اعرف نفسك

متى تذهب إلى الطبيب النفسي؟

التصميم: منشور

للإجابة عن سؤال يتعلق بتوقيت الذهاب إلى طبيب نفسي. ربما علينا أن نبدأ من البداية. 

ما الذي يدعو أحدهم إلى اتخاذ قرار الذهاب إلى طبيب وعرض مشكلته؟ ما الأسباب التي يجب أن تُقلِق من يعاني من المرض النفسي، بحيث يصبح القرار الأنسب هو طلب الدعم أو العلاج؟

هناك إجابتان عن هذا السؤال: الأولى ببساطة أنه لا يجب عليك أن تنتظر سببًا للذهاب.

يمكن دائمًا الذهاب بغرض الاطمئنان. لو شككت في أنه واحد من الأعراض المقلقة، يمكنك أن تذهب بنفسك وتطمئن من الطبيب. السرعة في اتخاذ القرار تكون عادة عاملًا شديد الأهمية. كثير من الأعراض النفسية يسهل علاجها في مراحلها الأولى، قبل أن تتفاقم وتتخذ أشكالًا أكثر إزعاجًا.

الأمراض أو الاضطرابات النفسية هنا لا تختلف عن أي اعتلال آخر يصيب الجسم. كلما تداركتَ الأمور أسرع، كانت فرصة العلاج أفضل والمعاناة أقل. زيارتك الطبيب لا تعني أنك مريض بالضرورة، هذه مسألة يقررها المعالج نفسه. 

الإجابة الثانية، الأكاديمية بعض الشيء، أن يذهب أحدهم إلى الطبيب عندما يحدث ما يعكر صفو صحته النفسية، فيصبح من الصعب عليه أن يتعامل مع ضغوط الحياة، ولا العمل بكفاءة، ولا الاندماج مع مجتمعه بطريقة عادية. 

عادةً تكون المشكلة التي تستدعي الذهاب إلى الطبيب النفسي مشروطة بـ«اختلال في الوظيفة»، وهو تعبير يُستخدم في الأدبيات النفسية لوصف علاقة الفرد بنفسه والمجتمع، والطريقة التي يتفاعل بها في مجالات العمل أو الدراسة. 

يعبِّر هذا الاختلال في الوظيفة عن نفسه بعدة أشكال، منها: 

1. فقدان الرغبة والحماسة في فعل الأشياء: ليس الملل العادي الدوري. المقصود هنا فقدان الاستمتاع بأشياء كانت تُسعدك في ما مضى، حتى لو لم يكن السبب واضحًا بالنسبة إليك. يصبح غياب الرغبة والحماس ذا دلالة حقيقية تستوجب النظر، خصوصًا لو كنت ترغب في فعلها دون وجود قدرة على الفعل.

2. نقص التركيز المتكرر والملحوظ: مسألة تختلف من شخص إلى آخر بالطبع. مستويات تركيز البشر مختلفة، وتختلف عند الشخص الواحد في مراحل مختلفة من حياته. لهذا، فإن الذي يعاني من هذه المشكلة هو الوحيد الذي يستطيع تحديد ما إذا كان هذا أمرًا عاديًّا لازَمه مثلًا طيلة حياته، أو عرضًا مرتبطًا بضغوط عابرة تمر، أو عرضًا مفاجئًا غير طبيعي يقتضي الحصول على مشورة نفسية.

3. ما تفعله للتعامل لم يعد ناجحًا: كلنا نملك طرقًا نتعامل بها مع ما يسبب القلق والتوتر، مثل الخروج مع أصدقائنا، قراءة كتاب، مشاهدة فيلم، الجلوس مع الأهل، إبداع عمل فني، أو حتى الحصول على إجازة من العمل والسفر. لكن عندما يبدو أن كل هذه الأشياء لم تعد تفلح في التغلب على المشاعر والأفكار السيئة، فهذا هو الوقت لطلب المساعدة من متخصص.

4. ظهور أعراض إدمانية: هذه مسألة ترتبط بالوظيفة والقدرة على الإنتاج. عندما يصبح من الصعب عليك أن تتخلى عن عادة ما، بشكل يؤثر في حياتك الاجتماعية والعملية، يصبح من المنطقي الذهاب إلى طبيب نفسي وطلب المشورة. تشتمل هذه الأعراض كل ما لا تستطيع الإقلاع عنه: استهلاك المواد المخدرة بشكل إدماني، الإسراف في تناول الطعام، الاضطراب المستمر في الوزن سواء بالزيادة أو النقصان، الإسراف في الكحوليات، أو حتى عدم القدرة عن التوقف عن ممارسة ألعاب الفيديو.

5. حالات الفقد: عدم القدرة على التعامل مع حالات الفقد واستمرار الأعراض السلبية لفترة أطول من فترات الحداد الطبيعية يستوجب زيارة طبيب نفسي. لا يتعامل كل الناس مع هذه المسألة بطرق متشابهة. أحيانًا لا يستطيع بعضهم التعامل معها أصلًا.

6. الاكتئاب: إنه ليس شيئًا ثابتًا، ولا هو نفس الشيء عند كل الناس، وكثيرًا ما تكون أعراضه مختلفة من شخص إلى آخر، ببساطة لأننا مختلفون. لكن هذا لا يمنع أنه أمر حقيقي، ومشكلة واقعية يعاني منها كثيرون، أحيانًا في صمت كامل.

