اعرف نفسك

علم النفس الاجتماعي: لماذا نرتكب الحياة بهذه الطريقة؟

الصورة: Getty/Reza

يقترح مبدأ «تأثير الهالة» أن أحكامنا تتأثر بالمظاهر التي يبدو عليها الأشخاص، فمثلًا، حين نرى فتاة جميلة أو شابًّا وسيمًا نحسبهم أكثر ذكاءً ونجاحًا وشعبيةً من الآخرين، ونميل إلى تصديق كلامهم ونتأثر بأفعالهم أكثر ممَّا نفعل مع باقي الأشخاص متوسطي الجاذبية أو معدوميها. اقترح هذا المبدأ أحد العلماء في عام 1920، وتبعه آخرون بأبحاث وتجارب عدة، كلها تثبت نفس المبدأ.

قرأت عن «تأثير الهالة» والمجهودات المبذولة لإثباته، وفكرت: هل حدث هذا فعلًا؟ هؤلاء علماء حمل أغلبهم، ما لم يكن جميعهم، شهادات دكتوراه في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي، بذلوا من أعمارهم سنوات لإثبات حقيقة يعرفها أي طفل، أن البشر يتأثرون بالجذابين أكثر من غيرهم. ألم يفكر أحدهم للحظة أن هذه بديهيات لا تحتاج إلى كل هذا؟

تذكرت تعليقًا جاءني من صديق بعد موضوع «تحذير من كوكب كلاريون: عن نهاية العالم التي لم تحدث» عن التنافر المعرفي: «ما الجديد؟ الجميع يعلم أننا نكذب على أنفسنا لنريح ضمائرنا، ولسنا بحاجة إلى كل هذا الكلام. هؤلاء العلماء يجعلون من الحبة قُبَّة».

بالتفكير في نتائج أشهر تجارب ونظريات علم النفس الاجتماعي، وجدت أن هذا قد يكون صحيحًا إلى حد ما. فما يخبرنا إياه هذا العلم نعرف أغلبه مسبقًا بشكل أو بآخر، بعض نتائجه يشبه نصائح الأب العجوز المملة التي لا يرغب أحدنا في سماعها، وبعضها يبدو كتجليات صديقك الذي تخرج منه خلاصة حكمة التاريخ بعد السيجارة الثالثة، وما تبقى لا يزيد عن تأملاتك في ليلة شتوية باردة تكتبها على صفحتك في فيسبوك مع هاشتاغ #كلام_كبار.

ما الذي يجعلنا بحاجة إلى علم كامل مستقل ليخبرنا بما نعلمه مسبقًا؟ دعنا نعرف شيئًا أو اثنين عن هذا العلم، عسى أن نجد سببًا منطقيًا لوجوده.

ما علم النفس الاجتماعي؟

الصورة: mossaabdaoui

هو الدراسة العلمية للكيفية التي يفكر بها الأفراد، ويؤثرون، ويتفاعلون مع بعضهم بعضًا، أو يمكن تعريفه بأنه المجال العلمي الذي يهدف إلى فهم طبيعة وأسباب تصرفات الفرد في مواقف اجتماعية.

هذا علم يهتم بك أنت، أنت بالذات، علم يهتم بدراسة الفرد بشكل حصري، وليس بدراسة المجموعات كما قد يُساء فهم اسمه وتعريفه. يهتم علماء هذا المجال بدراسة العوامل التي أدت إلى تفكيرك في فكرة معينة، أو أدائك تصرفًا معينًا في موقف ما.

ستندهش عندما تدرك كمية المواقف والأفعال التي حسبتَ أنك تفعلها عن إرادة حرة وتفكير ذكي منمق عقلاني، لكنها لم تكن إلا رد فعل طبيعي غريزي على عوامل محددة ليس لك عليها سلطان.

اقرأ أيضًا: جماهير أكثر.. وعي أقل: كيف يُفقدك القطيع فرديتك؟

علم النفس الاجتماعي: البداية

الصورة: Hulton Archive

السؤال الذي دفع باحثي ما بعد الحرب إلى إجراء تجارب علمية هو: كيف تحول الألمان المتحضرون إلى قطيع جنود خلف ديكتاتور مجنون؟

بينما يعُد بعضنا أفكار قدامى الفلاسفة وكتاباتهم (مثل أرسطو والفارابي وغيرهما) البداية الحقيقية لعلم النفس الاجتماعي، فإن أول ظهور لمصطلح «Social Psychology» وبدايته كعلم شبه مستقل عن علم النفس كان في كتاب «مقدمة في علم النفس الاجتماعي» لعالم النفس الأمريكي «ويليام مكدوغال»، الصادر في عام 1908. كتاب كان أشبه بحجر الأساس لهذا العلم، لكن ما قدمه من أفكار تغير كثيرًا عبر سنوات من البحث العلمي الممنهج.

