تعتقد؟

آي كيو: معايير قياس الذكاء ليست ذكية بما يكفي

هل يمكن قياس الذكاء؟

واحد من الأسئلة الكبرى التي طرحت نفسها على البشرية. إذا كان الذكاء أحد الصفات التي يصعب على الإنسان تعريفها من الأصل، فهل يمكن أن نستخدم معايير معينة لتصنيف البشر من الأذكى إلى الأقل ذكاء؟

إذا كان هذا التصنيف موجودًا، هل يمكن اتخاذه معيارًا؟ هل الأذكى وفقًا لمعيار ما، هو الأذكى في كل المجالات؟

اختبار «IQ»، أو «Intelligenzquotient»، كان أحد المحاولات الأولى لتصنيف البشر بطريقة تنزع إلى أن تكون علمية، طبقًا لمجموعة من الاختبارات التي يخوضها الإنسان، والتي يحصل فيها على مجموعة من النقاط، تدل بعد ذلك على موقعه في ترتيب الذكاء.

في مقاله على موقع «Nautil»، يتتبع «دين سيمونتون»، أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا، نشأة اختبارات الذكاء ومدى دقتها، إضافة إلى السؤال الأهم: هل يمكننا الاعتماد عليها؟

المحاولات الأولى لقياس الذكاء

لويس تيرمان

ظهرت النسخة الأولية من اختبار الذكاء عام 1905 في فرنسا، على يد العالمين «ألفريد بينيه» و«ثيودور سيمون»، بعد تكليف من الحكومة الفرنسية لإجراء اختبارات تهدف إلى التفرقة بين الطلاب المتفوقين وأولئك الذين يحتاجون تعليمًا خاصًّا ليواكبوا تقدم المناهج الدراسية.

ابتكر بينيه بمساعدة زميله مجموعة من الاختبارات لقياس القدرات الأساسية المطلوبة للتعلم، مثل الذاكرة والانتباه وتقييم المواقف. كان هذا بداية عصر يُقاس فيه ذكاء الطلاب بالدرجة التي يحصلون عليها في «مقياس بينيه وسيمون».

في عام 1916، ترجم «لويس ماديسون تيرمان» هذه القياسات من الفرنسية إلى الإنجليزية، وطبقها على عدد محدد من الأطفال، ثم أدخل عليها تعديلاته، وصارت تُعرف بـ«مقياس بينيه وستانفورد»، لأن تيرمان كان أستاذًا في جامعة ستانفورد وقتها.

لم يقتصر اهتمام تيرمان على دراسات الذكاء والاختبارات المتعلقة بقياسه، بل كان مهتمًّا كذلك بإجابة سؤال: لو حقق أحد الأطفال أرقامًا عالية في الاختبار، هل يكون هذا علامة على ما ينتظره في المستقبل؟ باختصار: هل يصبح الطفل الذي يحرز درجات عالية في هذا الاختبار نابغة؟

أخضع تيرمان مئات من أطفال المدارس لاختبار الذكاء الجديد الذي صممه، ليختار من بينهم مجموعة ملائمة للدراسة. كان شرط التميز أن يحقق الطفل معدل ذكاء 140 درجة فما فوق. لم يرغب تيرمان في دراسة مجموعة ضخمة من الأطفال، كي يكمنه تتبع تطور كل واحد ذهنيًّا.

كانت النتيجة 1528 طفلًا من الأولاد والبنات، مرتفعي معدل الذكاء، متوسط أعمارهم 11 سنة. ومتوسط معدل ذكائهم 151، من بينهم 77 طفلًا تصل معدلات ذكائهم إلى أرقام كبيرة مثل 177 و200.

تعرض هؤلاء الأطفال لأنواع مختلفة من الاختبارات والقياسات، مرارًا وتكرارًا، إلى أن وصلوا إلى منتصف العمر. كانت هذه واحدة من أبرز الدراسات النفسية الطويلة التي وُضعت نتائجها في خمسة مجلدات ضخمة بعنوان «الدراسات الجينية للعباقرة»، وظهرت المجلدات تباعًا في الفترة بين عامي 1925 و1959.

تضم المجلدات، حسب ما ورد في كتاب «المرجع في تربية الموهوبين» لـ«نيكولاس كولانجيلو» و«غازي ديفيز»، كل ما يخص الدراسة. إذ يصف المجلد الأول كيفية اختيار العينة والخصائص التفصيلية التي تميزت بها، مثل الخلفية العائلية والصحة الجسدية والأداء المدرسي. يصف المجلد الثالث الأطفال في مرحلة عمرية متقدمة ويتتبع تطورهم، أما الرابع فيختص بدراسة الأطفال بعدما وصلوا إلى سن البلوغ.