المشكلة مع الاكتئاب كذلك أن الكلمة نفسها لم تعد تُعبِّر عن نفس الشيء. الاكتئاب في العيادة والمستشفى، الذي يتولى أمر تشخيصه الطبيب، غير الاكتئاب الذي يقول شخص ما إنه يشعر به بينما يقصد الحزن مثلًا، أو عدم الرغبة في الخروج مع أصدقائه. لكن هناك على الأقل مجموعة من العلامات التي يمكن اعتبارها دلالة على ضرورة الذهاب إلى الطبيب، في عيادته أو في مستشفى:

  • عدم القدرة على الشعور بالسعادة من أشياء كانت تُسعده في ما مضى
  • الإحساس بنقص الدافع، وعدم الرغبة في الفعل
  • الشعور بقلة القيمة، وأنه لا يملك أهمية خاصة، حتى في دائرته المقربة 
  • تغيير عادات النوم، سواء زيادتها بشكل كبير، أو نقص عدد ساعات النوم بشكل ملحوظ 
  • نقص واضح في التناسق الحركي العصبي: بعض الناس يتحدثون عن أنهم يشعرون باختلال مفاجئ في التوازن، عدم القدرة على التركيز في ما يفعلونه، وأحيانًا يكون أحد الأعراض المهمة هو الاصطدام بالأثاث في المنزل الذي اعتاد أحدهم على العيش فيه 
  • أعراض جسدية: قد يظهر الاكتئاب نفسه في شكل أعراض جسدية مفاجئة. هناك مثلًا الصداع أو الإرهاق المستمران، وهناك ملاحظة متكررة من عدد من المرضى عن إنفلونزا مستمرة لا يُشفَى منها المريض إلا ليدخل في أخرى. هذا مؤشر مهم، لكن الأهم هنا ضرورة استبعاد الأسباب العضوية لهذه الأعراض

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، الاكتئاب مصدر الإعاقة الأول في العالم، وأكثر الأمراض العقلية شيوعًا، بمعدل يصل إلى 300 مليون شخص. هذه ليست مجرد أرقام، إنها نحن، وهذا واقعنا الذي يجب أن ندركه جيدًا. 

7. الأفكار الانتحارية: لا مساحة هنا لأي تردد من أي نوع. أي فكرة تراودك عن إيذاء ذاتك يجب التعامل معها بجدية، خصوصًا لو تكررت. والأمر يصبح لا مساحة للتراجع فيه حين تتحول هذه الأفكار إلى خطط تتضمن طرق التنفيذ، حتى لو كنت تتجاهلها. وجود هذه الأفكار دلالة حقيقية على ضرورة الذهاب في أسرع وقت. 

8. الفوبيا: خوف مرضي متواصل من مواقف أو نشاطات بعينها، تثير حالة من التوتر عند الاقتراب، أو التفكير فيها. في كثير من الأحيان، يدرك المصاب بالفوبيا أن مخاوفه غير منطقية، لكنه لا يستطيع التعامل معها.

9. اضطرابات القلق: القلق جزء من التجربة الإنسانية. نشعر بالقلق بشكل دائم في أوقات مختلفة، لكن الأمور تصبح أكثر حدة ويجب التدخل فيها عندما يستمر القلق ولا يمكن التحكم فيه، وعندما يبدأ في إعاقة ممارسة الحياة الطبيعية. 

تقترب من هذه المساحة الأفكار الوسواسية التي لا يستطيع المريض السيطرة عليها ولا التعامل معها. يشعر بعضهم بأنه محاصَر في أفكاره، تلح عليه، دون قدرة على التجاوب معها ولا التخلص منها. التأكد من مفتاح الغاز أكثر من مرة، التأكد من أن الباب مغلق، التوتر عند ممارسة الشعائر الدينية.

ليس هذا القلق المعتاد الذي نجده لدى بعضهم. يتفاوت كثير من الناس في شعورهم بالقلق وطرق تعاملهم معه، لكن الأمر يصبح بحاجة إلى طبيب عندما تخرج الأمور عن السيطرة، ويصبح من الصعب على من يعاني منها أن يعيش حياة طبيعية.

10. الاضطرابات العقلية: يمكن للاضطرابات العقلية أن تظهر بأكثر من طريقة وأكثر من عَرَض. أحيانًا تكون الأعراض الغريبة هذه نتيجة مشكلة أكبر، تحتاج إلى مختص في الصحة النفسية. نتحدث هنا عن أمراض تشغل حيِّزًا مهمًّا من الطب النفسي، تحديدًا ما يتعلق بجانبه الدوائي، مثل الاضطراب ثنائي القطب، ونوبات الاكتئاب الجسيمة، وبالطبع الفصام (السكيزوفرينيا).

لم نتحدث هنا كثيرًا لأن هذه الأمراض عادة ما تُظهر نفسها بطريقة عنيفة ولا يمكن تجاهلها. في أحيان كثيرة، يكون الأهل أصحاب قرار ذهاب المريض إلى طبيب، لأن بعضًا من هذه الأمراض لا يستبصر فيها المريض بحالته.

هذا ليس دليلًا يدويًّا تبحث فيه عن حالتك. تجدها: «سأذهب إلى طبيب»، أو لا تجدها: «لست بحاجة إلى طبيب». كل ما ورد هنا علامات أساسية كبيرة، قد تكون حاضرة وقد لا تكون. كل واحد أدرى بنفسه. أنت وحدك من يعرف حالتك الطبيعية وغير الطبيعية.

ما نحاول قوله هنا: عليك أن تنظر بعين الاعتبار إلى فكرة الذهاب إلى طبيب نفسي متخصص لو لم تعد الأمور تسير في سياقها المفهوم. طلب المساعدة ليس عيبًا، العيب الحقيقي عدم الاعتناء بنفسك.