العصر الذهبي لعلم النفس الاجتماعي بدأ مع نهايات الحرب العالمية الثانية وما تلاها، عندما وجدت الحكومة الأمريكية وقيادات الجيش أسلحة لا تقل أهميةً عن الصواريخ النووية. خلال الحرب، احتاجت قيادات الجيش إلى العلماء لدراسة مفاهيم مثل «الإقناع» و«البروباغندا»، وبعد الحرب كان السؤال المسيطر هو: «كيف تحَّول أفراد مجتمع راق متحضر مثل ألمانيا إلى قطيع من الجنود الوحشيين خلف ديكتاتور مجنون مثل هتلر؟».

كان هذا السؤال هو المحرك الأقوى الذي دفع علماء وباحثي ما بعد الحرب إلى إجراء التجارب المختلفة باحثين عن إجابة مناسبة، ولم تتوقف كرة الجليد عن الانحدار.

اقرأ أيضًا: شهود أكثر.. فرص نجاة أقل: كيف تنجو بحياتك من الجهل الجمعي؟

علم النفس، علم الاجتماع، علم النفس الاجتماعي

الصورة: Pavlo Luchkovski

بمجرد النظر إلى أسماء العلوم الثلاثة، يمكن للقارئ تخمين وجود علاقة قوية تربطهم، وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكن الأمر بحاجة إلى شيء من التوضيح.

يهتم «علم النفس» بصفة عامة بدراسة الفرد، سلوكه وتفكيره، الواعي وغير الواعي. ودراسة الفرد عامل مشترك بين فروع علم النفس المتباينة. بينما «علم الاجتماع» يُعنى بدراسة الحياة الاجتماعية للبشر، سواء بشكل مجموعات أو مجتمعات، ولا يهتم إطلاقًا بدراسة الفرد، وبالتالي ليس له علاقة مباشرة بعلم النفس أبدًا.

هنا يأتي علم النفس الاجتماعي ليسد فجوة كبيرة بين العِلمين، فيدرس سلوك الفرد وكذلك أفكاره في ما يخص علاقاته بالآخرين. فمثلًا، إذا أردنا دراسة موضوع مثل التعصب، يمكننا ذلك من خلال ثلاث وجهات نظر مختلفة:

  1. من وجهة نظر علم النفس العام، يدرس الباحث سمات الشخص المتعصب، فيجد أن أهم سماته التفسيرية هي التطرف والتشدد والتصلب والتوتر الشديد.
  2. علم الاجتماع يدرس إن كان التعصب ظاهرة مجتمعية، وهل يمثل نظامًا اجتماعيًّا داخل المجتمع موضوع الدراسة؟ هل يرتبط بطبقة اجتماعية معينة في داخل هذا المجتمع؟
  3. في علم النفس الاجتماعي، يهتم الباحث بالسمات الخاصة بالفرد التي قد تؤهله إلى أن يكون متعصبًا أو لا يكون، وتفاعله مع الواقع المجتمعي الذي يزكي التعصب أو لا يزكيه. هل لو كان الفرد يحمل سمات التعصب في مجتمع يرفضه سيصير متعصبًا؟ ماذا إن كان شخصًا متسامحًا بطبعه لكنه جزء من مجتمع يزكي التعصب، هل سيصير كذلك؟

بالتالي، لا غنى عن العلوم الثلاثة لإكمال بعضها بعضًا.

5 فرضيات تفسر علم النفس الاجتماعي

علم النفس الاجتماعي يشرح كيف يؤثر الموقف على أفكار وشعور الفرد

في هذه المرحلة من أي مقال يقدم نبذة عن علم النفس الاجتماعي، عادةً ما يعرض الكاتب نماذج من بعض أفكار رئيسية أو تجارب شهيرة في هذا المجال. أحسب أني فعلت ذلك في موضوعات سابقة، وربما نستزيد في موضوعات تالية، لكن هنا أحب أن أقدم فرضيات «ماثيو ليبرمان» الخمسة.

في محاضرته الأولى لتدريس منهج «مقدمة في علم النفس الاجتماعي» في جامعة «UCLA» الأمريكية، قدَّم ليبرمان خمس فرضيات رئيسية تحتوي ضمنيًّا وباختصار شديد كثيرًا من النتائج والأفكار التي يقدمها علم النفس الاجتماعي، وعاد لاحقًا في المحاضرات التالية شارحًا كلٍّ منها بتفصيل شديد. محاضرات المنهج كله موجودة على يوتيوب، وهو منهج فائق الإمتاع والفائدة.

الفرضية الأولى: المواقف قوية

ربما تكون هذه الفرضية هي الأهم على الإطلاق، ويمكن تفسير الفرضيات التالية، وربما علم النفس الاجتماعي بالكامل، من خلالها.