كاثرين كوكس: المجلد الثاني في اتجاه معاكس

لم يضم المجلد الثاني في المجموعة اسم تيرمان، إذ كان مختصًّا بالدراسة التي أجرتها «كاثرين كوكس»، وبلغت 842 صفحة.

كاثرين كانت تلميذة لتيرمان، وانضمت إلى الدراسة بعد سنوات من بدء العمل بالفعل. ولأن بحث معلمها كان في مرحلة متقدمة، أصبح من الصعب عليها إيجاد ما يمكن أن يكون رسالة دكتوراه خاصة بها، لذلك قدمت بديلًا في غاية الجرأة: قررت أن تتحرك في الاتجاه المعاكس.

إذا كان تيرمان يريد أن يرى كيف يصبح الأطفال الأذكياء حين يكبرون، قررت كاثرين أن تفحص عكس الفكرة: لِم لا نختار مجموعة من العباقرة، ثم نتتبع معدلات ذكائهم في الطفولة والمراهقة بأثر رجعي من سِيَرهم الذاتية؟

بدأت كاثرين الرحلة، وكانت بشكل أساسي تسير في طريقين:

  1. جمع قائمة بأسماء عباقرة تُجري عليهم البحث
  2. تقدير مستوى ذكاء هؤلاء من سيرهم الذاتية في أوقات مختلفة من حياتهم، وكان هذا الجزء هو الأصعب

في عصرنا الحالي، تكفي عدة ضغطات على لوحة مفاتيح الكمبيوتر للبحث عن قائمة تحمل أسماء أهم العباقرة في التاريخ، وإيجاد مئات النتائج. أما آنذاك، وقت أن كانت كاثرين تُعد قائمتها، كان النظير المكافئ للإنترنت قواميس السير الذاتية والمصادر الورقية.

لحسن الحظ، وجدت كاثرين قائمة منشورة بالفعل، واستخرجت منها أشهر الأسماء، وانتهت إلى قائمة مكونة من 301 من المبدعين والقادة التاريخيين، تضمنت بعض الأسماء الشهيرة في تاريخ الحضارة الغربية الحديثة، مثل العالم الفيزيائي والرياضي «إسحاق نيوتن»، والفيلسوف «جان جاك روسو»، و«ميغيل دي سيرفانتيس» مؤلف رواية «دون كيشوت»، والموسيقي «بيتهوفن».

حساب نسبة الذكاء بأثر رجعي

الصورة: klimkin

وقتما كان تيرمان يُجري تجاربه، كانت نسبة الذكاء تُعرف باسم «حاصل الذكاء»، وهو العمر العقلي للطفل مقسومًا على عمره الزمني، ثم ضرب الناتج في 100.

يحدَّد العمر العقلي بالأداء في مهمات فكرية مقسمة حسب العمر، وعليه، إذا استطاع طفل يبلغ خمسة أعوام أداء مهمات مناسبة للأطفال الذين يبلغ عمرهم 10 أعوام، يكون حساب حاصل ذكائه: 5 ÷ 10 × 100 = 200.

طبَّق تيرمان هذه الطريقة على التطور العقلي المبكر للعالم «فرانسيس غالتون»، الذي كان كتب خطابًا لأخته وهو في الرابعة من عمره، يحكي فيه كيف أنه يمكنه قراءة كتاب بالإنجليزية، وقَول كل الأفعال والصفات باللاتينية، إضافة إلى 52 شطرًا من الشعر اللاتيني، وقراءة الفرنسية، ومعرفة حساب الساعة.

ما الذي يمكن أن يفعله طفل في الرابعة مقارنة بغالتون؟ يمكن أن ينطق اسمه، ويُطلق الأسماء على الأشياء، وقد يستطيع أن يكرر ثلاثة أرقام سمعها توًّا.

بهذه الطريقة، لا يجب أن يكون غالتون قادرًا على عد العملات قبل الخامسة، والإخبار بسِنه قبل السادسة، ونسخ جملة مكتوبة قبل السابعة، وكتابة ما يُملى عليه قبل الثامنة. استنتج تيرمان أن غالتون كان يملك معدل ذكاء يبلغ 200، أي إن عمره العقلي كان ضعف عمره الزمني تقريبًا.

طفلان من الذين خضعوا لأبحاث تيرمان حصلا على درجات قليلة، لكنهما حققا نجاحات استثنائية وفازا بجائزة نوبل.

