إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

أسطورة الواقع الافتراضي التي حققتها التكنولوجيا

الصورة: Getty/Donald Iain Smith

هل المستقبل فعلًا للحياة الافتراضية؟ يبدو أننا نتجه سريعًا، أسرع مما نتخيل، إلى ما بعد حدود حواسنا الخمس، إلى عالم نتجاوز فيه حتى الواقع والزمان اللذين يحيطان بنا، إلى مساحة أخرى تمامًا.

«هل تذكرون لعبة بوكيمون التى أثارت اهتمام الناس صيف 2018؟». من هنا انطلق مقال على موقع «The Tech Edvocate»، المختص بعلوم التكنولوجيا، للحديث عن مستقبل تقنيات الواقع الافتراضي.

الانتشار الذي حققته اللعبة، وفقًا للمقال، جعل المبدعين والمستثمرين يدركون أن العالم مستعد لثورة الحياة الافتراضية. وإذا كان الناس متحمسين لاستحضار شخصيات اللعبة إلى مواقعهم عبر هواتفهم الذكية، فكيف يكون الأمر إذا استطاعوا زيارة تلك الشخصيات في مواقعها؟

البصر والسمع لن يكونا وحدهما نوافذنا على العالم الافتراضي. فالتطور المتوقَّع لهذه التكنولوجيا يمتد ليداعب حواس أخرى، مثل الشم أو الإحساس بدرجات الحرارة والثقل، ومحاولة الوصول بحواس الإنسان إلى تجربة خيالية أشبه بالواقعية، لتختفي تدريجيًّا الحواجز بين الواقع والخيال.

بداية العمل على تنفيذ هذه السيناريوهات ليست بعيدة، إذ بدأ فريق بحثي في معهد «هاسو بلانتر» الألماني في 2017 رحلة بحثية لابتكار تقنيات تعزز تكنولوجيا الواقع الافتراضي بردود أفعال ملموسة. استخدم المشروع شحنات كهربائية تدفع عضلات المستخدِم إلى الاستجابة كما لو أنها تصطدم بجسم ثقيل. ووفقًا لمدونة الدكتور المشرف على المشروع، فإن النموذجين المستخدمين في البحث كانا صندوقًا يمكن حمله وحائطًا يعترض المستخدِم، الذي شعر بهما بالتأكيد.

واقع افتراضي: عمليات جراحية دون مرضى

مستقبل الواقع الافتراضي (مصحوب بترجمة إلى العربية)

من اللعب إلى أكثر المجالات تعقيدًا: الطب. بإمكان الواقع الافتراضي أن يعفي المرضى من التجربة على أجسادهم، ويمنح الأطباء تحت التمرين فرصة إجراء عمليات جراحية افتراضية تُكسِبهم الخبرة، دون خوف تعريض حياة المريض للخطر، ما يجعلهم أكثر راحة وتركيزًا في أثناء العمل.  

في ظل وجود روبوتات طبية تساعد الجراحين على إجراء العمليات الدقيقة دون أيدٍ مرتعشة، يمكن لتكنولوجيا الواقع الافتراضي أيضًا أن تقدم المساعدة للطبيب في غرفة العمليات يومًا ما.

انتقال إلى مكان الخبر دون حركة

يمكن استخدام كثير من تقنيات الواقع الافتراضي في تقديم الدعم النفسي.

الانتقال إلى مسرح الأحداث الساخنة مهمة الصحفي، الذي يحمل على عاتقه مسؤولية نقل ما رآه إلى الجمهور، سواء بالصورة أو بالكلمات أو بالفيديو. مع كل خطوة تكنولوجية جديدة، تتعزز قدرة الصحفي على نقل الصورة بإمكانات جديدة، لكن تقنيات الواقع الافتراضي جعلت الصحفي يصطحب جمهوره أينما ذهب.

«CNNVR» مثال جيد على ذلك، فمؤسسة «CNN» لم تكتفِ بنقل الخبر إلى القارئ، بل تعرض عليه الآن المشاركة في تجربة الصحفي إلى الحد الذي يريده.

يمكنه مشاهدة مقاطع فيديو بتقنية 360 درجة، أو يمكنه استخدام وحدة الواقع الافتراضي لينتقل إلى موقع الحدث بنفسه، وبين لحظة وأخرى يكون في غابات كاليفورنيا أو يعاين حرائق في اليونان. ليس عليه أن يتخيل ما حدث، يمكنه رؤيته بالفعل.

