عالمنا

استنفدت أغراضها: انقلاب اليمين الغربي على العولمة

الرئيس الأمريكي السابق «رونالد ريغان» يشرح خطته الاقتصادية للشعب الأمريكي - الصورة:  Happyme22

يمكننا أن نصف العصر الذي نعيش فيه بأنه عصر صعود «الأممية اليمينية»، على حد تعبير «يانيس فاروفكيس»، الاقتصادي اليساري وزير مالية اليونان السابق. ما كان في السابق خطابًا حصريًّا لليسار العالمي، وهو نقد العولمة، أصبح الآن في يد اليمين. لقد كسب اليمين من تَبنِّيه خطاب نقد العولمة، ما لم تحصده الحركات اليسارية المناهضة للعولمة منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين حتى الآن.

الانقلاب الذي ظهر في الخطاب الاقتصادي اليميني الحالي، يبدو محفزًا للتفكير بشكل كبير حول علاقة العولمة باليمين تاريخيًّا، وليس فقط في اللحظة الحالية، والتي تشهد صعود خطاب اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، مرتكزًا على عدة خطابات، أبرزها عداء العولمة والمؤسسية التي نتجت عنها.

في أوروبا على سبيل المثال، كان «البريكست»، أي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يرتكز على خطاب عداء المؤسسية الأوروبية أو «الموظفين غير المنتخبين في بروكسل»، (مقر الاتحاد الأوروبي).

بينما في الولايات المتحدة، ومع صعود ترامب إلى الواجهة، كان خطابه وخطاب مؤيديه مرتكزًا على العداء لمؤسسة التجارة العالمية، ولاحقًا المحكمة الجنائية وكل ما يمثل في نظر اليمين الأمريكي «موظفين غير منتخبين». دافع ترامب في أحد خطاباته عن تلك النزعة القومية المعادية للعولمة، ووصفها بأنها كانت السبب المباشر في تدهور معيشة الطبقة الوسطى الأمريكية.

زيادة الجمارك والإجراءات الحمائية، كانت بداية اللحظة الأكثر دراماتيكية في علاقة اليمين الأمريكي بالعولمة. لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن تذهب المؤسسة الأمريكية بالأمر إلى هذا الحد. ذلك الحد التي تنسحب فيه أمريكا من اتفاقيات التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (النافتا)، وتفرض رسومًا جمركية بقيمة 250 مليار دولار على البضائع الصينية. إذًا، ما الذي أوصل الأمور إلى هذا الحد؟ ولماذا انقلب اليمين على العولمة؟

شكلت العولمة في العقود الأخيرة ظاهرة كبيرة يصعب، بل من المستحيل في بعض الأحيان، تتبع جوانبها المختلفة. هناك العولمة الثقافية التي أتاحت للصين أن يكون فيها عدد متحدثي الإنجليزية أكبر من بريطانيا والولايات المتحدة معًا. في هذا السياق، كانت العولمة عبارة عن تعميم عدد من القيم الثقافية والسياسية والاقتصادية على العالم.

أفكار مثل حرية التجارة والاتفاقيات التجارية الإقليمية والعالمية وتقليل التعريفات الجمركية والسماح بدور أكبر للشركات متعددة الجنسيات في الاقتصاد العالمي، شكلت حجر الأساس في نسختنا الحالية من العولمة. لم تكن تلك الأفكار وليدة «النيوليبرالية» وحدها كنظرية اقتصادية أو مجموعة من السياسات الاقتصادية، لكنها كانت نتاج عالم ما بعد الحرب الذي هيمنت فيه الولايات المتحدة على العالم بكل الأشكال الممكنة.  

عادة ما ترتبط العولمة بالتغيرات الاقتصادية الكبيرة التي أنجزتها الحكومة الأمريكية المحافظة في عهد «رونالد ريغان» في ما يتعلق بالاقتصاد، أي تقليل الرقابة القانونية على الاقتصاد ككل، وأسواق المال والبنوك، ما سمح لما يسميه الاقتصاديون الماركسيون «رأسمالية الافتراس» أن تظهر.

