تحولات

دع معتقداتك جانبًا، علينا أن نفكر جديًا بشأن نظرية التطور

 كتبت «دارين المعجل» هذا المقال لـ«منشور»، وترجمه إلى العربية:«محمد كمال».

جميعنا تعترينا التغييرات في حياتنا، تلك التغييرات التي إما أن تأخذنا خطوة أقرب نحو هدفنا أو أبعد عنه. وبالرغم من أنَّ هذه المرحلة الانتقالية يمكن أن تكون جيّدة أو سيئة، إلّا أنَّ التغيير دائمًا ما يكون ضروريًا لنا من أجل التقدم والنمو. وفي حين يمكن للتغيير أن يحدث بين عشية وضحاها، لكنَّ النمو يستغرق مزيدًا من الوقت. إذا كنت تتفق معي حتى الآن، فإنك تتفق كذلك على المفهوم الجوهري لواحدة من أكثر النظريات التي أُسيء فهمها؛ نظرية التطور.

التعريف الشامل للتطور هو التغيّر المتراكم على مرّ الزمن. وهذا ينطبق على التطور الجيولوجي (أي أصل الأرض)، والتطور الفلكي (أي أصل العناصر والكواكب والمجرات)، والتطور البيولوجي. التطور البيولوجي هو عملية التغيير والتنويع (أي النمو) التي تعتري الكائنات الحية على مرّ الزمن. والفهم الصحيح للتطور البيولوجي مهم لمساعدتنا لحل المشاكل التي لها تأثير مباشر على حياتنا.

وهناك أمثلة بارزة لهذا في مجاليّ الزراعة والطب. على سبيل المثال، من أجل الحفاظ على الأمن الغذائي، ينصح الباحثون أنَّ المحاصيل تحتاج إلى الحفاظ على تاريخ من التباين الوراثي العالي لتصمد أمام الأوبئة والتغيّرات البيئية المفاجئة.  ومن أجل السيطرة على الأمراض الوراثية، تتناول تلك البحوث التاريخ التطوري للجينات التي تسبب المرض. ولهذا السبب، في مسائل تاريخ علم الأحياء فإنَّ الأداة المستخدمة لدراسة تاريخ النظم البيولوجية هي نظرية التطور.

تابعنا على فيسبوك: منشور Manshoor

علاقة التطور بالتغيير: نموذج العلوم الطبية

اعتماد نظرية التطور يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في كيفية فهم وعلاج الأمراض. وتسلّط دراسات الحالة في هذا القسم الضوء على كيف يمكن أن تُحدث المناهج التطورية فارقًا في عالم الطب.

السرطان والأمل في علاج جديد:

خلايا سرطانية

في كل مرة تنقسم فيها خلية ما، تكون ثمة فرصة ضئيلة في حدوث طفرة وراثية. في بعض الحالات، تحدث تلك الطفرات في الجينات التي تتحكم في معدل انقسام الخلايا. هذه الجينات (أي الجينات المسرطنة الأوليّة) تضمن انقسام الخلايا عندما تحتاج لذلك فقط (أي في حالات التئام الجروح والنمو). الطفرات التي تطرأ على هذه الجينات قد تسمح بنمو الخلايا على نحوٍ أسرع وتشكيل الورم، الذي يمكن أن يتحول بدوره إلى سرطان.

تتطلب الخلايا السرطانية كمية كبيرة من المواد الغذائية لدفع نموها السريع. ترسل الأورام إشارات تحفز تشكيل الأوعية الدموية الجديدة، التي تمد الأورام بالعناصر الغذائية الإضافية لتنمو. إذا وجدَ العلماء وسيلة آمنة لمنع تحفيز هذه الأوعية الدموية، يمكن تجويع خلايا السرطان حدّ الموت. وتبدو هذه فكرة رائعة، أليس كذلك؟ لكن قبل أن يجرّب العلماء هذه الاستراتيجية فهم بحاجة أولًا إلى فهم كيفية نمو أوعية دموية جديدة في جسم الإنسان.

من أجل القيام بذلك، قرر الدكتور ماركوت من جامعة تكساس البحث عن الجينات التي تعتبر ضرورية لتشكيل الأوعية الدموية في جسم الإنسان. هذه الجينات يمكن أن تسفر عن أدلة حول نوع العقاقير التي قد تكون قادرة على التدخل في نمو الأوعية الدموية. مع ندرة المعلومات المتاحة عن الأساس الجيني لنمو الأوعية الدموية في جسم الإنسان، فإنَّ البت في هذه المسألة وفق نقطة انطلاق هو التحدي الرئيسي للدراسة. ومع ذلك، فعل الدكتور ماركوت وزملاؤه شيئًا غريبًا، وحدهم الذين يعترفون بنظرية التطور سيعتبرونه خيارًا منطقيًا.