قد يهمك أيضًا: 360 درجة: صحافة دون زوايا محددة

العلاج النفسي الافتراضي

نظارات الواقع الافتراضي وتقوية المشاعر (مصحوب بترجمة إلى العربية)

المخاوف التي لا وجود لها سوى في خيال صاحبها، يمكن تبديدها في الخيال أيضًا، فبإمكان تكنولوجيا الواقع الافتراضي أن تُحدِث طفرة في مجال العلاج النفسي.

ينقل المقال أن شركة برمجيات طوَّرت تطبيقات ثلاثية الأبعاد تُمكِّن مرضى الفوبيا من مواجهة مخاوفهم افتراضيًّا، سواء كانت المرتفعات أو التسلق أو التحدث على الملأ، أو حتى المصابين باضطرابات نفسية حادة مثل «كرب ما بعد الصدمة». لا يقتصر دور التطبيق على الرؤية، بل يراقب أيضًا مستوى القلق، بناء على حركة العين وضربات القلب ودرجة حرارة الجلد.

بإمكان تكنولوجيا الواقع الافتراضي أيضًا أن تتيح فرصة السباحة مع الدرافيل للأغراض العلاجية، أو المساعدة في إعادة التأهيل النفسي.

اقرأ أيضًا: ملف «صيانة نفسية»: ماذا يحدث؟ متى نتحرك؟ كيف ننجو؟

آلة العودة بالزمن.. افتراضيًّا

تعليميًّا، لم يعد حضور المحاضرات من موقعك هو الاستخدام الأمثل لتكنولوجيا الواقع الافتراضي، بل يتطلع المهتمون بالتعليم إلى استغلال تلك التكنولوجيا في إتاحة الفرصة للطلبة لاكتساب مزيد من الخبرات وزيارة الأماكن وتجربة أشياء جديدة داخل فصولهم. لم يعد المعلم في حاجة إلى تمثيل مسرحية تجسد للطالب حقبة ما من التاريخ، فبإمكانه السفر إلى تلك الحقبة بنفسه عبر نظارته السحرية، وبضغطة زر يشاهد الأحداث كأنها «بث مباشر».

الحديث إذًا عن إمكانية استغلال تلك التكنولوجيا في تعليم القيادة، بدءًا من السيارات حتى الطائرات، يبدو منطقيًّا. لم نعد مضطرين لتعريض حياة المارة وسياراتهم للخطر لمجرد أن أحدهم يتعلم القيادة. إضافة إلى ذلك، فإن تعلم قيادة الطائرات أصبح ممكنًا على البر.

الحرب الافتراضية.. برًّا وبحرًا وجوًّا

التكنولوجيا التي انطلقت من وزارة الدفاع الأمريكية وكان لها الفضل في ابتكار الإنترنت، كان لا بد من أن تعود إلى مسقط رأسها. لذلك وضعت الوزارة عينها على تقنيات الواقع الافتراضي منذ ظهورها، وتحاول الاستفادة منها عسكريًّا، بل إنها صاحبة فضل تطويرها وابتكار تقنيات جديدة.

تخيل لو أنك تدربت على مباراة مثلًا، وجربت كل احتمالات ردود فعل الخصم، إلى أي مدى تزداد فرص فوزك؟ بل تخيل أن باستطاعتك عمل «بروفة» معركة، هذا تمامًا ما تقدمه تقنيات الواقع الافتراضي للجيوش: فرصة أفضل للتدريب، وخوض معارك افتراضية تجريبية، وضحايا أقل.

نشر موقع مختص بالشؤون المهنية مقالًا عن الاستخدامات العسكرية لتكنولوجيا الواقع الافتراضي: من الطيران الحربي إلى إطلاق القذائف من الدبابات.

وفقًا للمقال، يوفر تصميم بيئة افتراضية جيدة محاكاة آمنة وتحت السيطرة للمستخدم العسكري. ورغم ارتفاع تكلفة المعدات الافتراضية، فإنها موفرة إذا ما قورنت بالمركبات التي يستخدمها الجنود، إضافة إلى عنصر الأمان الذي توفره للمتدرب.

