بحب اتنين سوا الميَّه والهوا

ضررها أكبر من نفعها: الـ«ديتوكس» ليس حلًّا سحريًّا

الصورة: Getty/Maskot 

سمعت حتمًا عن مشروبات الـ«ديتوكس»، وعن حميات تتطلب منك شرب العصائر فقط لعدة أيام كي تخلص جسمك من السموم. وكما أن للملابس موضة، فإن للأكل موضة، وموضته هذه الأيام هي الديتوكس.

إذا كنت سمعت وصدَّقت، أو قرأت وجربت، فدع كل هذا جانبًا كشيء من الماضي لأن جسمك لا يحتاج إلى الديتوكس، بل إن الديتوكس مضر فعلًا. نعم، مضر كما قرأت. ويستعرض مقال على موقع «Vice» الأسباب العلمية التي تجعل ضرر الديتوكس أكبر من نفعه.

لا تشرب عصائر الديتوكس

يبدأ الكاتب باستعراض سلبيات مشروبات الديتوكس، فيقول إنه لو كان هذا المشروب الذي تتناوله يحتوي على فاكهة معصورة أو مخلوطة، فمن الممكن أنه يضرك أكثر مما ينفعك.

تشير دراسة كبيرة أجرتها كلية هارفارد للصحة العامة إلى أن من يأكلون حبات الفاكهة كاملة أقل عرضة للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، بينما من يشربون العصير فقط أكثر عرضة للإصابة بالمرض.

إذا شربت كوبًا من عصير البرتقال، يتعاطى جسمك مع كمية من السكر موجودة في خمس أو ست برتقالات، ولا تشعر بالامتلاء بعدها.

«روبرت لستيغ»، أستاذ الغدد الصماء في الأطفال بجامعة كاليفورنيا، والذي نشر عدة دراسات عن السكر وكيفية استجابة جسم الإنسان له، يقول إن المشكلة في تناول عصائر الفاكهة أو «السموذي» (عصير مع آيس كريم أو زبادي) تكمن أساسًا في خسارة الألياف الموجودة في تلك الفاكهة، ما يحرم الجسم من عنصر غذائي مهم.

يوضح لستيغ أن الفاكهة الكاملة تحتوي على نوعين من الألياف: أحدهما قابل للذوبان، والآخر غير قابل للذوبان، ومعًا يشكلان واحدًا من أشكال الهلام (الجل) عند مضغهما وبلعهما، ويكسو هذا الهلام الجزء العلوي من الجهاز الهضمي، ويعمل كمصيدة الشعر أو المصفاة التي توضع فوق البالوعة، فيمنع السكريات الموجودة في الفاكهة من الدخول إلى مجرى الدم بكميات كبيرة، والتي إن تسربت إلى الدم أصبحت عبئًا على الكبد.

بعدها تتحرك السكريات إلى مكان في الجهاز الهضمي يسمى «الصائم» (Jejunum)، وهو جزء من الأمعاء الدّقيقة بين الاثنا عشر واللفيفي، حيث توجد بكتيريا «الميكروبيوم» التي تتغذى على سكريات هذه الفاكهة، وتمنع امتصاص 25% منها أو أكثر.

عندما تعصر الفاكهة وتصفيها، فإنك تتخلص من كل الألياف غير القابلة للذوبان. أما إذا مزجتها في الخلاط، فإن هذه الألياف غير القابلة للذوبان تتكسر إلى قطع صغيرة، وفي كلتا الحالتين، فإن هذا الهلام الذي يساعد على الهضم لا يَتَكوَّن، ويكون على الكبد أن يتعامل مع كميات كبيرة من سكر الفاكهة.

خلط الفاكهة أو عصرها يسهل عملية استهلاك كميات كبيرة منها. يقول «باري بوبكين»، أستاذ التغذية بجامعة شمال كاليفورنيا، إن أكل برتقالة أو اثنتين يعطيك إحساسًا بالشبع، «ولكن إذا شربت كوبًا من عصير البرتقال، فربما تتعاطى كمية من السكر موجودة في خمس أو ست برتقالات، أو ما يعادل أكثر من السكر الذي يحتويه مشروب غازي، ولا تشعر بالامتلاء بعدها». المشكلة نفسها تحدث مع شرب عصائر الـ«سموذي»، وتؤيد أبحاث كثيرة فكرة أن شرب الأطعمة من الممكن أن يؤدي إلى زيادة استهلاكها مقارنة بأكلها في صورتها الأصلية.

تقليل السعرات هو ما يفقدك الوزن

يحتوي جسم الإنسان على كيماويات غير صحية ومواد ناشئة عن عملية الأَيض، لكن الكبد وأنظمة أخرى تجيد التعامل معها والتخلص منها.

إذا كنت غير مقتنع لأنك قرأت عن دراسات تؤكد أن العصائر ومشروبات السموذي قد تكون مفيدة، فكاتب المقال لا ينكرها على الإطلاق. إحدى هذه الدراسات نُشِرَت في 2018، وأظهرت أن من اتبعوا حمية غذائية من 1300 سعرة حرارية تتكون من عصائر فقط لمدة ثلاثة أيام، نحفوا بمقدار كيلوغرامين، وحدثت لهم تغييرات مفيدة في بكتيريا الأمعاء التي تحسن الهضم، ومستويات أكسيد النتريك الذي يحسن تدفق الدم ومرونة الشرايين.