المواقف تؤثر، وأحيانًا تتحكم بالكامل، في ما نفعله ونفكر فيه ونشعر به تجاه الأشياء والآخرين. كيف تقرأ هذا الموضوع الآن؟ هل أنت مسترخٍ على سريرك تقرأ بعينين نصف مقفلتين من شاشة هاتفك؟ أم في منتصف زحام خانق في حافلة نقل عام؟ أم في قمة تركيزك تنظر إلى شاشة جهاز الكمبيوتر المحمول؟

الموقف الذي تقرأ فيه الموضوع يؤثر بشكل جذري في فهمك لمحتواه، وقبولك أو رفضك له، وشعورك تجاهه وتجاه كاتبه، وتجاه الموقع الذي يقدمه أصلًا. ربما إذا كان موقعك في الحافلة خانقًا والاتصال بالإنترنت ضعيفًا، لكرهت الموضوع وكاتبه وكرهت موقع «منشور» ذاته. أرجوك لا تفعل، لا دخل لـ«منشور» بالأمر.

هذا يقودنا إلى نتيجة للفرضية الأولى: نحن غير مدركين لقوة المواقف، ولا قوة تأثيرها على منظورنا إلى الآخرين. لا ندرك أغلب الوقت مدى التأثير الذي تضعه المواقف علينا، رغم أننا سندركه بسهولة إن فكرنا في الأمر لثوانٍ، لكننا في الأغلب لا نفعل، نتخذ قراراتنا وأفعالنا ومشاعرنا معتقدين أنها نتاجٌ لتفكير شخصي منطقي بدون أي تأثير خارجي.

لاحقًا، سيظل شعورك تجاه كاتب الموضوع كما هو، وسيتكرر كلما رأيت موضوعًا جديدًا له، ولن تذكر غالبًا أنك كرهته لأن الحافلة كانت مزدحمة.

قد يعجبك أيضًا: عوامل خفية تشارك في صنع قراراتنا

الفرضية الثانية: في الأغلب، نحن لا نعرف لماذا يفعل الآخرون ما يفعلونه

الصورة: Jace

نعتقد أن طريقتا هي الوسيلة المُثلى لفعل الأشياء، وأن من يتبع طريقة مختلفة قد يكون غبيًّا أو مجنونًا أو حقيرًا أو حتى منحازًا.

هذه الفرضية تخص بالذات مشاعر وأفكار وشخصيات الآخرين، فنحن نطلق الأحكام بشأن هذه الأشياء طَوَال الوقت: هذا يبدو غبيًّا، وهذه عصبية للغاية، أما فلان فذو شخصية مذبذبة. وأغلب أحكامنا هذه خاطئة تمامًا، ولا أعني أنها خاطئة أخلاقيًّا، وإنما أنها تخمينات خاطئة ليس لها أساس من الصحة.

تلك الظاهرة تحدث في حياتنا باستمرار وطيلة الوقت تقريبًا، حتى أنهم أطلقوا عليها اسم «خطأ العزو الأساسي» (Fundamental Attribution Error). تحتل كلمة «أساسي» (Fundamental) جزءًا من اسم الظاهرة، ممَّا يدل على أنها جزء متأصل من تكويننا وليست ظاهرة عابرة.

لفهم هذه الظاهرة أكثر، تخيل نفسك تقود سيارتك على الطريق السريع بين آخرين. هناك من يقودون بسرعات أعلى منك، بالتأكيد هُم حمقى متهورون، أما أولئك الذين يقودون بسرعات أقل فلا شك أنهم أغبياء بطيئو الفهم، لأن السرعة المثالية للقيادة بالتأكيد هي السرعة التي تفضلها أنت، وبالتالي، عندما تهدئ سرعتك أو تزيدها، سيتحول بعض المتهورين إلى بطيئي الفهم والعكس، لكن هذا لا يهم، فأنت تظل صاحب الحُكم الأمثل بشأن أي سرعة ينبغي اختيارها، أليس كذلك؟

عندما نفعل الأشياء بطريقة معينة، نشعر أن من يتبع طريقة مختلفة لا بد أن يكون واحدًا من الآتي:

  1. غبي.
  2. مجنون.
  3. حقير.
  4. منحاز (ذو غرض خفي).

فطريقتنا هي الوسيلة المُثلى لعمل الأشياء دون شك، كل الأشياء.

الفرضية الثالثة: نحن لا نعرف ما لا نعرفه

تبدو هذه الفرضية للوهلة الأولى غامضة، كحكمةٍ من راهب بوذي معتكف على إحدى قمم الهيمالايا، أو كنصيحة تأتيك في الحلم من الفنان غسان مطر، لكن بقليل من التفكير ستجدها منطقية إلى حد ما.

