بحب اتنين سوا الميَّه والهوا

مفارقة الغوريلا: السيطرة للأقوى، لكن الإناث تفضل ذكرًا آخر

أحد ذكور الغوريلا يلاعب رضيعًا ليس ابنه - الصورة: Getty/Paul Souders

«إيسابوكورو» اسم ذكر غوريلا جبلي من طائفة فضيات الظهر، عاش في رواندا حتى وفاته عام 2017. الملفت للانتباه في هذا الذكر أنه كان محباً لصغار الغوريلا في مجموعته للغاية. أحد الصغار بالتحديد كان المفضل لديه، وكان دائما ما يداعبه ويحثه على اللعب معه، حتى عندما يرغب الصغير في فعل أمور أخرى مع أقرانه.

ليس اهتمام «إيسابوكورو» بالصغار في مجموعته أمر فريد من نوعه، إذ وجد أن كثيراً من ذكور غوريلا الجبال برواندا يظهرون قدراً كبيراً من العاطفة تجاه الأطفال مثل ايسابوكورو تماما. 

في مقاله على موقع «The Atlantic»، يوضح الكاتب العلمي «إد يونغ» أن هنالك كثيراً من السلوكيات التي تظهرها الغوريلات الذكور في التعامل مع الأطفال، يمكن تفسيرها في الرغبة البسيطة في التزاوج مع أكبر عدد ممكن من الإناث. يداعب الذكور في هذه المجموعة صغار الإناث، ويلعبون معهن، بل وأحياناً يسمحون لهن بالتجول في أعشاشهم الخاصة.

تقول ستيسي روزنباوم الباحثة في جامعة نورثويسترن الأمريكية أن ما يفعله هؤلاء الذكور أقرب لمجالسة الأطفال، فهم شديدو التحمل والتفهم بالنسبة لمجتمعهم العنيف والقوي، وحتى الذكور الذين لا يفضلون اللعب مع صغار الإناث، سيتركونهن يلهين حولهم، بل ويحتملون بصبر مشاغباتهن.

هل سلوك الغوريلات غير مفهوم؟

ذكر غوريلا يلعب مع أحد الأطفال

في عالم الحيوان، عادة ما تكون رعاية الأطفال والاهتمام بهم من نصيب الأم لا الأب. ينطبق هذا حتى على المجتمعات التي تُظهر تعقيدًا في بنيانها الاجتماعي، مثل مجتمعات الفيلة، التي لا يحمل الأب فيها أي عبء تربوي. لكن هنالك عدداً من المجتمعات يلعب فيها الأب دوراً أكبر، ويساهم في رعاية أطفاله بشكل ملحوظ، مثل الثعالب الحمراء.

ما يجعل مجتمع غوريلا الجبال في رواندا مختلفا عن باقي مجتمعات الحيوانات التي يرعى فيها الأب أطفاله، أن ذكر الغوريلا لا يرعى أولاده هو فقط، بل أي طفل يلاقيه سواءً بسواء. هذا ما اكتشفته ستيسي أثناء دراستها للغوريلات.

ذكور الغوريلا الذين يلاطفون الأطفال ينجحون في التزاوج مع عدد أكبر من الإناث، وبالتالي ينجبون عددًا أكبر من الأطفال.

كان هذا غريبًا جدًا. فطبقا للدراسات التطورية التي توصلنا إليها الآن، رعاية الأطفال أمر يستوجب اهتمامًا وجهدًا كبيرين، فلن يفكر ذكر في حمل هذا العبء ما لم يكن الطفل يخصه.  

هذا التصرف ربما نلاحظه بسهولة في المجتمعات أحادية الزواج، التي لا يدخل الذكر والأنثى فيها أكثر من علاقة، وليس في مجتمع متعدد مثل الغوريلا.

لم تمر الظاهرة مرور الكرام، وبدأت ستيسي ومجموعتها البحثية دراسة تحليلية لتصرفات غوريلا الجبال هذه، ومحاولة اكتشاف كيف يفيد تصرف كهذا الذكور لكي يفعلوه. والإجابة في بحث آخر، يوضح أن الذكور الذين لديهم حس أبوي عالٍ وسلوك أوضح في ملاطفة الأطفال، هؤلاء ينجبون أطفالًا أكثر، وهو ما يعزز فرصهم في تمرير جيناتهم.

دراسة ستيسي توضح أن الذكور الذين يلاطفون الأطفال ينجحون في التزاوج مع عدد أكبر من الإناث، وبالتالي ينجبون عددًا أكبر من الأطفال. لماذا يعتَبر إنجاب الأطفال أمرًا جيدًا بالنسبة إلى ذكر الغوريلا؟ ﻷنه يعني استمرار جيناته وبقائها، وهذا أكثر ما يرغب فيه أي نوع من المخلوقات: ألا ينقرض.

