كيف تشكِّلنا الحرب؟

لماذا يهتفون للساروت؟

لمع اسم الشاب عبد الباسط الساروت مع تصاعد وتيرة المظاهرات في المحافظات السورية عام 2011، ولم يكن حضوره عابرًا أو اعتياديًا، فحارس مرمى نادي الكرامة السابق أصبح نجم التجمعات الأول بسبب قيادته للهتافات، إلى أن أصبحت أهازيجه متدوالة في عدة محافظات، وتُتناقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

قُتل ابن حمص و«بلبل الثورة السورية» و«حارسها» وهو يقاتل إلى جانب «جيش العزة» الإسلامي ضد قوات الجيش السوري في قرية تل ملح شمال محافظة حماة.

وبمقتله، عاد كثير من معارضي النظام السوري للتنكيد على مؤيديه من خلال استخدام «الساروت» كاسم مزعج. ليس الاستغراب إن كان من ينعاه شخص كالداعية والمقاتل عبد الله المحيسني، أو أحد قادة الفصائل المسلحة كالجولاني، أو أبو مالك التلي، أو حتى أبو بكرالبغدادي، أو الإعلامي هادي العبد الله، فالساروت تبنى بشكل واضح وكامل الأفكار الإسلامية الجهادية، وكان أحد مروجيها حتى آخر لحظة قضاها في حياته. هو من تبنى أفكار «داعش» و«جبهة النصرة»، وهو من انضم إلى «جيش العزة» الذي قضى معه نحبه، ومن المؤكد أن هذه الحركات ليست بحركات نسوية تقدمية.

يأتي الاستغراب مِن أن مَن نعاه كانوا علمانيين ويساريين، ويعد بعضهم قامات ثقافية ومعرفية وإن اختلفنا مع بعض آرائهم السياسية، مثل الناقد والمترجم صبحي حديدي، والكاتب والباحث ياسين الحاج صالح، بالتجاوز عن بعض الشخصيات الباحثة عن الانتباه مثل المذيعة اللبنانية ديما صادق، أو مرشحة التيار المصدِّر الأول لكراهية السوريين في لبنان (القوات اللبنانية) المذيعة جيسيكا عازار.

وَصفت هذه النخب الساروت بـ«الجدع» و«ابن البلد»، وتمادى الخيال لدى بعضهم فوصفوه بالجيفاري والرومانسي والحالم والعندليب، حتى أصبح «دون كيخوته»، لكن ما سيرته حتى يوصف بكل تلك الألقاب؟

الساروت: إرهابي أم ثوري؟

بدأ الساروت «مسيرته السياسة» في ساحات الاعتصام في مدينة حمص، منشدًا في جموع المحتشدين، وسرعان ما انجرف مع الخطاب الطائفي حتى صار ينادي في هتافاته بإبادة العلويين. ومع بدأ التسليح وحصار مدينة حمص، شكَّل ومجموعة من أبناء المحافظة فصيلًا مسلحًا، وانتهى الأمر بهذا الفصيل بمغادرة حمص بعد أن طال الحصار.

المحطة الأخيرة له كانت مع جيش العزة الذي يحمل ذات الأفكار، والمدعوم من الولايات المتحدة وغرفة «الموم»، وهي مركز ارتباط عسكري يضم عدة جهات استخبارية ومقره تركيا.

بظهور «جبهة النصرة» ولاحقًا «داعش»، ظهر الساروت في مقطع فيديو يحث فيه «الإخوة» في الجبهة وتنظيم الدولة على التوحد ضد النصارى، مذكرًا إياهم بإسلامية الفصائل الأخرى المقاتلة وعدم خشيتهم من الحزام الناسف والسيارات المفخخة كونهم «مسلمين وليسوا بشيعة أو نصارى»، ومعاتبًا إياهم عتاب المُحب كما أسماه على تكفيرهم «جيش العزة» واتهامه بالتحشيش، وقال: «بس نخرج من هون راح نتكاتف معهن ونبقى يد واحدة»، وأرسل رسالة مباشرة للبغدادي والظواهري والجولاني مفادها طلب التعاون والتكاتف بسبب الاشتراك في الأهداف وباعتبارهم قدوة له.