نحن نعرف ما لا نعرفه أحيانًا، فعندما سألني الدكتور في الامتحان الشفوي عن الفارق بين الطاقة الكهربية والطاقة المغناطيسية، كنت أعرف أني لا أعرف الإجابة، وهو أيضًا (للأسف) عرف ذلك عندما حاولت اختراع نظريات جديدة تجيب سؤاله، ولهذا لم أعترض على رسوبي في الاختبار.

لكننا في الغالب لا نعرف ما لا نعرفه، وبالعودة إلى الفرضيتين الأوليين، سنجد أننا غالبًا لا نعرف طبيعة الموقف أو الظروف التي تحتِّم علينا أو على الآخرين فعل شيء ما، إلا أننا مع ذلك نحكم على الأمور بسهولة وبساطة شديدة وباقتناع تام بنتيجة تخميناتنا، دون أن نعترف أننا قد لا نعرف طبيعة الظروف التي أدت إليها.

الفرضية الرابعة: مدهشٌ كيف أننا شديدو الدقة في صحة أحكامنا عن الآخرين وشخصياتهم

الصورة: Stephanie

حسنٌ، في الغالب أنت تفكر الآن أن الفرضية الرابعة في ظاهر الأمر تبدو متعارضة تمامًا مع الفرضيات السابقة، وإما أن كاتب الموضوع لا يعرف ماذا يقول، أو أن بروفيسور جامعة «UCLA» أحمق. بالطبع سألقي اللوم على بروفيسور «UCLA».

الحقيقة أنه، برغم التعارض الظاهري الكبير بين هذه الفرضية وسابقيها، فإن جميعها لا يخلو من الصحة، ولا يرجع هذا إلى تعارض النظريات العلمية، وإنما إلى التعقيد الشديد المشكَّل منه الوعي (واللاوعي أيضًا) البشري، ممَّا يجعل كل محاولاتنا لفهمه لا تتعدي الملاحظة والتسجيل، أما الأسباب فلا تتجاوز التخمنيات حتى الآن.

ترجع الفرضية الرابعة إلى نظرية «شرائح رقيقة»، التي تقترح، اعتمادًا على نتائج عدة تجارب عَمَلية عِلمية، أن الأحكام التي نطلقها على الآخرين بناءً على تعامل مبدئي مدته أقل من خمس دقائق، وأحيانًا أقل من نصف دقيقة، تكون في الغالب صحيحة للغاية، بل وربما أكثر دقةً من تلك التي نطلقها بعد فترة طويلة من التواصل الشخصي.

ربما تبدو هذه فكرة غريبة، لكنها حقيقية جدًّا، اقترحتها العالمة النفسية «ناليني إمبادي» وأثبتتها في تجاربها، وتحدث عنها مطولًا الكاتب الصحفي «مالكولم غلادويل» في كتابه «غمضة: قوة التفكير بدون تفكير».

نفعل أغرب الأشياء لنحافظ على صورتنا متَّسقة أمامنا وأمام الآخرين، فلا أحد يرغب في أن يراه الآخرون كاذبًا.

الفرضية الخامسة: لدينا دافعان اجتماعيان أساسيان:

  1. نحن نرغب أن يُعجَب الآخرون بنا، ونحتاج إلى أن ننتمي. ولاحظ الفارق، نحن «نحتاج» إلى أن ننتمي، ولسنا فقط «نرغب» في ذلك. حاجتنا إلى الانتماء أساسية لبقائنا أحياء،  وقد تكون أحيانًا في أهمية حاجتنا إلى الطعام والماء والمأوى.
  2. نحن نرغب في أن نكون صادقين ومتَّسقين، ليس فقط في عيون الآخرين، بل في أعيننا وفي تفكيرنا عن ذواتنا. لا أحد يرغب أن يراه الآخرون كاذبًا، ولا أن يفكر في نفسه كذلك. وفي سبيل هذا الدافع، نفعل أغرب الأشياء لنحافظ على صورتنا متَّسقة أمامنا وأمام الآخرين. هل تذكر حديثنا عن التنافر المعرفي؟
الصورة: Canon EOS 6D

ربما يخبرنا علم النفس الاجتماعي في أحيان كثيرة بما نعرفه مسبقًا، لكنه دون شك من أكثر العلوم النفسية والاجتماعية قابليةً للتطبيق والإفادة المباشرة في الحياة اليومية العادية لنا جميعًا دون استثناء، فكلما تعلمنا وفهمنا نظرياته وتجاربه المختلفة، ندرك بشكل أكثر دقة كيف نفكر وكيف يفكر الآخرون، وتصير قراراتنا أكثر واقعيةً وربما حكمة. هذا علم قد يساعدك فعلًا في الوصول إلى حياة أفضل، دون وعود زائفة جميلة كتلك التي يقدمها مدربو التنمية البشرية مثلًا.