إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

هكذا يخبرنا التاريخ: العبقرية وحدها لا تكفي لتغيير العالم

لقطة نادرة للأخوين رايت ينفذان أولى محاولات الطيران - الصورة: Apic

ربما لو امتلكتَ آلة زمن لأحببت أن تعود إلى الماضي لترى الاختراعات التي غيرت العالم، وكيف استقبلها الناس وقتها وكيف كافؤوا مخترعيها، وماذا كان رد فعل البشر عندما شاهدوا تجربة الطيران الأولى، وكيف دوَّنت الصحف الخبر، لكن إجابات هذه الأسئلة ليست سعيدة كما تظن.

يُفني العلماء جُلَّ وقتهم في اختراع شيء جديد يضيف إلى البشرية، إلا أن رد الفعل يكون عادةً بعيدًا عن التقدير، لهذا إن كنت تنوي أن تقدم شيئًا جديدًا فلا تيأس إن كان التجاهل نصيبك، لأن هذا هو ما يحدث طَوَال الوقت كما يخبرنا مقال على موقع  «Collaborative Fund».

اختراعات نسيها العالم

تصوير نادر لمحاولات الأخوين رايت للطيران

حتى بدايات القرن العشرين، كان السفر من دولة إلى أخرى يستغرق أيامًا وربما شهورًا، إلى أن جاء الاختراع الذي غير فكرة السفر إلى الأبد: الطيران.

كانت المحاولة الأولى للأخوين رايت عام 1903، والآن يمكننا السفر إلى أي مكان في العالم خلال ساعات قليلة. لكن إذا عدنا إلى اللحظة التي كان الأخوان رايت يجربان فيها إطلاق رحلتهما الأولى، سنجد أن أحدًا لم يعِرهما أي اهتمام تقريبًا، رغم أن التأثير الذي أحدثه الطيران أمكَن الشعور به مباشرةً، عكس اختراعات أخرى ربما تتطلب وقتًا للإحساس بتأثيرها.

لم تذكر صحف اليوم التالي مباشرةً لرحلة الأخوين رايت أي تفاصيل عنها، ولا اليوم الذي تلاه، ولا حتى بعد أسبوع أو شهر أو عام، بل بدأ اهتمام الصحافة عام 1906 كما يذكر المقال، أي بعد ثلاث سنوات من محاولات الأخوين.

الطريف أن الصحافة أجرت حوارًا مع أحد رجال الأعمال المتخصصين في المناطيد عام 1904، أي بعد عام من محاولات الأخوين رايت، ذكر فيه أن البشر ربما يتمكنوا من الطيران لكن في المستقبل البعيد.

في كتابه «التغيير الكبير»، يقول الصحفي والمؤرخ الأمريكي «فريدريك لويس آلن»: «مرت عدة سنوات قبل أن يدرك الناس ما قدمه الأخوان رايت. كانت الأغلبية مقتنعة باستحالة الطيران، وحتى الذين شاهدوا بعض التجارب كان لديهم قناعة بأن ما شاهدوه عبارة عن خدعة».

بعد أربعة أعوام من المحاولة الأولى، ذهب صحفيون متخصصون لتغطية ما يفعله الأخوان رايت، وهكذا عرف العالم أخيرًا أن الإنسان تمكَّن من الطيران.

قد يعجبك أيضًا: نُبوءَة «نهاية الكتاب المطبوع» تفضح خوفنا من التغيير

سنغير العالم.. لكن ليس الآن

تقديم تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للمرة الأولى عام 1989

ما حدث مع الأخوين رايت يؤكد فكرة مهمة: هناك اختلاف كبير بين أن تغير العالم، وأن تقنع الناس أنك غيرت العالم.

يقول «جيف بيزوس» مؤسس موقع «Amazon» الشهير إن «الابتكار يستلزم تحمُّل أن يُساء فهمك لفترة طويلة. أنت تفعل شيئًا تؤمن به بشدة وترتبط به لفترة زمنية طويلة بينما ينتقدك كثيرون. إذا كنت تثق بأنهم على خطأ، فيجب أن تتحلى بالقوة لاحتمال فترة طويلة من سوء الفهم، وهذا أحد أهم مفاتيح الابتكار».

