إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

حصاد التقنية: التكنولوجيا تتدخل لإنقاذ العالم من أزمة الغذاء

الصورة: Dmitry Zotov

ثلث المواد الغذائية التي ينتجها العالم للاستهلاك البشري يضيع، أي قرابة 1.3 مليار طن من الغذاء سنويًّا، وتصل خسائر هذا القطاع في البلدان الصناعية إلى 680 مليار دولار، بينما تبلغ في البلدان النامية نحو 310 مليارات دولار، وفق ما أشارت إليه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

ومع أننا قد نظن أن البلدان النامية تهدر طعامًا أقل من الصناعية بالنظر إلى الأرقام، فإن هذا ليس صحيحًا، إذ أن كميات الغذاء المبددة هي نفسها تقريبًا: 630 مليون طن في البلدان النامية و670 مليون طن في الدول المتقدمة، ويصيب معظم هذه الخسائر إنتاج الفواكه والخضراوات، وكذلك الحبوب والمحاصيل الجذرية، أي الجذور النباتية التي تُستخدَم كغذاء مثل الجزر والبصل والبطاطس، طبقًا للمصدر نفسه.

إذا أضفنا التغيرات المناخية والانفجار الديموغرافي والهجرة المتزايدة نحو المدن إلى المعادلة، يصبح نقص الغذاء مسألة مُلِحَّة تحتاج إلى حلول دائمة أكثر كفاءة، وهو ما قد تقدمه التكنولوجيا الرقمية الحديثة التي بإمكانها توفير الأمن الغذائي وتلبية احتياجات السكان المتزايدة، بحسب مقال على موقع «TechCrunch».

ما علاقة الإنترنت بالزراعة؟

ما هي فوائد الزراعة الدقيقة؟

تعتمد الزراعة التقليدية على أداء مهام معينة مثل الغرس والري والحصاد، وفق جدول زمني طويل الأمد ومحدد سلفًا، ممَّا يعني أن إمكانية تجنب المشكلات التي تطرأ فجأة على المحاصيل، أو في تربية الدواجن، تظل صعبة وبعيدة المنال.

غير أن هذا المجال قطع شوطًا طويلًا نحو الدقة والكفاءة كما يصف المقال، بفضل التطورات التكنولوجية الحديثة المعروفة باسم «الزراعة الدقيقة».

باستخدام منصات إنترنت الأشياء (شبكة أجهزة ومعدات متصلة ببعضها وتسهل جمع البيانات عن طريق الاستشعار عن بعد)، يمكن للزراعة الدقيقة أن تجعل صناعة الأغذية أكثر كفاءة وأقل تكلفة، وذلك برفع المردود الزراعي وتقليل الخسائر،  وضمان تطبيق ممارسات مستدامة تحدد بالضبط ما يجب فعله ومتى وأين.

يمكن الاستفادة من هذه التقنيات في المزارع الكبرى والمحلية على السواء، إذ تتيح أدوات الاستشعار عن بعد مراقبة وتتبع رطوبة التربة، ونمو المحاصيل، ومستويات علف الحيوانات، كما تساعد في إدارة والتحكم بمعدات الري. ويؤدي جمع وتحليل هذه البيانات عن طريق منصة واحدة إلى تحسين التشغيل واتخاذ القرارات الملائمة فيما يخص السياسة الزراعية المرجُوَّة.

على سبيل المثال، سيحُدُّ الاعتماد على نظام ري مرتبط بإنترنت الأشياء من إهدار المياه، لأن البيانات ستتيح توجيه الماء إلى المناطق التي تنخفض فيها رطوبة التربة، عوضًا عن ري الحقل بأكمله كما جرت العادة لدى المزارعين التقليديين، ويعني هذا إهدارًا أقل وإنتاجًا أكثر، وهو بالضبط ما تصبو إليه الزراعة الدقيقة.

قد يعجبك أيضًا: يمكن للإنترنت أن يُحدث ثورة حقيقية في حياتنا

كيف تفيدنا تكنولوجيا الطقس؟

كيف تحسن الثورة التكنولوجية من الزراعة؟

يشير المقال كذلك إلى أن دمج بيانات حالة الطقس في عملية الزراعة سيضمن عدم ضياع المحصول الزراعي، الذي يحدث بنسبة 90% في بعض الأحيان نتيجة التغيرات الجوية المفاجئة، حسب أحد التقارير.

يتيح الاستخدام الصحيح لبيانات الطقس معرفة متى وكيف يجب أن تتم عملية الري، كما يوفر إمكانية رفع غلة المحاصيل دون اللجوء إلى الاستخدام المفرط للمبيدات الحشرية والأسمدة. وتمكِّن هذه البيانات كذلك من التنبؤ بالآفات التي قد تصيب المحاصيل الزراعية، كما تساعد المزارعين في الحدِّ من الخسائر وضبط استخدام المواد الكيميائية.