لقد قرر فريق البحث دراسة الشبكة الوراثية لنمو الأوعية الدموية في الخميرة للبحث عن الجينات المتشابهة بين الأنواع (ortholog) (أي الجينات في الأنواع المختلفة التي تطورت من سلف مشترك، وعادة ما تكون لها الوظيفة نفسها) في الإنسان، وقد نجحوا في ذلك! (ماجراي وآخرون، 2010).  كما نجحوا في تحديد ثمانية جينات تساعد على بناء الأوعية الدموية في جسد الإنسان. دراسة الخميرة كانت نقطة انطلاق جيّدة للبحث عن الجينات المسؤولة عن نمو الأوعية الدموية في جسد الإنسان؛ لأنَّ العلماء يعرفون الكثير عن الجينات والشبكات الجينية في الخميرة أكثر من تلك الموجودة في البشر. وعلاوة على ذلك، فمن السهل نسبيًا غلق الجينات في خلايا الخميرة وملاحظة أيّ من الصفات المظهرية تأثرت بذلك. وأخيرًا، بسبب التطور.

واستنادًا لنظرية التطور، نحن نشاطر الخميرة في سلف مشترك بيننا، وبسبب ذلك، الخميرة والبشر لديهما عدد من الجينات المشتركة. بعبارة أخرى، عن طريق اللجوء إلى الخميرة (أي نظام بيولوجي بسيط نعرف عنه الكثير) وجدوا ثمانية أهداف جديدة لعقاقير محتملة مضادة للسرطان في جسم الإنسان (أي نظام بيولوجي معقّد لا نعرف عنه سوى القليل).

هل سبق وتساءلت لماذا يتغيّر لقاح فيروس الإنفلونزا كل سنة؟

يصيب فيروس الإنفلونزا 30 إلى 60 مليون شخص سنويًا على مستوى العالم. هذا الفيروس لديه استراتيجية رائعة للبقاء؛ فهو يضخ مادته الجينية في الخلايا الحية ويترتب على ذلك تدمير الأجهزة الحيوية في الخلية المضيفة وتحولها من خدمة الخلية المضيفة إلى خدمة الفيروس. وبهذه الطريقة يوظّف جينوم الفيروس الآلية الوراثية للخلايا المضيفة لإنتاج كميات كبيرة من الفيروس نفسه. كل خلية مصابة يمكن أن تنتج ما يتراوح بين 100 ألف إلى مليون نسخة جديدة من الجينوم الفيروسي. ولأنَّ عملية النسخ المتماثل سريعة، يتم إنتاج عدد كبير من الأخطاء (أي الطفرات/التغيّرات) أثناء النسخ الجيني المتماثل.

يقوم فيروس الإنفلونزا بتراكم التغيّرات/الطفرات مليون مرة أسرع من الجينوم الخاص بنا. بعض طفرات الفيروس تطوِّر مقاومة لقاح الإنفلونزا. ومع انتشار هذه التغيّرات بين المصابين بالإنفلونزا، تصبح اللقاحات عديمة الفائدة، ومن ثمَّ ينبغي تطوير لقاحات جديدة. ولهذا السبب، يمكن أن يوفر لقاح الإنفلونزا بعض الحماية ضد نوع واحد من مرض الإنفلونزا لموسم واحد فحسب.

عن طريق الاعتراف بصحة نظرية التطور في البحوث الطبية، نحن نعترف أنَّ الفيروسات تتغيّر باستمرار. وبالتالي نتعامل مع فيروس الإنفلونزا ككيان متطور لكي نفهم لماذا يجب أن يتغير الحل الذي نقدمه لهذه المشكلة كل عام.

لماذا المضادات الحيوية أقل فعّالية؟

قبل بضعة عقود فقط، كانت المضادات الحيوية تعتبر العقاقير المعجزة حينها؛ لأنها عملت بشكل جيد على علاج الأمراض الفتاكة. بدأ عصر المضادات الحيوية في عام 1929 مع ملاحظة «ألكسندر فليمينغ» أنَّ البكتيريا لا تنمو بالقرب من مستعمرات البنسليوم العفن. وفي وقت لاحق، في منتصف التسعينات تحديدًا، بدأ العلماء اكتشاف مركبات قتل البكتيريا التي تنتجها الفطريات وبكتيريا التربة. وفجأة، تمكّن الأطباء من علاج العديد من الأمراض التي تهدد الحياة في غضون أيام، مع آثار جانبية قليلة.