تفسير هذا السلوك أن الإنسان يميل بطبعه إلى ما يعرف، ولهذا يتقبل التغييرات الطفيفة على ما شاهده من قبل، أما الابتكارات الجديدة تمامًا، التي تغير كيفية عمل العالم، فستلقى صعوبةً في تقبلها حتى من قِبَل أذكى الأشخاص.

اقرأ أيضًا: اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفه: كيف يعادي البشر الابتكار؟

يعود اختراع الطباعة ثلاثية الأبعاد إلى 1989، أي أنها استغرقت نحو 30 سنة كي تنتشر ويعرفها العالم.

عندما أطلق «جون بوغل» صندوق المؤشرات «Index Fund» عام 1976، لم تكن ردود الأفعال أفضل حالًا.

يُعد صندوق المؤشرات أحد أهم الابتكارات المالية التي حدثت في النصف الأخير من القرن العشرين، وهو ببساطة الطريقة الحسابية التي تتيح متابعة مؤشرات مالية بعينها مثل مؤشرات البورصة.

لم يلقَ صندوق المؤشرات أي اهتمام لمدة عقدين من الزمن تقريبًا بعد تقديمه، وفي التسعينيات بدأ الاهتمام ينمو بشكل طفيف، إلى أن انتشرت الفكرة أخيرًا بعد ثلاثة عقود من ابتكارها.

مثال آخر هو الطباعة ثلاثية الأبعاد (3D) التي انتشرت في السنوات الخمس الأخيرة، لكن من قال إنها اختراع جديد؟ يعود تاريخ تقديم تلك التقنية إلى العام 1989، أي أنها استغرقت عدة عقود حتى تنتشر ويعرفها العالم بشكل حقيقي.

سنجد كذلك أن الطاقة الشمسية خاضت رحلة طويلة حتى استُخدمت، إذ اكتُشفت وحدات الطاقة الكهروضوئية في القرن التاسع عشر، وأصبحت تطبيقاتها متوفرة في خمسينيات القرن العشرين، واستخدم الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» الخلايا الشمسية في البيت الأبيض خلال السبعينيات، لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت بعد بداية الألفية الثالثة.

المراحل السبعة للاختراعات

مصباح يضيء على الأرض
الصورة: Suvan Chowdhury

هناك سبع خطوات تمر بها الاختراعات والاكتشافات الجديدة بحسب المقال، هي:

  1. لا أحد يسمع بالاختراع أو بصاحبه
  2. يسمعون بالمخترع، لكن يحسبونه مجنونًا
  3. يفهمون الاختراع ويرون أنه غير مهم
  4. يتعاملون مع الاختراع كلعبة
  5. يرون الاختراع لعبة، لكنها لعبة مذهلة
  6. يبدؤون في استخدام الاختراع
  7. لا يتخيلون الحياة دون الاختراع

هذه المراحل قد تأخذ عدة سنوات وربما عقود، وهذا يقودنا إلى ثلاثة استنتاجات:

  1. تحتاج إلى قدر كبير من العبقرية لتغيير العالم، لكنك ستحتاج إلى قدر أكبر من الصبر لتجعل العالم حولك يلاحظ ذلك، والصبر مطلوب عندما يتعلق الأمر بالمنتجات التي تقدم تغييرًا كبيرًا.
  2. تُقيَّم الاختراعات والابتكارات طبقًا للأجيال المختلفة، ويجب أن تراجع التاريخ لتدرك كم من الوقت والمشقة تحتاج لإحداث تغيير حقيقي.
  3. الاختراع هو الخطوة الأولى فقط للإبداع. يقول الأستاذ «بول سافو» المتخصص في تقييم التكنولوجيا: «تحتاج الفكرة الجديدة إلى 30 عامًا حتى تأخذ مكانها بين الناس، فالتكنولوجيا لا تُحدث تغييرًا، بل إن تفاعلنا مع الاختيارات والفرص الجديدة التي تطرحها التكنولوجيا هو ما يقود إلى هذا التغيير».