بحب اتنين سوا الميَّه والهوا

هل يمكن اعتماد الطب البديل وسيلةً علاجية؟

الصورة: pixabay

يثير لجوء ملايين البشر إلى الطب التكميلي والبديل، رغم قلة الأدلة العلمية على فعاليتها مقارنةً بالطب الحديث، عاصفةً من الجدل واللغط في الساحة العلمية. 

يفتتح الفيلسوف والطبيب والأستاذ الجامعي بول بيغلر مقاله عن الموضوع بقصة لاعب التنس الكبير نوفاك دجوكوفيتش، ولجوئه الدوري لتقنية «العلاج بالأكسجين المضغوط» في مدينة ملبورن الأسترالية، لاقتناعه بأنها تسرِّع التعافي بين المباريات.

يتكون العلاج من كبسولة مضغوطة يستلقي المريض داخلها ليتنفس هواء مكونًا بالكامل من الأكسجين. وليس دجوكوفيتش وحده من يستخدم هذه التقنية، بل يعتمدها ملايين الرياضيين لذات الهدف، وتقدمها بعض مراكز الطب البديل لعلاج الإصابات الرياضية، رغم أن الاستخدامات المثبتة علميًا للعلاج بالأكسجين المضغوط هي علاج «داء الغواص» (فقاعات مؤلمة في مجرى الدم بسبب التغير السريع في الضغط الخارجي للجسم)، والتسمم بأول أكسيد الكربون، بينما خلصت ورقة بحثية واحدة إلى أنها تسرع عملية التشافي العضلي وتخفف الالتهاب عند الجرذان.

يمتد الجدل القائم حول الطب البديل والتكميلي إلى الدوائر التشريعية، ويلاقي قانون أسترالي جديد لتنظيم العلاجات البديلة اعتراضات من مختصين وجماعات ضغط. فقد أصدر البرلمان الأسترالي قانونًا يتضمن لائحة بالادعاءات المسموحة التي يمكن أن تنسب للعلاجات الطبية البديلة، بالإضافة إلى المصادر المسموحة كأدلة على صحة الادعاءات. وقد أثارت بعض مواد اللائحة استياء جماعة الضغط المسماة بـ«أصدقاء العلوم في الطب» (FSM)، كما وصف بيغلر بعضها بأنها محيرة.

تجيز اللائحة مثلًا استخدام مصطلحات من الطب الصيني الشعبي، وتقبل الأخذ بكون العلاج «مستخدمًا بشكل تقليدي عبر 3 أجيال متعاقبة أو أكثر من 75 عامًا» كدليل على صحة الادعاء العلاجي.

ترى جماعة أصدقاء العلوم في الطب أن هذا التراخي في قبول أدلة الادعاءات الطبية يميع ضرورة الدليل العلمي الحقيقي كأساس للادعاء العلاجي، وقد يضلل المستهلكين ويحرمهم من العلاجات المثبتة لصالح تلك غير المثبتة. ولا ترفض الجماعة العلاجات الشعبية بشكل قطعي، بل تشترط أن تكون فعاليتها مثبتة بالدراسات العلمية الحديثة. 

تطالب الجماعة بوضع عبارة على الأدوية الشعبية غير المدروسة مفادها أن «الأدلة على فعالية هذا المنتج مستمدة من معتقدات شعبية فقط، وليس دراسات علمية حديثة». ويقول مؤيدو الخطوة إن هذا سيجعل الصورة أوضح لدى المستهلكين ويدفعهم إلى اتخاذ قرارات أفضل، بينما يشكك كاتب المقال في فائدة هذا الإجراء من دون وعي شعبي بطرق الاستدلال العلمي في الطب. 

هل الاستخدام الشعبي دليل على فعالية العلاج؟ 

الصورة: tasnimnews

أبرز اعتراض على اتخاذ الاستخدام الشعبي وحده كدليل، بحسب بيغلر، أن هذا النوع من الأدلة مبني بالكامل على التناقل والتجارب الشخصية. 