خلال العقود القليلة الماضية، تطوّرت العديد من سلالات البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

ولكن لم يمضِ وقت طويل حتى بدأ الأطباء الإعلان أنهم فشلوا في بعض الأحيان، وأصبحت الكثير من المضادات الحيوية أقل فعّالية. ويرجع ذلك إلى مدى تأثير الطريقة التي كان يتم بها وصف المضادات الحيوية للمرضى واستخدامها على تطور المقاومة في البكتيريا. ومثلما تطرح نظرية التطور، فإنَّ الحياة في تغيير مستمر.  

عندما تعمل المضادات الحيوية على نحوٍ صحيح، فإنَّ المقاومة لا تستطيع التطور؛ لأنَّ المضادات الحيوية تقتل كل البكتيريا المسببة للعدوى. لكن في بعض الأحيان، يفشل المرضى في إكمال دورة كاملة من العلاج. وفي هذه الحالة، تنجو البكتيريا المقاومة، ويمكن أن تستمر في التطور نظرًا لأنها تنتقل من شخص إلى آخر. وفي حالات أخرى، تتعرض البكتيريا لجرعات شبه قاتلة من المضادات الحيوية، وبالتالي من المرجح أن تتغلب سلالات المقاومة على السلالات سريعة التأثر، ومن ثمّ تنتشر الأنماط الجينية للمقاومة.

خلال العقود القليلة الماضية، تطوّرت العديد من سلالات البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. على سبيل المثال، في خمسينات القرن المنصرم، استخدم الأطباء المضادات الحيوية لمكافحة تفشي الإسهال الناجم عن بكتيريا «إي كولاي»، ليروا أنَّ البكتيريا تطوِّر المقاومة لدواءٍ تلو الآخر.

اليوم، أصبحت بعض سلالات البكتيريا مقاومة لكل المضادات الحيوية. ولذلك، فإنَّ الطريقة الوحيدة للتعامل مع هذه الأزمة هي الاعتراف بأنَّ التطور يحدث بالفعل. كما أنَّ الأطباء والمرضى بحاجة إلى فهم تعقيدات النظام التطوّري للبكتيريا. هناك حل مؤقت اقترحه عالم الأحياء التطوّري عند تناول/ وصف المضادات الحيوية هو اتباع بعض الأساليب المحددة للمساعدة في إبطاء المعدل الذي تصبح عنده البكتيريا مقاومة للعقاقير. تشمل هذه الأساليب:

  1. المضادات الحيوية لعلاج الالتهابات الفيروسية لا البكتيرية: المضادات الحيوية تقتل البكتيريا، وليس الفيروسات.
  2. تجنب تناول جرعات خفيفة من المضادات الحيوية على مدى فترات طويلة: وذلك لأنَّ البكتيريا التي تنجو من جرعة خفيفة من المرجح أن تكون مقاومة إلى حد ما.
  3. تناول جرعة الدواء كاملة: إنَّ نظامًا غير مكتمل من المضادات الحيوية يمكن أن يسمح ببقاء البكتيريا على قيد الحياة والتكيّف الذي يؤدي لظهور سلالة مقاومة.
  4. استخدم مزيجًا من الأدوية لعلاج العدوى البكتيرية: إذا كنت تتعامل مع سلالة مقاومة، قد ترغب في تجربة مضاد حيوي مختلف تمامًا لم تواجهه البكتيريا من قبل.

إنَّ الاعتراف بالبكتيريا ككيانات متطورة يساعدنا في فهم وإبطاء تطوُّرها، وهذا سوف يسمح لنا بإطالة فعّالية المضادات الحيوية. يمكن أن يوفر التطور أيضًا طريقةً أخرى لحل المشكلة. وهذا يمكن أن يحدث عن طريق البحث عن أمثلة بشأن كيفية التعامل مع طبيعة هذه المسألة. ونظرًا لأنَّ العديد من مناحي الطبيعة هي نتاج ملايين السنين من التطور عن طريق التجربة والخطأ، فإنَّ الطبيعة ستكون دائمًا أفضل مرجع لدينا.

