عالمنا

الحياة المزدوجة لأولاد «الأكابر» في إيران

الصورة: sasha_sobhani

شاب إيراني لديه عدة سيارات فارهة، وآخر ينظم حفل زفاف أسطوريًّا، وثالثة تقضي الصيف في أوروبا. يبدو الوصف مشابهًا لما يفعله الأغنياء في منطقتنا العربية، وما يفعله الأغنياء في كل زمان. لكن لماذا يثير أغنياء إيران، أو «آقازاده‌های» (أولاد النخبة)، كل هذا الجدل والغضب الآن؟

ساشا سبحاني: لا تقدر على كسب المال؟ الأفضل أن تموت

ينشر صورًا له على إنستغرام وهو يقود سيارات فيراري ومرسيدس باهظة الثمن، وصورًا أخرى وهو يحتسي الكحول  ويمسك رُزَمًا من الدولارات، ويتنقل بين الفلل الفاخرة فى عدة دول مثل تركيا والإمارات. عندما انتقده متابعوه من الإيرانيين بأنه يستفز الشعب الذي تعاني غالبيته من الفقر وظروف اقتصادية سيئة، طالبهم بأن يكفوا عن الحسد ويذهبوا لجمع الأموال بدلًا من انتقاده: «وإن لم تستطيعوا، فالأفضل أن تموتوا».

ساشا سبحاني يبلغ من العمر 30 عامًا، والده سفير إيران السابق لدى فنزويلا، وكان مقربًا من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

حصل ساشا على شهادة في إدارة الأعمال، ويعيش بين تركيا ودبي وقطر، وحتى الآن لا يعرف أحد مصدر رزقه بالتحديد.

يظهر كل فترة ليثير الجدل باتهامه في قضايا وتبرئته منها بعد أيام قليلة. ففي 2017، استضاف حفلًا بمنزله في طهران، ووقع اشتباك قُتل خلاله شاب من الحاضرين. اتهمه الأمن بالتورط في مقتل الشاب، لكن ساشا استطاع أن يخرج من القضية بسهولة، ويثبت أن الشاب قُتل خارج منزله ولا علاقة له بالأمر.

فى بداية 2018، نشر ساشا سبحاني صورة له وخلفه فتاة عارية تمامًا. أعلنت السلطات الإيرانية أنه متهم بنشر الفاحشة، وسيُلقَى القبض عليه فور عودته إلى طهران، لكنه استطاع النجاة أيضًا، وأعلن الأمن أن الصورة مفبرَكة.

رغم أنه ابن أحد السياسيين المحسوبين على التيار المحافظ، فإن ساشا لا يعترف بذلك إطلاقًا. إذ يظهر على مواقع التواصل الاجتماعي يشرب الخمر ويدخن، ويفعل كل ما يتنافى مع مبادئ الجمهورية الإسلامية وتعاليمها.

ربما تحمَّله والده كثيرًا، لكنه يئس في النهاية وأعلن أنه لا علاقة له به، وهو ما أكده ساشا بنفسه: «لم أعد طفلًا. أعيش نمط حياة مختلفًا عن أبي، لذلك علاقتنا مقطوعة منذ فترة طويلة».

في لقائه الوحيد مع الصحافة الإيرانية، رفض سبحاني وصفه بأنه من أولاد النخبة، وأكد أنه صنع نفسه بنفسه، ولم يعتمد على أموال والده ومنصبه ولو لمرة واحدة في حياته. لكن كيف؟

يزعم ساشا أنه من خلال عمله في الترجمة استطاع أن يجني بعض الأموال، افتتح بها مكتب مراهنات على سباقات الخيول. يصف حياته بأنها عادية للغاية، ويبرر ذلك بأنه لم يتلقَّ تعليمه في أوروبا، مثل أبناء باقي المسؤولين، ويتنقل بين تركيا ودبي للعمل فقط. لكن الإيرانيين لا يصدقون كلامه المنافي تمامًا لصوَره.

ظهر اسمه مرة أخرى في قضية غسيل أموال تورط فيها بعض المسؤولين من حكومة أحمدي نجاد. وكالعادة نفى ساشا التهمة: «يريدون إلقاء اللوم على أي شخص. أقول للإيرانيين: اذهبوا وفتشوا عن السارق الحقيقي».

عند متابعتك حسابه على إنستغرام، ستجد بجانب صور الخمور والفتيات العاريات صورًا له وهو يؤدي فريضة الحج في مكة، وصورًا أخرى وهو يزور مدينة كربلاء لإحياء ذكرى الحسين.