تنامي دور القطاع المالي في الاقتصاد، أفضى لاحقًا إلى أزمات عدة منذ الثمانينيات، منها أزمة «نهاية التسعينات» في دول جنوب شرق آسيا، والتي حفزتها مضاربات البورصة وهروب رؤوس الأموال، ما أدى إلى أزمة ديون وانهيار عملات النمور الآسيوية.

أيضًا «فقاعة الدوت كوم» في أمريكا بداية الألفية الثالثة، والتي كانت مدفوعة بالمضاربة والاستثمار الكثيف في أسهم شركات التكنولوجيا. وأكبر الأزمات على الإطلاق في 2008، والتي امتدت من القطاع العقاري الأمريكي لتشمل الاقتصاد ككل. آخر تلك الأزمات هي أزمة الديون السيادية الأوروبية في دول الجنوب الأوروبي (اليونان وإيطاليا والبرتغال)، والتي جاءت باليمين أخيرًا لسدة الحكم في إيطاليا، ممثلة في حركة «الخمس نجوم» التي تبدو الأكثر اتساقًا وراديكالية في عدائها للعولمة، من ناحية الخطاب السياسي.

أشباح الشيوعية، وملائكة اليمين

الصورة: National Archives at College Park

قبل الحرب العالمية الأولى، كانت التعريفات الجمركية بين الدول الصناعية الكبرى في أدنى مستوياتها تاريخيًّا. كانت الرأسماليات الصناعية الكبرى منتشية بالفائض الاقتصادي الذي أنتجته في القرن الأول للرأسمالية، والذي امتد طوال القرن التاسع عشر. لكن بعد الحرب العالمية الأولى تغير الأمر.

في عشرينيات القرن العشرين، وتحت وطأة الكساد الكبير، حاولت الدول حماية الوظائف التي تعني في نفس الوقت حماية العمال من شبح الشيوعية الذي يخيم على العالم.

كان اليمين في تلك الفترة، في سدة الحكم بمعظم الدول الصناعية الكبرى. لجأ اليمين إلى حماية الوظائف، من هنا نشأت السياسة الاقتصادية «إفقار الجار»، التي تعني أنه لكي يحقق المواطنون معدلات جيدة من الدخل، ينبغي التغلب على دول الجوار في الإنتاج، من خلال زيادة الطلب على السلع المحلية، ومن ثمَّ زيادة أسعار السلع المستورَدة عن طريق الجمارك، ما يعطي السلعة المحلية قيمة تنافسية أكبر.

غذَّى عداء العولمة صعود النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والمحافظين في بريطانيا.

مثلًا، إذا كانت ألمانيا تنتج سلعة بجودة أعلى من بريطانيا، وسعر أقل، فيجب أن يُواجه هذا بأن تفرض بريطانيا رسومًا جمركية كبيرة على هذه السلعة، حتى تُشجَّع صناعتها المحلية التي تُشغِّل العمال، لئلا يفقدوا وظائفهم في ظل هذا الكساد. أدى إفقار ألمانيا إلى صعود النازية والحرب العالمية الثانية. لكن بشكل عام، كانت هذه السياسة ناجعة إلى حد كبير في تحجيم خطر ثورات العمال، وبخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، رغم أن الوضع الاقتصادي كان سيئًا للغاية، فإن تلك الإجراءات الحمائية أسهمت في تقليل الخطر.

في فترة بين الحربين، غذَّت ألمانيا واليابان وإيطاليا مشاعر قومية معادية للنسخة الأولى من العولمة. كان الشعور القومي من يحكم التجارة العالمية، ولذلك، فإن من يشتري السلع غير الألمانية، فهو ألماني سيئ. كان هذا العصر الذهبي لليمين الشعبوي.

سواء في الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى أو في الأخرى الخاسرة، كان الشعور القومي معاديًا لتحرير التجارة. غذَّى عداء العولمة صعود النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والمحافظين في بريطانيا، إذ تبنت كل هذه الدول سياسة عدائية ضد تحرير التجارة وسياسات حمائية غرضها الأساسي الحفاظ على الوظائف في ظل الكساد الكبير.