يمكن للطبيعة أن تُعلّمنا استراتيجيات جديدة لاستخدام المضادات الحيوية. على سبيل المثال، وجد فريق من الباحثين نوعًا من النمل يسمى «النمل قاطع أوراق الشجر» أو (Acromyrmex echinatior)، الذي يزرع غذاءه بنفسه، وهو نوع من الفطريات يسمى (Leucoagaricus gongylophorus). ويستخدم المضادات الحيوية التي تصنعها البكتيريا والتي تنمو على أجسادهم، لحماية الفطر/ الغذاء من المرض.

النمل قاطع أوراق الشجر

المفاجأة ليست في حقيقة أنَّ هذا النوع من النمل يزرع طعامه بنفسه، أو أنّه يستخدم المضادات الحيوية للسيطرة على الآفات، ولكنه كان يستخدم المضادات الحيوية بنجاح منذ ملايين السنين دون أن يواجه أزمة مقاومة المضادات الحيوية. والسؤال هنا: كيف فعلوا ذلك؟

تشير النتائج الأوليّة بشأن كيفية استخدام هذا النوع من النمل أسلحتهم الخاصة من المضادات الحيوية إلى أن لديهم أنواعًا متعددة من البكتيريا التي يتغذون عليها، وأنهم يوظفون مزيجًا من البكتيريا الفطرية بجرعة مناسبة وفي وقت مناسب، وبالتالي لا يسمح هذا النوع من النمل لأي سلالة بكتيرية بتطوير مقاومة لهذا المزيج من المضادات الحيوية. البحث لا يزال في مراحله الأولى ولكن يبدو أنَّ النمل يوظّف البكتيريا على نحوٍ مستمر للمساعدة في قمع الآفات.

علاقة التطور بالتغيير: نموذج الزراعة

مع وجود الأسمدة والمبيدات الحشرية المتوفرة اليوم، يبدو أنَّ الحشرات والأمراض ليست لديها فرصة للصمود أمام التقنيات الحديثة التي نمتلكها. ومع ذلك، فإنَّ نظرية التطور تخبرنا أنَّ النظم البيولوجية في تغيير مستمر، وأنَّ الأمراض النباتية سوف تستمر في التطور مع إدخال التقنيات الجديدة. وعلاوة على ذلك، تسلّط نظرية التطور الضوء على خطر زراعة المحاصيل المتماثلة وراثيًا.

المحاصيل المتماثلة وراثيًا هي أكثر عُرضة للتدمير الشامل من قِبل الأمراض والتغيّرات البيئية الجديدة. وهذا يمكن أن يهدد الأمن الغذائي ويؤدي إلى خسائر اقتصادية مدمرة. وخير مثال على هذا هو الحدث التاريخي لمجاعة أيرلندا الكبرى أو مجاعة البطاطس الأيرلندية.

نصب تذكاري لضحايا مجاعة البطاطس في أيرلندا

وقعت مجاعة البطاطس الأيرلندية في الفترة بين عام 1845 و1852. أسفرت تلك المجاعة عن موت ما يقرب من مليون شخص من الجوع، وهجرة مليون آخر من أيرلندا. ويرجع ذلك إلى نوع من الفطريات البيضية المعروفة باسم «فطر عفونة البطاطس»، الأمر الذي يحوّل البطاطس غير المقاومة إلى مادة غير صالحة للأكل.

وقد كان لتلك الفطريات البيضية تأثير هائل في المحصول بسبب عدم وجود تباين وراثي في البطاطس الأيرلندية؛ وذلك لأنَّ نباتات البطاطس الجديدة لا تنتج عن التكاثر (أي حيث يتطور التنوع الجيني)، وإنما من خلال التكاثر النباتي. ولذلك، كان المحصول بأكمله في الأساس نسخة من نوع واحد من البطاطس. واجه محصول البطاطس فطريات بيضية مدمرة، وكان جميعه عُرضة للإصابة بتلك الفطريات، مما أدى إلى أزمة في الأمن الغذائي.

اليوم، تخبرنا نظرية التطور بأنَّ الاعتماد على المحاصيل ذات الاختلاف الجيني المنخفض يمكن أن يؤدي إلى كارثة في مجال الأمن الغذائي. وقد تساعدنا تحذيرات العلماء والدروس المستفادة من الأحداث التاريخية على منع تلف المحاصيل على نطاق واسع عن طريق الحفاظ على مستوى عالٍ من التنوع الوراثي للمحاصيل الغذائية.

التفكير النقدي هو عنصر حاسم من عناصر التعليم الجيّد.

