وسع الكون

النظر في وجه الشمس: لماذا تأخرت «ناسا» كل هذا الوقت

الصورة: Getty/The Washington Post

تمثل كتلة الشمس نحو 99.8% من الكتلة في نظامنا الشمسي. سحب جاذبيتها الجبار هذا هو ما يُحافظ على كل شيء هنا، ابتداءً من أصغر كوكب في هذه المجموعة الشمسية، وحتى «سحابة أورت» (Oort Cloud) التي تحوي آلاف الكويكبات.

لكن على الرغم من أن الشمس تملك مثل هذا الجاذبية الهائلة، فمن الصعب بشكلٍ مدهش أن نذهب إليها. فللوصول إلى هذا النجم الغازيِّ نحتاج إلى 55 ضعفًا من الطاقة أكثر مما نحتاجه للذهاب إلى المريخ.

لمس الشمس، حلم على وشك التحقق

الصورة: NASA/SDO

سيؤدي مسبار باركر الشمسي مهمة استثنائية في استكشاف الشمس، ومن المتوقع أن يحدِث ثورةً في فهمنا للنجم العملاق.

لماذا الأمر بهذه الصعوبة؟ الإجابة ببساطة تكمن في الحقيقة ذاتها التي تحافظ على كوكب الأرض من الاندفاع فجأةً نحو الشمس. كوكبنا يسافر بسرعة كبيرة (نحو 67 ألف ميل في الساعة) حول الشمس. لذلك، فإن الطريقة الوحيدة للوصول إلى الشمس هي إلغاء تلك الحركة. هل هذا ممكن؟

«ناسا» تكتب التاريخ، وتخطو أول خطوةٍ في طريق الألف ميل، وتعمل على جعل المستحيل ممكنًا، الوصول إلى الشمس ولمسها دون أن نحترق.

رحلة إلى الشمس

في يوم الأحد، الثاني عشر من أغسطس 2018، وقبل أن تشرق الشمس في فلوريدا، الساعة 3:31 صباحًا بالتحديد، أي 9:31 صباحًا بتوقيت القاهرة، أطلقت وكالة ناسا «مسبار باركر الشمسي» (Parker Solar Probe) ليبدأ رحلته إلى الشمس، حيث سيؤدي مهمة استثنائية من المتوقع أن تُحدِث ثورةً في فهمنا للنجم العملاق الذي يجعل حياتنا على الأرض ممكنة، وستبدأ المركبة الفضائية في نقل مُلاحظاتها العلمية الأولى في ديسمبر 2018.

كان من المُقرر إطلاق الصاروخ يوم السبت، لكن بعد احتشاد وترقب آلاف المُتابعين لعملية الإطلاق من قاعدة القوات الجوية «كيب كنافيرال»، وجد المسؤولون خطأ فنيًّا قبل التوقيت المحدد للإطلاق بدقيقة وخمس وخمسين ثانية، الأمر الذي أجبرهم على تأجيل العملية إلى يوم الأحد. حتى الرحلة التي تأخرت كثيرًا، تأخرت يومًا آخر.

«آندي دريسمان»، مدير المشروع من مختبر الفيزياء التطبيقية التابع لجامعة جونز هوبكنز، قال إن «هذا الإطلاق تتويج لستة عقود من الدراسة العلمية وملايين الساعات من الجهد. مسبار باركر الشمسي يعمل بشكل طبيعي، وفي طريقه لبدء مهمة مدتها سبع سنوات من العلم الجاد».

حُمِل هذا المسبار فوق صاروخ «دلتا 4 الثقيل» (Delta IV Heavy)، وهو واحد من أقوى الصواريخ حاليًّا، وعملت على بنائه وتشغيله شركة «United Launch Alliance»، وهي مشروع مشترك بين «بوينغ» (Boeing) وشركة «لوكهيد مارتن» (Lockheed Martin).

تعتمد مراحل إطلاق أي صاروخ أو مركبة على ثقلها، والمكان المراد لها وصوله. مسبار باركر تطلَّب ثلاثة مراحل لإطلاقه، ولأن كل مرحلة تعطي طاقةً أكبر من سابقتها للصاروخ، فإن المرحلة الثالثة لصاروخ دلتا 4 ستمنح المسبار الدفعة الإضافية الأكبر التي يحتاجها ليُفلت من جاذبية الأرض بسرعةٍ عالية، بما يكفي لوضعه في مسار كوكب الزهرة في نوفمبر 2018، ثم إلى الشمس.