استمرت هذه السياسة في ظل «الإجماع الكينزي»، الذي يعني أن تدخُّل الدولة في الاقتصاد كمحفز للنمو، شيء جيد. لذلك جرى تعميم نموذج دولة الرفاهة الاجتماعية في أوروبا والولايات المتحدة. تراجعت في ظل هذا الإجماع الكينزي (بين الحربين) أفكار التجارة الحرة، واستمرت التعريفات الجمركية. كان التأثير الإيجابي الملموس لتلك السياسة هو زيادة نصيب العمال من الدخل القومي، في الدول الصناعية الكبرى، في فترة بين الحربين.

لكن الحرب العالمية الثانية جاءت لتُنهي هذا الإجماع الكينزي. ليس بشكل كامل بالطبع، إذ عمدت الولايات المتحدة بعد الحرب لفتح الباب مرة أخرى أمام التجارة الحرة. تأسست اتفاقية «الجات» بإجماع تلك الدول الكبري، ففعلت ما لا يمكن أن تفعله أي اتفاقية أخرى، في تقليل التعريفات الجمركية. حتى «منظمة التجارة العالمية» التي تأسست في 1995، لم تنجح في ما نجحت فيه الجات.

كانت الجات تقضي بأنه كي تستفيد جميع الدول من مزايا التجارة الحرة، فعليها أن تقلل التعريفات الجمركية. بالطبع لم تستفد كل الدول من هذا، فليس لدى الدول غير الصناعية ما تصدره من منتجات عالية القيمة المضافة، التي تعني أنها قد تستفيد من ميزة التعريفات الجمركية القليلة، وتتيح لها قدرة النفاذ إلى الأسواق الكبرى.

كان هذا في صالح الدول الصناعية بالمركز الرأسمالي، وبخاصة الولايات المتحدة في العشرية المجيدة (1950–1960)، التي أغرقت فيها السوق الأوروبية والآسيوية بالبضائع المعفاة من الجمارك.

كانت الولايات المتحدة الدولة الكبرى الوحيدة التي احتفظت بقاعدتها الصناعية سليمة بعد الحرب، ولذلك غذَّى الإنتاج الصناعي الأمريكي الاقتصاد العالمي بالسلع والخدمات. ظل الأمر هكذا إلى أن جاءت السبعينيات، وبدأ الميزان التجاري الأمريكي يميل قليلًا بفضل صعود اليابان وأوروبا مرة أخرى إلى الواجهة.

أصبحت البضائع الأمريكية في منافسة شرسة مع البضائع اليابانية، وخصوصًا في قطاعات الصناعات الإلكترونية والسيارات. مثلًا، غزت السيارات اليابانية السوق الأمريكية منذ منتصف السبعينيات، مدفوعة بأزمة أسعار الطاقة، لأن تلك السيارات كانت أرخص وأقل استهلاكًا للوقود.

في نهاية فترة ريغان، تحديدًا في 1987، حاولت الإدارة الأمريكية تقليم أظافر اليابان الصاعدة بقوة إلى المسرح العالمي، عن طريق فرض تعريفات جمركية على البضائع اليابانية، ما أجبر اليابان على التفاوض والرضا بحصص محددة من السوق الأمريكية.

اليمين وحروب التجارة

الصورة: Mikhail Svetlov

حضر دونالد ترامب المنتدى الاقتصادي العالمي في 2018، بينما يصرح بأن دعم الولايات المتحدة للصين، للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في 2001، كان خطأ جسيمًا. ففي تلك الفترة التي انضمت فيها الصين إلى المنظمة، كان مناهضو العولمة اليساريون الذين يدعون لما يسمى «عولمة الجنوب»، يعارضون انضمام بكين.

