إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

عصر الفيديوهات المزيفة: ما نراه ليس ما نراه

الصورة: Getty/Carol Yepes

تشترك سلسلة أفلام «هاري بوتر» ومسلسل «لعبة العروش» في أمر مهم غير شهرتهما العالمية، وهو كونهما جزءًا من تخيلات جنسية كثيرة، أو على الأقل هذا ما يراه العالم، وينضم إليهما عدد من الأفلام المهمة التي حازت شعبية واسعة.

الخيال الجنسي مصطلح مغامر، لكنه هنا يحتل مكانًا حقيقيًّا في حياتنا المعاصرة، في عدد من المواقع الإباحية. نتحدث عن مَشاهد «بورن» بمعناها الواضح، بطلاتها ممثلات شهيرات في مسلسلات ذات شعبية، لكن الحقيقة هذه ليست أجسامهن، فكل شيء أسفل الرقبة يخص نساء أخريات.

يكتب الصحفي «فرانكلين فور» عن موجة تزييف مقاطع الفيديو التي شهدت تطورًا رهيبًا، في مقاله على موقع «The Atlantic».

الزيف العميق

الصورة: The White House

 أمكن لكثير من المشاهدين تمييز تزييف الصور والفيديوهات الجنسية منذ وقت طويل، لكن العملية كانت في ما مضى تحتاج إلى وقت وجهد ومهارات خاصة، أما الآن فالأمر لم يعد كذلك، وجوهر البشاعة هنا أن المُشاهد العادي لن يمكنه اكتشاف الخدعة.

بالإمكان استخدام الذكاء الاصطناعي الآن لقص وجوه الممثلات ووضعها على أجسام أخرى بشكل متقن، وهو أسوأ أشكال سرقة الهوية التي ابتُكِرَت في عصر الإنترنت، وسببت كثيرًا من التشويش في مجال الصحافة التقنية باسم «Deepfakes»، أو الزيف العميق، والذي يبدو أنه مقدمة لمشروع أكثر ضخامة وطموحًا.

ينقل المقال عن أحد مصنعي هذه التقنية أنه ينوي إضفاء الديمقراطية على عمله، فسيحسِّن العملية ويجعلها أوتوماتيكية أكثر، مما سيتيح لأي شخص أن يضع رأس محبوبة أو حبيب سابق أو زميل عمل على مقطع إباحي بخطوات بسيطة لا تتطلب أي معرفة تقنية.

كلمة الواقع لا معنى لها، فعندما ننظر أنا وأنت إلى شيء واحد، كيف نعرف حقًّا أننا نرى الشيء نفسه؟

ولأن المعامل التجارية والأكاديمية تطور أدوات أكثر تخصصًا لأغراض لها علاقة بالمقاطع الإباحية، مثل الخوارزميات التي ترسم تعبيرات الوجه وتحاكي نبرة الصوت، ستكتسب تقنيات التزييف هذه إمكانيات أكثر. الأمر أقرب بالتأكيد إلى حلقة من مسلسل «Black Mirror»، إلا أن هذا يحدث على أرض الواقع.

جحيم ما بعد الحداثة

الصورة: Bradley Hook

 حمل الإنترنت دائمًا بذور جحيم ما بعد الحداثة. التلاعب الشامل هو العملة المستخدمة فيه، بدءًا من الروابط المضللة، مرورًا بالروبوتات الروسية، وصولًا إلى التقنيات الخادعة التي تحكم الصفحة الرئيسية على فيسبوك.

فيسبوك مكان مفضل للهويات الغامضة، ويولِّد هذا الغموض خشونة وارتباكًا، ربما يمنحا مساحة غير مرئية للتسلل ومراقبة الأحبة، أو كتابة الخواطر التي من المستحيل أن نذيِّلها بأسمائنا الحقيقية، لكنه مكان يسرق فيه المحتالون ملامح خاصة منك، يسلبون صورك ويوزعونها على آخرين، أو يحتالون باسمك على أصدقائك. وفي هذا السياق فإن نمو تقنيات «Deepfakes» هو ذروة ما حدث على الإنترنت إلى وقتنا هذا، وعلى الأرجح مجرد مقدمة لما هو آتٍ.