على الرغم من إنكاره تهمة الانتماء إلى داعش في العام 2015، فإن قناة «الجزيرة»، والتي كانت أِشبه بالمنشور الرسمي للحراك في سوريا، بثت تقريرًا تحتفي فيه بانضمام الساروت إلى التنظيم.

صمت الساروت لما يقارب العام حتى نفى بعدها الخبر، وسواء كان انضم للتنظيم أم لا، فإن المعطيات تشير إلى إنه أصبح متماهيًا مع أفكار التنظيم الإرهابية والمتشددة، خصوصًا أن المحطة الأخيرة له كانت مع جيش العزة الذي يحمل ذات الأفكار، والمدعوم من الولايات المتحدة وغرفة «الموم»، وهي مركز ارتباط عسكري يضم عدة جهات استخبارية ومقره تركيا، وهو الفصيل الذي رفض استكمال مفاوضات سوتشي والمناطق منزوعة السلاح في إدلب.

سوريا: البحث عن الأيقونة المفقودة

خلال ثماني سنوات من الحرب السورية، لم تنتَج أيقونة ثورية ذات طابع مدني، أو بمعنى أدق شخصية لا منتمية وغير ملوثة بما يطلق عليه «وسخ السياسة»، فالبوعزيزي في تونس وخالد سعيد في مصر أضحيا أيقونتين لثورات بلديهما، ومرد ذلك أنهما قضيا بسبب النظام.

لكن نتيجةً لعسكرة وأسلمة الحراك في سوريا، قُضي على أمل بروز شخصية تشكل أيقونة ورمزًا له دلالاته الثورية وتحمل طابعًا شعبيًا، فالشخصيات العلمانية التي كان لها حضروها في البداية، كبرهان غليون أو هيثم مناع، وحتى الناشطة سميرة الخليل (وزوجة الكاتب ياسين الحاج صالح، والمختطفة من قبل المجموعات المسلحة منذ 2013)، بل وحتى الفنانين السوريين المعارضين كمكسيم خليل وعبد الحكيم قطيفان وجهاد عبدو، ذوي الحضور الفني المهم على مستوى الدراما السورية خلال السنوات التي سبقت الأحداث وذوي الشعبية الكبيرة، لم يستطيعوا أن يسدوا هذه الفجوة، فالخطاب الذي تبناه هؤلاء لم يُطرب المنصات الإعلامية الطائفية الممولة إقليميًا، وبالتالي لم تستسغه الجماهير التي حُشدت طائفيًا خلال سنوات الحرب.

المتمعن في خطاب الساروت يجد شخصًا بسيطًا على مستوى الوعي السياسي، والتبريرات التي ساقتها النخب مثل أن «سيرة الساروت شبيهة بمسيرة الثورة بتحولاتها ودلالاتها»، وأنه كان صادقًا في قناعاته (وكأن الصدق بمثل هذه القناعات مبرر لجعله بطلًا)، كل هذه التبريرات غير المنطقية والرومانسية هي تعبير عن نوسالتجيا نُسجت حول  الساروت المنشد، الذي سقط مع أول اختبار حول المسألة الطائفية، والذي فُقد مع العسكرة والتسليح في أتون الحرب، فكل الأيقونات الثورية على مدار التاريخ من سبارتاكوس إلى جيفارا كانوا من يقود الجماهير ويشكل الوعي السياسي لمريديهم، لم يكونوا يُقادون ولا يتشكلون حسب السائد.

يمكن القول إن هذا الاحتفاء بشخصية الساروت إقرار ضمني بهزيمة أفكار ومشروعات النخب السياسية والاجتماعية غير الإسلامية في سوريا.