«جوزيف ستيغليتز»، الاقتصادي ذو النزعات اليسارية، والحاصل على «نوبل» في الاقتصاد، أكد في كتابه «كيف نجعل العولمة تعمل؟»، أن «قواعد اللعبة (أي العولمة) وضعتها الدول الكبرى. يتضح ذلك في سيطرة التفكير النيوليبرالي على أجندة المؤسسات الدولية التي تقع في يد هذه الدول». صاغت المرحلة الحالية من العولمة السياسات النيوليبرالية، التي ترى في تدخل الدولة في السوق أزمة كبيرة وخللًا لا يمكن التعايش معه. إذًا، هل خفت هذا الإجماع النيوليبرالي؟

الإجابة: «لا». ما زالت الأفكار النيوليبرالية الرئيسية مؤثرة، وبخاصة في بلد المنشأ (الولايات المتحدة). تحتفظ تلك الأفكار بنسختها المختلفة عن اليمين، الذي يمثل بتياره الأوسع «الجمهوريين» تحالفًا واسعًا لعدة أيديولوجيات تضم «الجاكسونيين» (نسبة إلى الرئيس السابق أندرو جاكسون)، والتي تطورت لتشمل أفكارًا مختلفة من الجناح الليبرالي والمحافظ في السياسة الأمريكية. يعبر الجاكسنويون عن عداء كبير لواشنطن والمؤسسة الرسمية التي تقصي الأغلبية.

لذلك، تطور هذا الخطاب ليشمل العداء لكل الساسة التقليدين. أيضًا يشتمل التحالف على خليط من أفكار حرية السوق والديمقراطية، والمدافعين عن سياسات داخلية، منها تقليص الحكومة الفيدرالية لصالح حكومات الولايات، مع عدد من المحافظين التقليديين أعداء الحقوق المدنية، مثل الإجهاض والمثلية.

الملفت في خطاب ترامب هو عداؤه الواضح للمؤسسية الدولية التي تحكم الاقتصاد العالمي.

هذا التحالف الواسع يعطي السياسة الأمريكية بشكل عام، والجمهوريين بشكل خاص، قدرة كبيرة على استيعاب كل التغييرات السياسية والاقتصادية، ويشكل الضمانة الأولى لسيادة أفكار النيوليبرالية في المجتمع الأمريكي وجميع أنحاء العالم، ويحدد إلى أي درجة قد تذهب تلك الحروب التجارية التي تخوضها الإدارة الأمريكية الآن. فمصالح الشركات هناك، وفعالية مجموعات الضغط الاقتصادية، تَحُد من هيمنة المكونات الخطابية الأخرى المعادية للعولمة في الحالة الأمريكية.

هذا التحالف من جاء بريغان إلى الحكم، ليشغل عقد الثمانينيات الذي شهد في نهايته (1987) حربًا تجارية مماثلة بين الولايات المتحدة واليابان. حتى الآن، ما زالت أفكار ريغان وسياسات إدارته في الحرب التجارية على اليابان، تحظى بقبول في أوساط الجمهوريين، الذين يعتقدون أن ما يفعله ترامب يفضي إلى أن تجلس الصين، كما فعلت اليابان، على طاولة المفاوضات التجارية، وترضى بحصص محددة من السوق الأمريكية.

لكن الصين، عكس اليابان، تبدو أكثر ثقة من قدرتها على تحسين شروط التفاوض الآن، وبخاصة في مرحلة تحولها لأن تكون أكثر انفتاحًا، وخصوصًا اقتصاديًّا، من خلال توجية الاستثمارات الصينية في جميع أنحاء العالم.

لم يكن خطاب «أمريكا أولًا» الذي صعد به ترامب إلى سدة الحكم جديدًا على تحالف اليمين الواسع في أمريكا. لكن الملفت في خطاب ترامب هو عداؤه الواضح للمؤسسية الدولية التي تحكم الاقتصاد العالمي، كمنظمة التجارة العالمية. حافظ الأمريكيون على سيطرة كاملة طيلة العقود الماضية، على تلك المؤسسات وسياساتها، لكن مع زيادة التناقضات التي أنتجتها العولمة، أصبح الأمر خارجًا عن سيطرة الإدارة الأمريكية.