كتب المؤلف الروسي «فلاديمير نابوكوف» يومًا أن كلمة الواقع لا معنى لها: «عندما ننظر أنا وأنت إلى شيء واحد، كيف نعرف حقًّا أننا نرى الشيء نفسه؟»، لكن رغم هذا الالتباس، فإن المؤسسات الحكومية ووسائل الإعلام تضع دليل تعليمات شاملًا للطريقة التي يصف بها الناس العالم، تخبرهم سلفًا عمَّا يجب استخدامه من كلمات، وعن طريقة الرؤية والتفاعل مع العالم من حولهم، وإن كان هذا الإجماع قيد التفكيك في السنوات الأخيرة.

خلقت وسائل التواصل الاجتماعي عهدًا جديدًا تمكَّن فيه الأفراد من الإغراق في الأخبار التي تعمق الانحيازات الشخصية، وغربلة أي حقائق مخالفة لها. أصبح بإمكان كل مستخدم لأيٍّ من وسائل التواصل الاجتماعي أن يخلق عالمه المناسب، فقاعته التي لا يرى فيها إلا ما يحب أن يراه، وأن يلغي متابعته لأي شيء يخالف هواه، فلا يبقى أمامه إلا كل ما يشبهه.

لكن في وقت قريب سيبدو كل الزيف الذي يحوطنا الآن عصر البراءة، سنعيش قريبًا في عالم نُكَذِّب فيه أعيننا، عالم ينهار فيه الواقع.

الفيديو كسلاح

الصورة: pashminu

يثير السلوك الفاضح غضبًا جماعيًّا فقط لو كان مسجلًا في مقطع فيديو. لعبت مثل هذه المقاطع دورًا محوريًّا في الانتخابات الأمريكية عام 2012، حين نُشِرَ فيديو مسرب للمرشح «ميت رومني» يقول فيه إن 47% من الأمريكيين، أي أنصار أوباما، ضعفاء ويمثلون عبئًا على الحكومة الفيدرالية. يمكن تخيل كيف أفسد هذا المقطع فرصته في الفوز بالرئاسة بالطبع.

الملاحَظ أن هذا الفيديو على الأرجح لم يكن ليمثل أي قيمة لو تغير الوسيط، أي لو كان مراسل صحفي قد كتبه في تقريره مثلًا. لكن بوضع عناصر مثل زاوية الكاميرا غير المباشرة، والرداءة التي يجري بها التصوير، والندلاء الذين يمرون في الفيديو من وقت إلى آخر، كل هذه العناصر التي تؤكد شعور المُشاهد بأن المقطع التُقط خلسة جعلت انتشاره مدويًا. كلنا نحب التلصص على الآخرين، فما بالك وهم يقولون أشياء مثل هذه.

على الجانب الآخر، تعافى دونالد ترامب بشكل لا يصدق من آثار مقطع «هوليوود» الذي تفاخر فيه بالاعتداء جنسيًّا على النساء، وتلفظ فيه بكلمات نابية عن أجسادهن، وقال أكثر من مرة إنه يتحسسها رغمًا عنهن لخوفهن منه.  ورغم أن هذا المقطع أثار مشاعر كثيرين، وصدمهم من مستوى البذاءة والألفاظ النابية فيه، فإن ترامب أكمل طريقه ليصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية. هل كان الأمر ليتغير لو كان هذا المقطع مسجلًا على شريط فيديو وليس شريطًا صوتيًّا؟

في اتجاه مختلف، لاقى لاعب كرة القدم الأمريكية «راي رايس» غضبًا عارمًا عقب انتشار مقطع فيديو له عام 2014 وهو يضرب خطيبته آنذاك داخل مصعد، وظهر في مقطع آخر وهو يجرَّها خارجه، وبسبب ذلك طُرِدَ من الفريق وأوقفته رابطة اللعبة.