اقرأ أيضًا: بعد اكتشاف «ترابيست-1»، هل اقتربنا من الحياة خارج الأرض؟

الرياح الشمسية: مُعضلة الفلكيين

أضواء الشفق القطبي

الرياح الشمسية هي تيار الجسيمات المشحونة (بروتونات وإلكترونات في الأصل) التي تتدفق باستمرار من الشمس بسرعة تقترب من مليون ميل في الساعة. يُنتج الحقل المغناطيسي للأرض فقاعةً تجعل الرياح الشمسية تنحرف حول الكوكب، وهي أحد التفسيرات لظهور الشفق القطبي الجميل، المعروف أيضًا باسم «الأنوار الشمالية والجنوبية»، وهو مزيج من الألوان التي تومض ليلًا في المناطق القطبية.

ستساعد نتائج المهمة الباحثين للوصول إلى فهم أعمق للرياح الشمسية، وستسهم في تحسين توقعاتهم لأحداث الطقس في الفضاء، والتي قد تؤدي إلى الإضرار بالأقمار الصناعية، وإلحاق الأذى بالرواد الفضائين في المدار، وتشوش الاتصالات اللاسلكية، وفي أحلك الظروف، تدمر شبكات الكهرباء.

مسبار باركر الشمس قطعًا ليس المحاولة الأولى لفهم الشمس، فوكالة ناسا لديها تاريخ مُمتد من المهمات المخصصة لفهم الشمس فقط.

ينصبُّ تركيز مسبار باركر الشمسي على هالة الشمس، وهي الغلاف الجوي الخارجي لها، ولا يمكن رؤيته إلا في وقت الكسوف الكلي للشمس، ليحل ألغازًا أساسية وطويلة الأمد عن الشمس: ما سر هذه الهالة الحارقة؟ لماذا هي أشد حرارةً من السطح ذاته بثلاثمئة مرة؟ ما الذي يُحرك الرياح الشمسية؟ وأخيرًا، ما الذي يسرِّع الجسيمات النشطة الشمسية، والتي يمكن أن تصل سرعتها إلى أكثر من نصف سرعة الضوء، بينما تبتعد عن الشمس؟

سعى العلماء للحصول على هذه الإجابات لأكثر من 60 عامًا، لكن يتطلب الأمر دائمًا إرسال مسبار يمر عبر الحرارة الشديدة لهالة الشمس. اليوم، يُصبح هذا المطلب مُمكنًا مع التقدم المتطور للهندسة الحرارية التي يمكن أن تحمي المسبار في رحلته.

تاريخ طويل لفهم الشمس

ظلت الشمس لغزًا محيِّرًا منذ اكتشاف الإنسان قدرته على إرسال سفن إلى الفضاء الخارجي، مسبار باركر الشمس قطعًا ليس المحاولة الأولى لفهم الشمس، فوكالة ناسا لديها تاريخ مُمتد من المهمات المخصصة لفهم الشمس فقط. بعد استطلاعات كثيرة ومعلومات قليلة من صواريخ عابرة، بدأ العلماء دراسة الشمس من مدار الأرض.

كان مرصد المدار الشمسي (OSO) واحدًا من ثمانية مراصد مدارية أطلقتها ناسا في الفترة بين 1962 و1971، نجح سبعةٌ منها، ودرست دوران الشمس في الأشعة الفوق بنفسجيَة ومطياف الأشعة السينيَّة. صوَّر المرصد (OSO) الهالة الشمسية، وقدم ملاحظاتٍ بالأشعة السينية للانفجار الشمسي، وعزز فهمنا قليلًا لجو الشمس من بين عدد من الإنجازات الأخرى.

في نوفمبر 1974 ويناير 1976، أطلقت ناسا المسبارين هيليوس الأول والثاني (Helios) على التوالي. أجرا المسبارين دراساتٍ أولية للشمس، فأرسلت معلومات مبدئية عن البلازما والرياح الشمسية والأشعة الكونية والغبار الكوني، واستمر المسباران في إرسال البيانات حتى عام 1985.

أُطلق المسبار «يوليسيس» (Ulysses) في أكتوبر 1990. عمل هذا المسبار 12 عامًا، مرسلًا البيانات التي ساعدت العلماء في فهم طبيعة الغلاف الشمسي (Heliosphere)، والقوى النشطة في الهالة الشمسية.