لكن ماذا عن أوروبا؟

«مارين لوبان» مرشحة الرئاسة الفرنسية السابقة - الصورة: Gauthier Bouchet

في أوروبا كان رد الفعل على العولمة أعنف منه في أمريكا. «البريكسيت» في بريطانيا، وصعود «الخمس نجوم» في إيطاليا، و«الجبهة الوطنية» في فرنسا، والتي حصلت على 33% في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. إضافة إلى النتائج الجيدة للحزب اليميني المتطرف «البديل من أجل ألمانيا» في الانتخابات الألمانية الأخيرة، و«فيكتور أوربان»، رئيس الوزراء المجري صاحب النزعات اليمينية والمعادي للمؤسسية الأوروبية.

على عكس ما يمكن أن تتمتع به المؤسسة الأمريكية من تحفظ في خطاب نقد العولمة، كان اليمين الأوروبي أكثر جرأة على نقدها، متأثرين بحركة اللجوء التي شكلت المبرر المناسب، ليعلق اليمين الفشل الاقتصادي عليه من أجل الفوز بالانتخابات.

يغذي هذا العداء للعولمة، والتي يتوجه ضد المؤسسية الأوروبية (الاتحاد الأوروبي)، جماهير اليمين من الطبقة العاملة والفقيرة، والتي جعلتها أفقر بفضل انتقال الصناعات كثيفة العمالة نحو شرق أوروبا، أو حتى إلى الصين والدول الآسيوية.

تشكل العولمة مسارًا طبيعيًّا للرأسمالية، فاستطاعت أن تقلل من تكلفة التجارة، بسبب تطور وسائل النقل، ما أتاح للدول الصناعية أن تجد سوقًا أفضل.

يدفع اليمين الشعبوي في أوروبا بسردية بسيطة، يستهلكها المواطنون الأوروبيون. وهي أننا نحن دافعي الضرائب البيض والمواطنين، لسنا ملزمين بالخضوع للموظفين في بروكسل، والذين لم ننتخبهم، ولسنا ملزمين بتمويل برامج الإنفاق الضخمة للاتحاد الأوروبي، ولذلك لسنا مضطرين لاستقبال اللاجئين.

تبدو هذه السردية صالحة فعلًا للاستهلاك، لكنها غير صحيحة. وكعادة الشعبوية، فإن تقديم الإجابات السهلة على الأسئلة المعقدة الشيء الذي تجيد فعله.

ربما لن تنحسر موجة اليمين قريبًا، وبخاصة في ظل تغذية هؤلاء على فشل الساسة التقليديين في تقديم الحلول لمشكلات معقدة، مثل التفاوت في الدخل. لكن هذا يطرح سؤالًا أكثر عمقًا حول العولمة نفسها؟ هل هي جيدة أم سيئة؟ هل يمكن أن تسهم العولمة في تقليل الفجوة بين الدول والأفراد في الدخل؟ هل هناك يوتوبيا يمكن للعولمة أن تحقق جزءًا منها؟

إذًا، لماذا يتبنى اليمين خطابًا عدائيًّا ضد العولمة؟

تشكل العولمة مسارًا طبيعيًّا للرأسمالية، والتي استطاعت أن تقلل من تكلفة التجارة ونقل البضائع، بسبب تطور وسائل النقل والشحن، ما أتاح للدول الصناعية الكبري أن تجد سوقًا أفضل، وبخاصة في الدول النامية التي فشل معظمها في تجربة التنمية المستقلة، التي تعتمد على نموذج إحلال الواردات في عقد الستينيات.

كانت تلك الدول سوقًا مثالية للشركات الدولية الكبرى التي تمتلك التكنولوجيا، وكانت أيضًا سوقًا مهمًّا يمكن أن تغذي جيش الاحتياط من العمالة بالتعبير الماركسي، في دول المركز الرأسمالي. ظلت حركة رؤوس الأموال والعمالة محدودة حتى التسعينيات، التي شهدت بداية كبيرة لحركة الاستثمارات، عبر تنامي دور الشركات العابرة للقوميات.