بالمثل، قررت كاثرين استخدام طريقة معلمها في حساب الذكاء، لكنها تجاوزته وأضافت تحسينات منهجية، مثل جمع تسلسل زمني مفصل للنمو الفكري من مصادر سير ذاتية متعددة، وجعل أفراد مستقلين يقدرون نسبة ذكاء الناس في قائمتها بناء على هذه البيانات، حتى وصلت إلى نتائج تؤكد صحة فرضية معلمها في النهاية: «الموهبة ومعدل الذكاء مرتبطان بالعبقرية».

لكن كاثرين كوكس واجهت إشكالية صعبة، تمامًا كما واجه معلمها.

فشل النوابغ

توفي تيرمان قبل إصدار المجلد الخامس والأخير، لكن الاختبارات استمرت على الأطفال، أو على من بقي منهم حيًّا. الجزء الخامس هو الأهم على الإطلاق، لأنه فحص العينة المختارة في منتصف أعمارهم، بكل ما حققوه وأنتجوه وأنجزوه.

هؤلاء الأطفال العباقرة لم يصبحوا مثلما كان متوقعًا لهم بعدما كبروا. كان أداؤهم عاديًّا، تحول ذكاؤهم الفذ إلى خطط طبيعية، صاروا أطباء ومحامين ومختصين في مجالات متعددة. اثنان منهم فقط عملا بالتدريس في جامعة ستانفورد، وتابعا الدراسة الطويلة التي كانا جزءًا منها: «روبرت سيرس» و«لي كرونباخ».

لم تنتهِ القصة هنا، بل حملت مفاجأة عجيبة، فاثنان من الأطفال الذين لم تكن درجاتهم في اختبار الذكاء عالية، حققا نجاحات استثنائية عكس التوقعات، وكبرا ليصبحا العالمين الفيزيائين الحائزين جائزة نوبل: «لويس ألفاريز» و«وليام شوكلي».

أقلقت المفارقة تيرمان لأنه لم يستطع تفسيرها. كاثرين كذلك لم يكن قلقها أقل، فعدد من «العباقرة» الذين اختارتهم لم ينجحوا في اختبار مُعلمها. بعبارة أبسط: لو كانوا خضعوا للفحص، لمَا انضموا إلى قائمة النوابغ تلك.

انتقادات حادة لاختبارات الذكاء

الفتاة التي دخلت موسوعة جينيس في العاشرة من عمرها بأعلى نسبة ذكاء في العالم، أين هي الآن؟ لم تحقق أي إنجاز يُذكر.

خضعت الدراسات الجينية للعباقرة لنقد كبير من المختصين بدراسة العبقرية، فحاولوا الوصول إلى مواضع الضعف فيها، واختلفت معها نظريات كثيرة اكتُشفت لاحقًا. من بين هؤلاء النقاد دين سيمونتون، كاتب المقال، الذي رأى أربع مشكلات في أبحاث كوكس وتيرمان.

1. افتراض وجود علاقة قوية بين الذكاء وتحقيق المكانة

يصنف معظم المختصين هذه العلاقة بأنها معتدلة، ما يعني من الناحية العملية أن هناك مساحة واسعة لظهور الاستثناءات. فصاحب المكانة المهمة يمكن أن يكون منخفض الذكاء، والعكس بالعكس.

ضرب سيمونتون مثالًا معاصرًا بالكاتبة «مارلين فوس سافانت»، التي دخلت موسوعة جينيس لأنها تملك أعلى نسبة ذكاء في العالم، وتؤكد تقارير أنها خضعت لاختبار «رينيه وستانفورد» حين كانت في العاشرة من عمرها وحققت نتيجة مبهرة، لكن أين هي الآن؟

لم تحقق أي إنجاز يذكر، سوى أنها تكتب عمودًا صحفيًّا عاديًّا في صحيفة مشهورة، وهو أمر مهم بالطبع، لكنه لا يرقى بأي حال إلى ما يُنتظر من هؤلاء الذين يملكون معدلات ذكاء مرتفعة لتلك الدرجة.

بعض الناس يحصلون على معدلات مرتفعة للغاية في اختبارات الذكاء، لكنهم لا يطمحون إلى تحقيق أي مكانة في أي مجال.

2. تعتمد أهمية الصلة بين معدل الذكاء والإنجاز على مجال النبوغ نفسه

على سبيل المثال، يحقق القادة السياسيون نسبة ذكاء أقل من المبدعين، لكنهم يحققون مكانة أعلى.