هذا يقودنا إلى المسبار «سوهو» (SOHO) الذي أُطلِق في ديسمبر 1995، لدراسة الرياح الشمسية مرةً أخرى، إضافة إلى طبقات الشمس الخارجية وهيكلها الداخلي. وعلى الرغم من موقعه البعيد عن الشمس، فإنه يعد مثاليًّا للمراقبة المستمرة على المدى الطويل. كانت نتائجه العلمية مذهلة، فقد صوَّر بنية البقع الشمسية على سطحها، وقاس تسارع الرياح من الشمس، واكتشف أمواج الهالة الشمسية والأعاصير الشمسية، ووجد أكثر من ألف مُذنَّب.

لكن كل واحد منهم كان يقابله مشكلة الاقتراب أكثر من اللازم. فالاحتراق إما أن يكون تأثرًا بالحرارة وإما بالإشعاع الشمسي. وهذا هو تحديدًا ما يميز مسبار «باركر»: قدرته المختلفة على الاقتراب كل هذه المسافة.

قد يهمك أيضًا: الورقة الأخيرة لهوكينغ: هل اقتربنا من نظرية كاملة للكون؟

لن يذوب المسبار.. نتمنى ذلك

ناسا تصور الإشعاع الشمسي

يحمل مسبار باركر الشمسي أربعة أجنحة من الأجهزة المصممة لدراسة الحقول المغناطيسية والبلازما (طور من أطوار المادة) والجسيمات النشطة، والتقاط صور للرياح الشمسية. وهذه الأجهزة قادرة على اكتشاف التفاصيل التي لا يمكن رؤيتها من أماكن بعيدة. تقود هذه البحوث كلٌّ من جامعة كاليفورنيا ومعمل أبحاث البحرية الأمريكية في واشنطن وجامعة ميشيغان وجامعة برنستون.

في أقرب دنو للمركبة الفضائية، ستصل درجة حرارة سطحها الخارجي إلى ألفين وخمسمئة درجة فهرنهايت/1371 درجة مئوية، أي درجة حرارة ذوبان الفولاذ تقريبًا. لكن دِرع الكربون الواقي الذي يبلغ سُمكه مترين ونصف تقريبًا، سيمتص الحرارة الشديدة، ويُبقي المركبة الفضائية وأجهزتها باردة.

رحلة الإنطلاق والوصول

خلال الاقتراب الأول، سيمر المسبار على بُعد 15 مليون ميل تقريبًا من الشمس، وهذا قريبٌ كفاية للأجهزة لتجمع بعض البيانات المُفيدة، وسينطلق المسبار أيضًا بالقرب من كوكب الزهرة، مُستخدمًا جاذبية الكوكب ككابح يمنع استنزاف طاقة حركته، ليتمكن من التسلل إلى العمق، ويكون أقرب إلى الشمس، تحديدًا عند نقطة لم يسبق لجسم صنعه الإنسان أن يصل إليها.

مهمة مسبار باركر هي أول مهمة يتم تسميتها باسم باحث حي.

انطلاقًا من هذه اللحظة، سيكون المسبار في مدار بيضاوي الشكل مدته 88 يومًا، مع أقرب دنو يصل إلى بُعد 3.8 ملايين ميل تقريبًا.

في النهاية، ستمر المركبة الفضائية على بُعد أربعة ملايين ميل من سطح الشمس، قريبة بما يكفي لاختراق الغلاف الجوي الخارجي للنجم العملاق. في المُجمل، ستستكمل المركبة الفضائية 24 مدارًا، وستنتهي مهمتها في عام 2025. وخلال مدارات المسبار الأخيرة، سيؤدي السحب القوي لجاذبية الشمس إلى تسريع المسبار لتصل سرعته إلى 430 ألف ميل في الساعة، ما يجعله الجسم صاحب الرقم القياسي، كأسرع جسم متحرك صنعه الإنسان.

«يوجين باركر» يشاهد إطلاق المركبة الفضائية التي تحمل اسمه

سُميت المهمة والمسبار باسم «يوجين باركر»، وهو بروفيسور مُتقاعد في جامعة شيكاغو، وأحد أهم علماء الفلك والفيزياء.

فقد وضع النظرية الأولى لوجود الرياح الشمسية عام 1958، وهذه هي أول مهمة تُسميها ناسا باسم باحث حي. أُلصقت لوحة معدنية تُهدي المهمة إلى باركر، وكُتب عليها اقتباسًا له: «لنر ما ينتظرنا».

, , , , , , , ,