ومنذ بداية الألفية الثالثة، بدأت الصين والهند اللتان يمتلكان نحو مليار ونصف من العمالة، تغذية تلك الشركات بالعمالة الرخيصة. كان هذا سببًا في توجه معظم الصناعات كثيفة العمالة نحو الشرق، حتى القطاعات الخدمية، التي كانت تغذي معدلات البطالة المنخفضة في الدول الصناعية الكبرى، تنتقل إلى الهند والصين.

على سبيل المثال، أصبحت الهند المصدر الأول للعمالة الرخيصة منخفضة التكلفة، وأيضًا العمالة الماهرة في قطاع الإلكترونيات في العالم. أسهم هذا في تغذية الشعور بالظلم في بلدان المركز (أوروبا والولايات المتحدة)، وتحديدًا عند الطبقة العاملة البيضاء التي أصبحت ترى في المهاجرين خطرًا داهمًا على وظائفهم.

لم يكن جيش الاحتياط من العمالة السبب المباشر في فقدان هؤلاء العمال البيض وظائفهم، بل إن شيئًا آخر أضحى أكثر خطورة. فبحسب إحصاءات أجرتها مجلة «الإيكونومست»، أسهمت التطورات التكنولوجية في الولايات المتحدة، منذ بداية الألفية الثالثة، في فقدان كثير من العمال وظائفهم، أكثر من هجرة الصناعة نحو الصين.

هناك محاولة غربية لإصلاح اختلال مشروع العولمة، لصالح الصين والهند والدول النامية، في مقابل دول المركز الرأسمالي الكبرى.

الآن تهدد الشاحنات ذاتية القيادة ما يقرب من ثلاثة ملايين سائق شاحنة في أمريكا وحدها. كان هؤلاء ضمن من صوتوا لترامب، لأن الرجل قدم إجابة سهلة عن سؤال: لماذا انخفضت معدلات الأجور؟ موضحًا أن «الصين» هي السبب. لماذا لا يستطيع الأمريكيون أن يعيشوا بشكل جيد الآن كما كان في السابق؟ كانت إجابة ترامب: بسبب الصين، ولأن أمريكا فقدت الريادة الاقتصادية. كان على الرجل أن يعيد أمريكا إلى الأمام، وفي بلد تصنع فيه الوعود الانتخابية كثيرًا من الأمور، كان من الطبيعي أن يصعد ترامب إلى الواجهة.

أصبحت العولمة عبئًا على أمريكا، كما يصرح ترامب ومسؤولوه الاقتصاديون. هم لا يريدون النسخة الحالية من العولمة، يريدون فقط العودة إلى البداية الأولى كما في لحظة ريغان. كما كان ريجان قبلهم يريد العودة، قبل أن يزيد الإنتاج الصناعي الياباني في الثمانينيات، ويهدد صناعات كثيرة في الولايات المتحدة.

تظهر العلاقة البراغماتية بين اليمين والعولمة تاريخيًّا باستمرار. هذا يرسخ التناقض الرئيسي للرأسمالية في مرحلة العولمة، فلكي تحافظ على اقتصادات قومية متداخلة، يجب أن تعمم نموذجًا واحدًا للحكم السياسي، الذي يتمكن من تحديد ما هو اقتصادي وطني وما هو عالمي.

فشلت تجربة الاتحاد الأوروبي في عولمة السياسة، فقد ظلت الحكومات الوطنية تتمتع بسلطة كبيرة على الاقتصاد الوطني، رغم تبينها سياسات تجارية تتبع الاتحاد الأوروبي. وبينما عبَّر «البريكست» عن لحظة انفصال اليمين في بريطانيا عن العولمة، عبَّر أيضًا صعود ترامب عن تلك اللحظة، لكن بدرجة أقل، لأن مصالح الشركات الكبرى لا تقتضي التخلي عن كل العولمة.

ما يحدث الآن في أوروبا والولايات المتحدة، محاولة غربية لإصلاح الاختلال الحادث في مشروع العولمة، لصالح الصين والهند والدول النامية، في مقابل دول المركز الرأسمالي الكبرى.