يجري تطبيق هذه التقنية في إحدى مزارع الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تُستخدَم البرامج المعتمدة على الحوسبة السحابية للمواءمة بين تنبؤات الطقس وكمية الأسمدة التي تحتاجها المحاصيل، وهو ما حفز عددًا من المعاهد الزراعية لتبني مثل تلك التقنيات، ووفر في المقابل محاصيل آمنة للاستهلاك.

الميزة الأخرى التي تتيحها هذه التقنيات هي إمكانية وصول الأفراد إليها عبر أجهزتهم المحمولة، وحتى المزارعون في البلدان النامية حيث التكنولوجيا محدودة سيمكنهم ذلك.

كيف نحسن سلسلة توريد الغذاء؟

ما هي سلسلة التوريد؟

تساعد تطبيقات التنبؤ بالطقس في تحسين الجانب اللوجستي، أو تنظيم عمليتي الحصاد ونقل المحاصيل الزراعية، وتحديد متى تكون الحقول أقلَّ عرضة للتأثر بوزن معدات الحصاد، والتنبؤ بأي الحقول ينبغي إرسال العمال إليها، لا سيما في المناطق حيث تعرقل الطرق الترابية والأمطار الغزيرة الشاحنات التي تنقل المحاصيل.

من الضروري نقل المواد الغذائية في درجة حرارة مناسبة، وعدم الاحتفاظ بها لفترة أطول من اللازم، وتحديد مصدر الملوثات التي قد تسبب ضياعها، خصوصًا أن الكثير من الطعام يضيع خلال عمليتي التوزيع واستدعاء السلع الاستهلاكية (سحبها من الأسواق واسترجاعها من المستهلكين)، كما يذكر المقال.

ظهرت تطبيقات تحاول زيادة وضوح مراحل سلسلة التوريد، وذلك بجمع البيانات وتخزينها في كل مرحلة من مراحل السلسلة، وتزويد العملاء بهذه المعطيات كي يتمكنوا من فحص المنتجات والوصول إلى تاريخها فورًا، بدلًا من العمليات اليدوية التقليدية المتعارف عليها.

تقلل هذه التقنية إهدار المنتجات الغذائية، وتساعد الشركات في رفع كفاءة سلسلة التوريد، وتمكِّنها من تتبع مراحل عملية الإنتاج بدقة في حالة حدوث خلل، ممَّا يعني تجنب التخلص من الأغذية السليمة والحدِّ من التأخير الذي قد يؤثر على جودة الأغذية.

هل يمكن طباعة المواد الغذائية؟

فوديني: طابعة ثلاثية الأبعاد لإعداد الطعام

التقنية الأخيرة التي يعرضها المقال هي طريقة مختلفة تمامًا لإنتاج الغذاء، وصارت ممكنة بعد اختراع تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. تَعِدُ هذه التقنية بإزالة أوجه القصور في سلسلة التوريد، عن طريق الحدِّ من تعرض المنتجات الغذائية للتلف والسماح للمستهلك بالتحكم في المنتج وفقًا لرغباته واحتياجاته.

اقرأ أيضًا: وعود طبية هائلة تقدمها الطباعة «ثلاثية الأبعاد»

تمُرُّ الفواكه بعد حصادها عبر وحدات التخزين ومرافق التعبئة والتغليف وقنوات التوزيع قبل أن تصل في النهاية إلى محل البقالة، وتستهلك هذه العملية الكثير من الوقت والطاقة، ومع ذلك تصل نسبة الفواكه التي تضيع فيها إلى 16% تقريبًا وفق ما ورد في المقال.

في المقابل، ستتمكن سلسلة التوريد الجديدة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد من تحويل الفواكه إلى مسحوق دقيق فور الحصاد، ممَّا يسمح بسهولة نقلها دون تعريضها لخطر الفساد، وبعد ذلك سيستخدم المستهلك طابعة ثلاثية الأبعاد لإعادة الفاكهة إلى حالتها الأصلية.

سوف تفرض التغيرات التي نعاينها في أرجاء الكوكب نُظُمًا جديدة في إنتاج وتوزيع واستهلاك الغذاء خلال العقود القادمة، وهو ما سيفتح المجال أمام التكنولوجيات الناشئة لتقديم حلول ثورية لمشكلة الغذاء، تمامًا كما حدث في السابق.

لكن السؤال الذي يبقيه المقال مطروحًا هو ما إذا كانت هذه التقنيات ستصل في الوقت المناسب قبل احتدام أزمة الغذاء،  أما أنها ستأتي بعد فوات الأوان، بعد دخول البشرية عصرًا يتغذى فيه الإنسان على الصراصير، أو ربما على أخيه الإنسان.