لا يرى ساشا سبحاني شيئًا مثيرًا للدهشة في ذلك: «أفعل ما أريد في أي وقت. إذا أردت شرب الخمر أشربه، وإذا أردت زيارة كربلاء أزورها. فأنا أحب الحسين والخمور».

حميد رضا عارف: سر نجاحي ليس منصب أبي، بل جيناتي الجيدة

ليس ساشا النموذج الوحيد للغَني المثير للجدل في إيران. هناك آخرون، منهم حميد رضا عارف.

«سر نجاحي في الحياة جيناتي الجيدة، جينات من أمي وأبي»، هكذا يفسر عارف نجاحه، وكونه واحدًا من أشهر رجال الأعمال في إيران وهو دون الأربعين.

حميد، ابن السياسي الإصلاحي المشهور وعضو البرلمان محمد رضا عارف، امتلك أكبر حصة في شركة «إيرانسل» للاتصالات في سن الرابعة والعشرين. حينها كان والده وزيرًا للاتصالات.

نفى حميد حصوله على أي مساعدات من والده، وبرر نجاحه بالجينات الجيدة. أما والده فدافع عنه، وأكد أن كلامه استُخدم بشكل سيئ، وأن ابنه «لطالما كان تلميذًا متفوقًا، وهذا يفسر نجاحه الآن».

أمير محسن مراديان وأناشيد حسيني: زفاف إيراني أسطوري

لقطات من الزفاف الأسطوري

في مايو 2018، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران. وفي أغسطس، دخلت المرحلة الأولى من العقوبات الأمريكية على طهران حيز التنفيذ، ووصلت العُملة المحلية إلى مستويات عالية من الانهيار.

بينما يعيش الإيرانيون في يأس ويعانون شُحَّ السلع اليومية الأساسية، كان نموذج آخر للأثرياء المثيرين للجدل، وهو أمير محسن مراديان ابن سفير إيران لدى الدنمارك، يحتفل وعروسه، مصممة الأزياء أناشيد حسيني، بزفافهما في واحدة من أرقى قاعات الأفراح في طهران وأعلاها تكلفة، وسط عدد من المشاهير والمسؤولين.

تسربت صور ومقاطع فيديو من الزفاف الأسطوري إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتوالت التعليقات الغاضبة، وقدَّر بعضهم تكاليف الحفل بملايين الدولارات.

بعد أيام من الجدل، وفي أحد برامج الراديو، بدأ المذيع حسيني حلقة برنامجه بصوت غاضب مؤكدًا أن «السيدة أناشيد (...) تمتلك مئات الماركات الفاخرة، ليس لدينا واحدة منها في إيران، ليس لدينا أي شيء في إيران».

أكمل حسيني انتقاده، وذكَّر المسؤولين بأن طفلًا عمره 10 سنوات أقدم على الانتحار، بعد أن باعت أمه دراجته كي تقدر على إطعام الأسرة: «بينما تأكلون أفخر أنواع الطعام في أرقى القاعات، انتحر طفل لا يملك ثمن الغذاء».

دخل المذيع في نوبة غضب جعلت مديرة المحطة تقطع البث عن البرنامج، بينما الرجل يصرخ: «حان وقت الموت».

أغلب أبناء النخبة السياسية يدرسون في أمريكا، رغم أنهم لا يتوقفون عن وصفها بـ«الشيطان الأكبر».

 يبدو أن حديث الإيرانيين عن الزفاف أصاب العريس بالضيق، فأعلن أن تكاليف حفل الزفاف كانت من ماله الخاص الذي عمل ليل نهار لجمعه.

العروس أناشيد حسيني، التي تمتلك ماركة حقائب نسائية خاصة بها، تباع في أرقى المحال التجارية في إيران ولا يشتريها إلا الصفوة، شعرت بالضيق هي الأخرى، فظهرت في مقطع مصوَّر لترد على منتقديها، وتؤكد أن غالبية ملابسها إما غير أصلية، وإما حصلت عليها هدية بهدف الترويج لتلك العلامات التجارية، بحكم أنها تمتلك عددًا كبيرًا من المتابعين على إنستغرام: «ثمن سيارتي لا يتعدى 20 مليون تومان (475 دولارًا)، ومنزلي مساحته 90 مترًا فقط، ووالدي ليس مسؤولًا حكوميًّا. أرفض أن يقال إني من أبناء النخبة».