لا تقتصر استخدامات تقنيات الواقع الافتراضي العسكرية على التدريب الآمن، بل  إنها أداة جيدة لتحليل المناورات العسكرية وإجراء مسح لمواقع المعركة. وفي سماء الفضاء الافتراضي، بإمكان الطيار الحربي أن يخوض معركة ويتعامل مع الطوارئ ويتصل بغرفة العمليات الأرضية.

«بورن» ثلاثي الأبعاد

عندما نتحدث عن تكنولوجيا متطورة متعددة الاستخدامات، لا يمكننا تجاهل الجنس، خصوصًا إذا كان له صلة بالخيال. فلو كان بإمكان الإنترنت أن يقدم كثيرًا من الخدمات للباحثين عن المتعة الافتراضية، فبإمكان تقنيات الواقع الافتراضي تقديم أكثر.

موقع «Porn Hub»، المختص في تقديم مقاطع البورن، يؤكد أن الفيديوهات ثلاثية الأبعاد (التى يمكن مشاهدتها بواسطة وحدة الواقع الافتراضي) من الأكثر تحميلًا ومشاهدة. ويقترب عدد مشاهدي تلك المقاطع في اليوم الواحد من نصف مليون.

صراع الجسد بين الواقع والخيال

رغم كل ما تقدمه تكنولوجيا الخيال للإنسان، فإننا يجب أن نستخدمها بحذر. استخدام الواقع الافتراضي لفترات طويلة يُلحق بنا أضرارًا تختلف من شخص إلى آخر.

يكمن الخطر الأول في غياب الوعي المكاني للمستخدم، خصوصًا لو كانت التجربة تغير من البيئة المحيطة بالإنسان. لذلك لا بد من أن تتأكد أن المكان حولك يخلو من الحيوانات الأليفة أو الأشياء الحادة أو الأطفال. فبعد 30 دقيقة من الانتقال إلى الحياة الافتراضية، تختفي الفوارق بينها وبين الواقع في وعيك.

الألعاب التي تحتوي على طيران أو جري سريع أو تسلق أو سقوط من أكثر ما يسبب إرباكًا شديدًا لوعي اللاعب. وبالطبع لو كان التسلق أو الإبحار يسبب لك الدوار أصلًا، فابتعد عن التجربة الافتراضية، لأنك ستسقط قبل أن تنتهي اللعبة. التجارب الافتراضية ليست خالية من الأخطار.

قد تُعَرِّفك التجارب الافتراضية إلى أنواع من الفوبيا أو الرهاب لم تجربها من قبل، فانتبه جيدًا لأنك لا تعرف ماذا سيلحق بجسدك خلال تعرضك لتجربة جديدة. ليس صحيحًا أن عينيك فقط تتعرضان للتجربة، بل كل جسدك وعضلاتك.

من المعروف عن تقنيات الواقع الافتراضي أنها تسبب الغثيان. عدد من الدراسات يؤكد أن المتعرضين لتقنيات المحاكاة بكثافة ربما يصابون بما يسمى «مرض السيبرانية». ففي الواقع الافتراضي تعمل حواسك بالتزامن مع جسدك، وهو ما لا يحدث عندما تتعرض عيناك وأذناك لتجربة افتراضية بإيقاع يختلف عن إيقاع بقية الجسد.

وفقًا لهذه النظرية، يتسبب غياب التنسيق بين الحواس في الشعور بإعياء بعد فترة طويلة من التعرض لهذه التجربة.

من ضمن الآثار السلبية التي تلحق بالحواس جراء تعرضها لتجربة غير واقعية، إصابة عيني المستخدِم بحالة شبيهة بتلك التي تتعرض لها حين تحاول استخدام نظارة النظر الخاصة بآخرين: تشوش في الرؤية يتبعه صداع. يصاب المستخدِم بهذه الحالة عند وضع النظارة أو التخلص منها. وللتغلب على مثل تلك الأعراض، تخلص من النظارة بين الحين والآخر، واضبط إعدادات العدسة لتتلاءم مع عينيك.

رغم تحذير الخبراء من الآثار السلبية على البصر على المدى البعيد، هناك من يشككون في تلك التحذيرات استنادًا إلى أن هذا المدى البعيد لم ندركه بعد حتى يمكن اختبار الآثار المتوقعة.