«سوزان هنينغ»، أستاذة التغذية البشرية، شاركت في الدراسة السابقة، وينقل المقال عنها أن الدراسة لم تقارن حمية استهلاك العصائر بحميات أخرى تقوم على تقليص عدد السعرات، فربما تؤدي الحميات الأخيرة إلى نتائج جيدة أيضًا. إضافة إلى ذلك تجاهلت الدراسة قياس مستويات سكر الدم وتغيرات مستوى الإنسولين لدى المشاركين، وربما كان هذا ليكشف عن الأضرار التي تحدث عنها لستيغ وبوبكين.

الأهم أنه علينا تذكر أن هذه الحمية استمرت لمدة ثلاثة أيام فقط، وأي مجرب للحمية الغذائية يعرف أنها تجلب نتائج مبهرة على المدى القصير، وبخاصة لو تضمنت تقليلًا لعدد السعرات المستهلَكة. يراهن كاتب المقال أنك لو لم تأكل سوى البرغر كبير الحجم لمدة ثلاثة أيام، وحافظت على عدد السعرات عند 1300، ستفقد بعض الوزن.

لا يوجد دليل على أن جسم الإنسان شبيه بـ«بئر نفايات» مليئة بالسموم، والتي يمكن للعصائر ومشروبات السموذي أن تنظفها.  وفقًا لبوكين، هذه الادعاءات «هراء مضلل»، فجسم الإنسان يحتوي فعلًا على كيماويات غير صحية ومواد ناشئة عن عملية الأَيض، لكن الكبد وأنظمة أخرى من دفاعات الجسم تجيد التعامل معها والتخلص منها.

اقرأ أيضًا: حلم «الجسد المثالي» يدمر حياة المرأة العربية منذ طفولتها

كثير من مضادات الأكسدة يضر

الصورة: Pixabay

لا يعني هذا أن الفاكهة والخضراوات ليست مصادر مواد صحية مفيدة للجسم، فكثير منها معبأ بمضادات الأكسدة، وهي جزيئات تحُول دون فساد الخلايا الذي تسببه الـ«جذور الحرة» (Free Radicals) المضرة. لكن ما لا يعرفه كثيرون أن مضادات الأكسدة قد تتحول إلى مؤكسِدات أو جزيئات مدمرة عند المبالغة في استهلاكها.

يشير «جون ريتشي»، أستاذ علوم الصحة العامة في جامعة بنسلفانيا، إلى اختبارين معمليَيْن أجراهما باحثون في تسعينيات القرن العشرين بناءً على دراسات أولية جعلتهم يعتقدوا أن مضاد الأكسدة «بيتا كاروتين» يمكن أن يحُول دون إصابة المدخنين الشرهين بسرطان الرئة.

نتائج الاختبارين أثبتت أن الـ«بيتا كاروتين» لم يفشل فقط في منع الإصابة بالسرطان، بل ساعد على تطوره. وعلى هذا، فإلقاء مزيد من مضادات الأكسدة في وجه المشكلة لن يساعد على حلها.

ديتوكس الخضراوات.. ربما

عصر أو ضرب الخضروات يؤدي لفقدان بعض الفيتامينات نتيجة عملية الأكسدة التي تحدث بسبب التعرض إلى الهواء.

كل ما سبق يضرب فكرة الديتوكس في مقتل، لكن إذا كانت العصائر أو السموذي التي تتناولها تتضمن فقط خضروات وليس فاكهة، وإذا كان تناولها لا يضيف كثيرًا من السعرات إلى حميتك، فقد تكون هذه وسيلة فعالة لإدخال المواد الغذائية المفيدة التي تحتويها الخضروات إلى جسمك.

السبب أن الخضروات تحتوي على كميات قليلة من السكر، لذلك لا يوجد فرق كبير بين استهلاكها كاملة أو في صورة عصير، وفق لستيغ، وهو رأي يتفق معه بوبكين إلى حد بعيد، فلا يُستثني من الخضروات سوى البنجر لاحتوائه على سكريات كثيرة.

يضيف «بوبكين» تحفظًا صغيرًا، فيقول إن عصر أو ضرب الخضروات يمكن أن يؤدي إلى فقدان بعض الفيتامينات الموجودة فيها نتيجة عملية الأكسدة التي تحدث بسبب التعرض إلى الهواء: «لن أقول إنها صحية مثل أكل الخضار كاملًا، لكنها ليست مضرة».

معظم الحديث عن أن لمشروبات الديتوكس قدرات خارقة وإعجازية ليس إلا محض ادعاءات دون سند علمي، بل إن استهلاك الفاكهة معصورة أو مخلوطة قد يكون مضرًّا. أما بالنسبة إلى الخضروات، فيمكنك شربها كعصير أو خلطها إذا كنت تستمتع بها بهذا الشكل.