الفارق واضح بشكل بارز في التقسيم الذي أعدته كاثرين نفسها، إذ احتل القادة والجنرالات أماكن أقل بـ20 نقطة من غيرهم، بينما احتلوا أماكن مرتفعة في التقسيم المعتمِد على المكانة.

استخدم سيمونتون نابليون بونابرت مثالًا، إذ كان أكثر القادة تميزًا في القائمة، لكن معدل ذكائه وصل إلى 145 فقط. ورغم انتمائه إلى نفس الشريحة التي قررها تيرمان للذكاء، فإنه لم يكن من الأكثر نبوغًا أو الذين أظهروا علامات استثنائية.

3. الشخصية والتطور

هناك عوامل فسيولوجية أخرى مؤثرة ولا علاقة لها بالذكاء. كاثرين كوكس نفسها كشفت هذا في قياسها الخاص، لأنها إضافة إلى تقييم الشخصيات حسب مستوى ذكائهم، اختارت مئة إنسان ذوي سيرة ذاتية جيدة، وقيَّمتهم على أساس 67 سمة شخصية.

احتلت المميزات الشخصية مكانًا مميزًا، خصوصًا «الثبات الإنفعالي». أشارت كاثرين إلى أن الذكاء المتوسط عندما يتزامن وجوده مع المميزات الشخصية، يحقق الإنسان مكانة أعلى من الذكاء الأعلى دون مميزات شخصية.

4. التقييم مُخادع

وفقًا لسيمونتون، فتقييم كاثرين في المجلد الثاني غير متساوٍ أصلًا مع تيرمان، والاثنان لا يقيسان الشيء نفسه.

فمن ناحية، يقيس اختبار «بينيه وستانفورد» اكتساب الإنسان وتطويره مهاراته المعرفية الأساسية، مثل الذاكرة والاستدلال ومهارات أخرى بدائية، وهذه مهارات يُتوقع أن يكتسبها جميع الناس بمجرد الوصول إلى سن البلوغ. وعليه، فإن ما يجعل الإنسان أذكى، وفقًا لتيرمان، السرعة التي يكتسب بها هذه المهارات.

أما في الناحية الأخرى، أي حسابات كاثرين كوكس، فهي تعتمد بشكل أساسي على مهارات قد تكون نادرة حتى عند البالغين، لأنها محددة لمجال معين من الإبداع. هكذا تصبح المساواة بين القياسين، وفقًا ليمونتون، مثل المساواة بين التفاح والبرتقال.

نظرية الذكاء المتعدد

الصورة: Alberto G.

يستشهد سيمونتون في مقاله بنظرية أخرى تناقض تصورات تيرمان عن الذكاء، وهي نظرية عالم النفس «هاورد غاردنر»، التي يقيس فيها ثمانية أنواع مختلفة من الذكاء، ويقسمها إلى:

  1. ذكاء لفظي ومنطقي
  2. ذكاء مكاني
  3. ذكاء جسدي
  4. ذكاء حركي
  5. ذكاء موسيقي
  6. ذكاء اجتماعي
  7. ذكاء ذاتي
  8. ذكاء طبيعي

هذه النظرية تختلف تمامًا عن نظرية تيرمان، التي ترى الذكاء اللغوي والتفكير المنطقي معيارين وحيدين لقياس الذكاء. وبهذا، تصبح نظرية غاردنر أكثر تنوعًا واتساعًا في بحثها ونتائجها.

بناءً على ذلك، هناك ثمانية أنواع من النبوغ أو الذكاء، وثمانية أنواع من العبقرية، وكل إنسان يملك مجموعة من المميزات التي يتفوق فيها عن غيره، ويكون أقل في مساحات أخرى. مَن يمتلك ذكاء لفظيًّا أو جسديًّا، لن يكون بالضرورة متذوقًا للموسيقى، أو يملك قدرة على الاستبصار الذاتي.

ولأن مقياس تيرمان يقتصر على نوعين من الذكاء أو ثلاثة، فلا عجب أن العباقرة الآخرين لا ينجحون وفق معاييره، رغم وجودهم في قائمة كاثرين كوكس للنبوغ، لأنهم ببساطة ربما يفشلون في مجالات بعينها، غير أنهم ينبغون في أخرى.

هذا كله يضعنا أمام حقيقة واحدة: اختبارات الذكاء ربما تكون مهمة بالفعل، وقد تشير إلى نبوغ حقيقي في مجال معين، لكنها ليست دليلًا على أي شيء أبعد من ذلك. النجاح فيها لا يعني بالضرورة أنك ستصبح عبقريًّا، والفشل فيها لن يكون معناه أنك لا تساوي شيئًا.