لماذا من المهم تدريس التطوّر؟

الفكرة هنا ليست فرض اعتقاد معيّن ولكن تبادل طريقة التفكير والدعوة إلى إعادة النظر والتشكيك في نظرية التطور على أسس نقديّة. في بعض الحالات، يمكن أن يمنعنا ولاؤنا لمعتقداتنا وأفكارنا الداخلية من إثارة وطرح الأسئلة الهامة التي يمكن أن تساعدنا على فهم فكرة غريبة وطرحها بموضوعية.

ماذا عن التفكير النقدي؟

التفكير النقدي هو عنصر حاسم من عناصر التعليم الجيّد. من أجل إنتاج جيل من المفكرين المستقلين، من المهمّ أن نشعر بالراحة إزاء المناقشات المفتوحة ومناقشة جميع الأفكار، بما في ذلك الأفكار المثيرة للجدل. ولكي نتعلم بشكل شامل، ينبغي ألا نميل فقط لمناقشة المعتقدات المحايدة أو تلك التي تقبلها الأغلبية ونطلب من الجيل الجديد تقبلها على ما هي عليه.

إذا كنت تؤمن بنظرية التطور أم لا، فهي نظرية مركزية في علم الأحياء تحتاج إلى مناقشة وتقييم جاد. كَتَب «تشارلز داروين» في كتابِه «أصل الأنواع»: «لا يمكن الحصول على نتيجة عادلة إلّا من خلال الاعتراف الكامل وتحقيق التوازن بين الحقائق والحُجج على جانبي كل سؤال».

ليس المقصود بنظم التعليم تشكيل معتقدات الطلاب، ولكن ينبغي أن توفر أدوات لتقييم الأفكار بشكل نقديّ لكي يمكن للطلاب تشكيل معتقداتهم على نحوٍ مستقل وعلى أساس قرار مستنير. أتذكرُ أنَّ أفضل أسلوب اختبار عرفته كان في جامعة «كامبريدج»؛ حيث يجري تقييم درجات الطلاب على أساس المنطق المستخدم لتبرير إجاباتهم، سواء كانت الإجابة صحيحة أو خاطئة. في هذه العملية، يتم قبول الجواب بعد نقاش استجواب طويل طالما أنَّ الطالب يُظهر فهمه الجيّد لأسباب وصوله إلى تلك النتيجة. هذا يُعلّم الطلاب التفكير بدلًا من حفظ الحقائق. كما يسمح للطلاب بالخروج عن النسق التقليدي وعدم الخجل من التفكير بشكل مختلف وإبداعي. هذه هي الطريقة الوحيدة لتوليد التنوع الفكري وتشجيع الابتكار.

فلنطرح الأسئلة

العديد من الأسئلة في علم الأحياء يمكن الإجابة عنها دون الإشارة إلى التطوّر. وهذا يشمل الأسئلة التي تبدأ بأداة الاستفهام «كيف»، مثل: كيف تطير الطيور؟ لكنَّ الإجابة عن هذه الأسئلة غالبًا ما تؤدي إلى أسئلة أكثر عمقًا، مثل: لماذا تطير الطيور؟ نوع الأسئلة التي تبدأ بأداة الاستفهام «لماذا» كثيرًا ما تؤدي إلى اكتشافات أكبر. وللإجابة عن الأسئلة التي تبدأ بأداة الاستفهام «لماذا»، نحتاج إلى فهم سياقها التاريخي؛ وهو إطار فهم وإدراك يعترف بالتغيير عبر الزمن، ولا يمكن أن يتم إلّا من خلال نظرية التطور.

إنَّ التدريب العِلمي لا يتعلق بتعليم الطلاب حقائق علم الأحياء فحسب، ولكنَّ الأهم من ذلك أن نعلّمهم كيف يفكرون مثل العلماء. تُعدّ دراسة التطور وسيلة ممتازة للطلاب لمعرفة المزيد بشأن عملية التحقيق العلمي. وفي هذا الصدد، تقدّم الدراسات التطوريّة مناهج مختلفة حول كيف يقوم العلماء بجمع وتحليل المعلومات واختبار الفرضيات المتباينة لتقديم تفسيرات للظواهر الطبيعية، كما تعتمد الدراسات التطورية على مجالات مختلفة من العلوم مثل الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا وعلم الأحياء للمساعدة في تفسير تلك الظواهر الطبيعية. ولذلك، فإنَّ تدريس علم الأحياء دون تفسير نظرية التطور يحرم الطلاب من مفهوم قوي يحقق النظام والتماسك في فهمنا للحياة.

, , ,