مقاطع الفيديو المتلاعَب بها ستدمر إيماننا بالواقع المشترك الذي نعيشه ونعاصره معًا.

ثم هناك ذلك الفيديو الذي يصور ضابط شرطة في ولاية مينيسوتا يقتل الشاب «فرناندو كاستيلا»، الذي بثته خطيبة القتيل على فيسبوك. فقد فشلت الإحصائيات الساحقة في إثارة غضب الناس على وحشية الشرطة، لكن الفيديو المرعب أزعج الجمهور والقادة السياسيين إلى حد إجبارهم على الاعتراف بإساءات الشرطة التي تجاهلوها لوقت طويل.

هل نثق في حواسنا؟

الصورة: 

كل هذا يأخذنا إلى لب المشكلة الأساسية، فمن الطبيعي أن نثق في حواسنا، وأن نصدق ما نراه، وهذا ما سيستغله العصر المقبل عن طريق التلاعب بالفيديو.

المشكلة ليست فقط في انتشار الأكاذيب، فمقاطع الفيديو المحرَّفة تخلق شكوكًا جديدة حول كل ما نشاهده. كل من يُقبَض عليه في لحظة ارتكاب خطأ سيقول إن الفيديو مفبرك. وبحسب التقارير، هذا ما فعله ترامب، إذ أقر في البداية بصحة فيديو هوليوود، ثم بعد ذلك صار يشكك في حقيقة أن الصوت يخصه.

بعبارة أخرى، مقاطع الفيديو المتلاعَب بها ستقودنا في النهاية إلى تدمير إيماننا بالواقع المشترك الذي نعيشه ونعاصره معًا.

لا تمثل الفيديوهات المزيفة/الواقعية آخر نقطة في الرحلة التي يأخذنا إليها التقنيون بعيدًا عن الواقع. فالغرض الأساسي من تقنية «الواقع الافتراضي» خلق وهم كامل بوجودك في مكان آخر. فمع نظاراتها وقفازاتها، تخدع هذه التقنية حواسنا وتخرب إدراكنا.

بدأت ألعاب الفيديو بنقل اللاعبين إلى واقع مغاير، ربما تسبب ألعاب كهذه الإدمان، لكنها ليست قوية بما فيه الكفاية، فتقنيات الواقع الافتراضي ستكون قادرة في المستقبل على جعل انتقالنا أكثر شمولًا، وحينها سنرى ما تراه شخصياتنا داخل الألعاب، ونشعر بما تشعر به.

ربما تكون الحياة أكثر إثارةً للاهتمام في الواقع الافتراضي، فبنمو هذه التقنيات منذ ظهورها تتسع إمكانيات الخلق والإنشاء من العدم بشكل مبهر. لكن لو نجح الزخم الذي يحيط بهذه التقنية ستكبر تمامًا، كما حدث مع وسائل التواصل الاجتماعي، لتصير صناعة ضخمة تعتمد على إدمان المستهلكين بهدف تحقيق الربح، وربما تهيمن عليها شركة أو اثنتان من ذوي النفوذ.

ستزيد القدرة على التلاعب بالمستهلكين لأن الواقع الافتراضي ربما يخلق تشوشًا حول ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي. بعض مصممي تجارب الواقع الافتراضي وصفوا أن عددًا من المستخدمين كانت استجاباتهم العاطفية تجاه التجارب المرعبة التي يرونها خلال النظارات قوية، إلى حد أنهم ينزعونها ويلقونها بعيدًا عنهم. وأظهرت دراسات كثيرة كيف يمكن أن يُستخدَم الواقع الافتراضي للتأثير في سلوك المستخدمين في العالم المادي.

قد يكون مصممو التقنيات المماثلة، ومستخدموها، غير واعين بما يفعلون، لكن الأكيد أننا نشهد تغييرًا لا رجعة فيه، سيسلب منا ثقتنا في الوسيلة الوحيدة التي نستكشف العالم بها: أعيننا.