعش؟

نعجز أحيانًا عن شرح كيف أن أفرادًا من داعش كانوا يشربون الخمر ويدخنون قبل مباشرتهم ارتكاب أعمال العنف.

كثير من الهجمات التي نُفذت تحت لواء داعش كان وراؤها أفراد مستقلين يعملون دون تلقي أوامر مباشرة من القيادة، وتقول إحدى النظريات إن هذه «الذئاب المنفردة»، كما بات يطلق عليهم، تتعهد بالولاء لجماعة داعش نتيجة تحولهم إلى متطرفين متشددين عبر اتصالهم بأفكار ومعتقدات التنظيم.

عملية التطرف التدريجية التي يخضع لها هؤلاء تجعلهم أكثر عُرضةً للأفكار الجهادية، فبعد أن ينقطعوا عن الشبكات الاجتماعية التي توفر لهم الدعم النفسي وتمدهم بنظام القِيَم الغالب في المجتمع، يتشربون شيئًا فشيئًا الثقافة الدينية المتشددة، سواء بمفردهم أو تحت إشراف جهادي من أعضاء التنظيم، لتكون الحصيلة ما عاينَّاه في الاعتداءات التي هزت العالم.

لكن هذا النموذج قد يكون غير كافٍ عمومًا، فمسيرة التطرف التي يمر بها منفذو الهجمات لا تفسر بأي حال لجوء بعضهم، قبل أن يغادروا صوب أراضي الخلافة في سوريا، إلى اقتناء كتيبات توجيهية للتعريف بالإسلام والقرآن، من أجل ملء الثغرات في تكوينهم الديني الموجز.

يعجز النموذج كذلك عن شرح كيف أن أفرادًا التحقوا في ما بعد بتنظيم داعش كانوا يترددون على البارات، ومن بينها بارات المثليين الجنسيين، ويدخنون ويشربون الخمر، وكانت لهم حبيبات غربيات قبل مباشرتهم ارتكاب أعمال العنف بوقت قصير، وتوضيح الكيفية التي يصير بها شخص ما متطرفًا بهذه السرعة ودون أي مقدمات.

كالانضمام إلى عصابة

مروان علي يشرح أسباب التحاقه وتركه الجماعات الجهادية المتطرفة

التفسير الشائع هو أن نمط حياتهم هذا كان غطاء يحتمون خلفه حتى تحين ساعة تنفيذ الاعتداءات، إلا أن عددًا من الخبراء يجادلون بأن نموذج التطرف ذاك ينبغي الاستعاضة عنه بنموذج مختلف أكثر دقة.

فبدلًا من الانضمام إلى ثقافة دينية مغايرة جذريًّا للثقافة التي نشؤوا في أحضانها، ينجذب هؤلاء الأفراد إلى تنظيم داعش لأن أعماله ترسخ نظام القيم الثقافية السائد عند المهمَّشين والذين يُظهرون أعراض اضطرابات الشخصية المعادية للمجتمع، حسب تصريح هؤلاء الخبراء.

قد يكون سبب الالتحاق بصفوف التنظيم أنه يتبنى نظام قيم يؤكد مفاهيم الرجولة والعدوانية، ويغذي في نفوس أعضائه الرغبة في تحقيق الرضا الفوري العاجل، وربما يكون الباعث هو الثقافة المشجعة على الخلاص من خلال العنف والتضحية بالنفس، والعقلية التي تختزل المرأة إلى شيء يحقق المتعة للرجل.

في هذه الحالة، يكون المنضمون من البلدان الغربية  إلى تنظيم داعش مثل أعضاء عصابات الشوارع المألوفة في الإطار الغربي، مما يعني أن داعش لا تعدو أن تكون «عصابة على الطراز الإسلامي»، تعبث في المناطق الخاضعة لها دون قيد أو رقيب.

, , , ,