الرهان على منتخب ألمانيا: الفلاسفة، الذين يعرفون حقيقة الكرة

التصميم: منشور

جعفر رجب
نشر في 2018/06/23

في هذه السلسلة يكتب لنا كُتَّاب «منشور» وأصدقاؤه رهاناتهم الشخصية في كأس العالم، كلٌّ حسب تفضيلاته. ليست رهانات أو تحليلات فنية، بل تفضيلات وأهواء شخصية منطلِقة من موقعهم كمتفرجين ومشجعين لا أكثر.


الكرة في ألمانيا ليست فنًّا، ولا هندسة، ولا علمًا، ولا تجارة، ولا لعبة، إنها فلسفة، تمارَس على المستطيل الأخضر عبر لاعبين محمَّلين بفلسفة مختلفة لهذه الكرة التي تتدحرج بين أقدامهم.

في أرض الجرمان تتشابه أسماء الفلاسفة باللاعبين، وتشتبك بالأفكار، ولهذا لن تميز بين «هايدغر» و«موللر»، «هيغل» و«أوزيل»، «شبينغلر» و«شتايغر»، «أنغلز» و«هوملز»، «كانط» و«أوليفر كان»، «شوبنهاور» و«بيكنباور». لا فرق بين من يسجلون أفكارهم، ومن يسجلون الأهداف، بين الساعين نحو المعرفة ومَن هُم «المعرفة» الحقيقية للكرة.

كما فلاسفة «الدياليكتيك»، بين «هيغلي» يغير الوعي لتغيير الواقع، و«ماركسي» يغير الواقع لتغيير الوعي، صار «المانشافت» يمارس «تكتيكاته»، مرةً يغير من ثقافته، فيغير وجه الكرة، ومرة يغير من لعبه، فتتغير ثقافة الكرة حول العالم. قطارهم يسير ويركض خلفهم بحقبائهم المثقلة بقية الفرق، ملوحين بمناديلهم.

أنا القادم من سبعينيات القرن العشرين، كان هذا المنتخب عشقي مذ كان شَعري منسدلًا على كتفي مثل «غيرد موللر». لا أعرف فريقًا غيره، ولم أشجع غيره، ومن يشجعهم تنطفئ عنده كل الأضواء المبهرة للنجوم المزيفين الذين يلمعون على يد الشركات الإعلانية.

ألمانيا لم تخسر كأس عالم قط، إنها فقط تتنازل عن حقها في بعض البطولات مجاملة للآخرين.

آلاف الأهداف مرت عليَّ، ومئات اللاعبين. ولكن لقطات في كأس العالم ظلت في ذاكرتي، وما زالت راسخة. هدف موللر الثاني في نهائي 1974، هدف «فيشر» دبل كيك في فرنسا 1982، هدف «ماتيوس» ضد المغرب 1986، هدف «رومينيغه» في المكسيك 1978، هدف «شورلِه» السابع ضد البرازيل 2014.

ويالها من ليلة، كانت مباراة بكل كؤوس العالم، وكل تاريخ الكرة، سبعة أهداف وسبعة رقصات فرح، وطمع في مزيد من الأهداف، وحزن على تضييع الهدف الثامن لأوزيل، وتعاطف مع «نوير» وهو يستقبل بضيق الهدف اللقيط في مباراة 7-1، وكان النهائي بعدها مع الأرجنتين تحصيل حاصل، فمن يقلق من منتخب يقوده ميسي؟

في كأس العالم 2018، ما زلت أعيش لحظات 2014. لهذا لن أحزن إن فقدها الألمان لأنهم سيربحونها في قطر. هكذا فسر فلاسفة الكرة «الحتمية التاريخية»، فهم ليسوا فريقًا تصدُف معهم ويفوزون كالطليان، ولا هم كالإسبان حملتهم موجة تائهة وفازوا، ولا الأرجنتين يأخذونها مرة برشوة من أطنان قمح ومرة من «يد» مارادونا، ولا هم كالإنجليز الذين فازوا بمساعدة صديق، ولا البرازيل المنكوبة بالسبعة على أرضها.

إنهم كالفلاسفة، يضعون منهجًا ويطبقونه، ففي 2002 قرروا أخذها بعد 12 سنة، فأخذوها، وسيأخذونها، وسيبقون «فوق الجميع»، وإن تطاول من تطاول.

ألمانيا لم تخسر بطولة قط في كأس العالم، إنها فقط تتنازل عن حقها في بعض البطولات مجاملة للآخرين.

مواضيع مشابهة