لكن الأمر لا يتعلق فقط بـ«مزيد من الأطفال»، بل بأضعاف نسبة الأطفال التي تنجبها الغوريلا الأقل ملاطفةً للأطفال. وتؤكد كات هوبيتر، الباحثة في جامعة سانت أندرو، أن الباحثين في العادة يلاحظون فروقات بسيطة عند مقارنة وسائل التزاوج المختلفة، فروقات أقرب إلى الكسور العشرية، لكن أن يصل الفارق إلى خمسة أضعاف؟ الدلالة واضحة.

تزاوج الغوريلا: ليس للأمر علاقة بالمرتبة

عالم الأحياء التطورية «فرانس دي فال» يتحدث عن سلوكيات ذكور الغوريلا (مصحوب بترجمة إلى العربية)

لم تختلف النتيجة في أي تجربة أخرى. وحتى عندما حاول الباحثون استبعاد الذكور الأعلى شأنًا في المجموعة، ودراسة الفروقات بينها وبين الذكور الأقل رتبة، بقيت الأمور دائماً على نفس الشاكلة: ملاطفة الأطفال أكثر = فرصة زواج أكبر = أطفال أكثر، حتى لو لم يكن الذكر الأقوى.

لم تكن المرة الأولى التي يُلحظ فيها هذا التصرف. باحثتان أخريان ذكرتا أنهما لاحظتا التصرف نفسه مع مجموعة من الغوريلا خلال السبعينيات، لكن يبدو أن أحدًا لم يتوقع أن يكون له تأثير على العملية التطورية أكثر من كونه مجرد  «فعل لطيف»، بحسب ما تذكر ستيسي روزنباوم.

وقتها، وبدلًا من متابعة هذا التصرف، اهتم العلماء بدراسة المنافسة الشرسة بين الذكور من أجل الحصول على الإناث، والتي من أجلها صارت أجساد الذكور أكبر بكثير من أجساد الإناث، وأكثر قوة. لكن يبدو أن القوة لم تكن المؤثر الوحيد في المنافسة.

لم تنتهِ القصة بعد، فستيسي تعتقد أن الإناث تلعب دورا في اختيار الذكر الذي ستتزاوج معه، وبالتالي تنجب له أطفالا. تفكر الباحثة في أنه ربما تميل الإناث إلى الذكور التي تلاطف الأطفال ﻷن هناك صفات شخصية معينة موجودة عند هذه الذكور، أو أن الفعل في حد ذاته مثير للإناث.

ما يحدث عند الغوريلا قد يساعدنا على فهم تطورنا، وكيف تحولنا من مجتمع متعدد الزواج إلى وضع الأسرة الحالي.

تعلق «إليس هوشارد»، الباحثة في جامعة مونبلييه الفرنسية، بأن هذا التصرف يطرح أسئلة محورية كثيرة: هل يمكن للإناث أن يتحكمن في الذكر القائد الجديد عن طريق اختيار التزاوج مع الذكر الذي يداعب الأطفال؟ هل تختار الإناث الذكر الألطف بدلاً من الأقوى؟ هذا التصرف يضيف بعدا جديدا للنظرية التطورية، ويعني احتمال وجود عامل كبير للأنثى فيها وليس فقط الذكر.

يمكن أن نفهم سبب هذا الاختيار لو نظرنا إلى دور الذكر المسيطر أكثر في مجموعة الغوريلا. فالذكر المسيطر يلعب دوراً مهماً في تعزيز علاقات المجموعة ببعضها بعضًا، بالإضافة إلى منع المنازعات بينهم. 

يرى البروفيسور «فرانس دي فال»، عالم الأحياء التطورية، أن هنالك عدداً من السلوكيات تحرص الغوريلا الذكور على إبدائها من أجل أن تلاحظها الإناث، مما يزيد من فرصهم في التزواج. فالرغبة في ملاعبة وملاطفة الصغار هي في الأساس رغبة في إظهار اللطف والتفاهم، وهي صفات تقدِّرها الإناث في الذكور.

ما يحدث في مجتمع غوريلا الجبال قد يكون دليلا يساعدنا على فهم تطور الجنس البشري نفسه. كان جنسنا في بداياته مجتمعًا متعدد الزواج، وكان الذكر غير مسئول عن رعاية الأبناء، بينما نرى الآن الرجال يعيلون الأُسر. هل كان هذا نتيجة انتقاء أنثى البشر للذكر الذي يهتم أكثر بالأطفال، لا الذكر القوي فحسب؟

, , , ,