الرد الأكثر إثارة للدهشة جاء من والد العريس، السفير مرتضى مراديان، الذي وصف الحفل بأنه «تقليدي»، ويشبه أي حفل زفاف إيراني.

أبناء النخبة يفضلون الدراسة في جامعات «الشيطان الأكبر»

معظم أبناء النخبة السياسية في إيران يدرسون في الخارج، غالبًا في أمريكا، رغم أن المسؤولين لا يتوقفون عن وصف الولايات المتحدة بأنها «الشيطان الأكبر». وإذا أراد طالب «عادي» استكمال دراسته في أمريكا، سيمر برحلة عذاب بسبب عدم وجود سفارة في طهران، ويضطر للسفر إلى تركيا أو الإمارات لاستكمال أوراقه هناك، وهو ما لا تقدر عليه الغالبية.

عيسى هاشمي، الابن الأكبر لمعصومة ابتكار نائبة الرئيس روحاني، يبلغ من العمر 36 عامًا، ويدرس الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا، وفقًا لما كان يؤكده حسابه على موقع لينكد إن، لكنه حذف ذلك الجزء بعد أن أثير الجدل.

الصحفية الإيرانية «بروين» (اسم مستعار) راسلت قسم الدراسات العليا في جامعة كاليفورنيا للتأكد من أن عيسى يدرس هناك، لكن الجامعة لم تؤكد أو تنفِ، ورفضت الإفصاح عن معلومات الطلبة.

لكن لماذا الاهتمام بعيسى هاشمي، فهو ليس الوحيد من أبناء المسؤولين المحافظين الذي يدرس في الولايات المتحدة؟

بالعودة إلى عام 1979، عندما أعلنت مجموعة من الطلبة الإيرانيين احتلال السفارة الأمريكية في طهران وأخذ موظفيها رهائن، كانت هناك طالبة ترتدي الشادور وتتحدث الإنجليزية بطلاقة أمام كاميرات وسائل الإعلام، تلك الطالبة هي معصومة ابتكار، التي أعلنت كراهيتها لأمريكا مرارًا وتكرارًا.

تزوجت معصومة من محمد هاشمي، الذي كان واحدًا من منفذي العملية. والآن، بعد أن ترك منصبه وزيرًا للاستخبارات، صار واحدًا من أشهر رجال الأعمال في إيران، وأرسل ابنه إلى الولايات المتحدة ليستكمل دراسته وحياته في البلد الذي طالما حذر الإيرانيين منه.

توضح بروين تروي لـ«منشور» أنه بعد انتشار أخبار عن وجود عيسى في أمريكا، حاولت التواصل مع معصومة لكنها رفضت التعليق. شخص واحد من مكتبها فقط تواصل معها ليؤكد أن عيسى يدرس هناك بالفعل، لكنه «غير مسؤول عن تفسير هذا».

حملة «أين طفلك؟»

بعد الأخبار المتداوَلة عن أبناء النخبة الإيرانية، وعن ثرواتهم ومناصبهم الحكومية الرفيعة، دشن الإيرانيون حملة على تويتر باسم «أين طفلك»، هدفها أن يجيب المسؤولين عن: أين يعيش أبناؤهم؟ أين يدرسون؟ ما المناصب التي يتقلدونها؟

استجاب بعض المسؤولين مع الحملة، فأعلن وزير الخارجية جواد ظريف أن لديه ولدين، كلاهما يعيشان في طهران، ولا يعملان في الحكومة. بينما أكد سيد عباس صالحي، وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، أن لديه ولدين وابنة واحدة، الابن الأكبر لا يعمل في وظيفة حكومية، والثاني تخرَّج في الجامعة في 2018، أما الابنة الصغرى فما زالت في المرحلة الابتدائية.

جاء أغلب إجابات المسؤولين المتفاعلين مع الحملة متشابهة: أبناؤنا في إيران، وليسوا في مناصب حكومية. لكن الصحفي الإيراني «فرشاد» يؤكد أن الإجابات كلها «ساذجة» وتزيد شكوك الإيرانيين: «مَن قال لهم إن عدم تولي أبنائهم مناصب حكومية يحميهم من شُبهة الفساد؟ مؤخرًا، أُلقي القبض على اثنين من أبناء أحد المسؤولين متورطين في قضايا سلاح وفساد مالي، ولا يعملان في الحكومة».

يكمل فرشاد حديثه ساخرًا: «الغباء المنتشر بين المسؤولين هو الذي سيقضي عليهم قريبًا، وإجاباتهم عن تلك الحملة أكبر دليل على غبائهم».

, , , , ,