يبقى اتخاذ القصص المتناقلة والفردية دليلًا على فعالية العلاج من أبرز النقاط الخلافية، ويعتَبر أنصار الطب البديل أنه من التناقض وازدواجية المعايير لدى العلماء أن يُرفض الدليل الفردي إذا ما كان لصالح الطب البديل، في حين يُعتد بالدراسات الفردية في الساحة العلمية. وبينما يشدد كثير من المختصين على ضرورة التعامل مع نتائج التجربة العلمية وحدها كدليل على فعالية العلاج، فإن آخرين لا يمانعون من التعامل مع الدليل المتناقَل بجدية أيضًا. 

يقول مارك كوهين، وهو طبيب وأستاذ جامعي في الطب البديل في جامعة ملبورن الملكية للتكنولوجيا (RMIT)، إنه شاهد بشكل شخصي نجاح الإبر الصينية في معالجة الربو، وإنه لن يتردد في تطبيقها إذا كان على جبل في مكانٍ ناءٍ وأصيب أحدهم بنوبة ربو، بحسب تعبيره. 

أما الطبيب في جامعة واشنطن مارك تونيللي، فيعزو تفضيل الدليل المستمد من التجربة السريرية على الدليل المتناقَل إلى كونه خيارًا معرفيًا فحسب، وليس ضرورة علمية. 

يذكر بيغلر في المقال أن هذا خلط خطير، فالتجارب الشخصية والفردية لا يُعتد بها كدليل علاجي لأسباب عديدة، من ضمنها أن التشافي قد يقع لكونه الصيرورة الطبيعية للمرض فحسب، وليس بفضل العلاج. لكن أبرز مشكلة في قصص النجاح الفردية هي تأثير الإيحاء أو «بلاسيبو»، وهو تأثير لا يستهان به، وليس عديم الخطورة. يقول، بيغلر إن 75% من فعالية مضادات الاكتئاب تعود إلى التأثير الإيحائي، ويورد في مقاله نتيجة دراسة مفادها أن بخاخًا للربو جعل المرضى يشعرون بتحسن، دون أن يحسن البخاخ فعليًا من أداء الرئتين. 

الحل الوحيد لدفع الناس لاتخاذ خيارات علاجية ذات أسس سليمة، في عصر الحريات الفردية، هو التثقيف الصحي.

هذا التأثير خطير جدًا، لأنه قد يحرم المرضى من العلاجات ذات التأثير الحقيقي، مما قد يؤدي إلى نتائج وخيمة. ويعتبر بيغلر أن الدراسات العلمية والسريرية هي الطريقة المثلى والوحيدة لمعرفة ما إذا كان التشافي يعود لفعالية العلاج، أو لكونه إيحائيًا وحسب.

ليست كل العلاجات الشعبية غير مستندة إلى دليل علمي. فمثلًا، يوضح المقال أن علاج الملاريا المسمى «آرتيميسينين» هو بالأساس علاج شعبي صيني، أثبتت التجارب العلمية المحكمة فعاليته. لكن بحسب مارك كوهين، فليست كل ادعاءات الطب البديل قابلة للدراسة والتحقق العلمي. فمثلًا لا يمكن دراسة فعالية أحواض الثلج (في مقابل عوامل أخرى) على مجموعة من البشر لنفي تأثير البلاسيبو. بالإضافة إلى أن كثيرًا من علاجات الطب البديل والتكميلي لا تخضع لدراسات علمية مكثفة، بحكم اعتبارها منخفضة الخطورة، وفقًا لكوهين.

لكن كل هذه العوامل لم تثنِ أكثر من 100 مليون أوروبي عن التداوي بالطب الشعبي الصيني، بحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية. 

يتساءل بيغلر عما إذا كان خيار هؤلاء في العلاج مبنيًا على وعي علمي حقيقي، ويعتبر أن الحل الوحيد لدفع الناس لاتخاذ خيارات علاجية ذات أسس سليمة، في عصر الحريات الفردية، هو التثقيف الصحي للجماهير ورفع الوعي. قد يتطلب هذا مبادرات مثل «Choosing Wisely Australia»، بالإضافة إلى رفع مستوى التدريب والجاهزية للعاملين في هذه المجالات. «إن رفع الوعي الصحي العام للجماهير هو الطريقة الوحيدة لتفادي وقوعهم ضحايا للخداع والوهم».