عيب يا لولو عيب

علاج نفسي بديل: المخدرات عوضًا عن أدوية الاكتئاب

لقطة من فيلم «Fear and Loathing in Las Vegas» - الصورة: Universal Picture

عرف الإنسان المخدرات على مر تاريخه، إذ لجأ الأطباء في العصور القديمة والوسطى إلى عديد من النباتات والمواد المخدرة المستخرَجة منها لمعالجة العلل النفسية والجسدية المختلفة. وفي ذلك الوقت، نادرًا ما وُضع حدٌّ فاصل بين الفوائد النفسية والفسيولوجية لهذه المواد، لكن تطوُّر الطب الحديث أكد التقاطع الحاصل بين الأمراض الجسدية والنفسية، وتأثير كل جانب على الآخر.

مع ذلك، ورغم التقدم الهائل في أساليب العلاج الطبي التي حسنت حياتنا وضاعفت عمر الإنسان، فعدد قليل من الدراسات فقط حاول معرفة كيفية التعامل مع المشاكل النفسية، ونوعية العلاجات التي يجب وصفها لمرضى الاكتئاب، والتي لا تخلف آثارًا جانبية مؤذية على صحتهم الجسدية بينما تحسن فعلًا حالتهم العاطفية.

في السنوات الأخيرة، شاع استخدام أدوية مثل الفاليوم والبروزاك والزولفت لعلاج الاكتئاب والقلق، إلا أن عددًا من الدراسات والبحوث التحليلية أظهر أن فائدة هذه الأدوية تكاد تكون معدومة عند من يعاني نوبات اكتئاب خفيفة أو معتدلة، في حين تبقى قدرتها على معالجة الاكتئاب الحاد موضع نقاش مستمر.

في ظل هذا الوضع، يقترح كلٌّ من عالم الأعصاب «مارك لويس»، والباحث في قسم طب الأسرة بجامعة بريتوريا «شون شيلي»، في مقالهما المنشور على موقع «Aeon»، منظورًا مغايرًا لما هو سائد بخصوص هذا الموضوع، إذ يريان أن استخدام المسكنات الأفيونية و عقاقير النشوة (الإكستازي) قد تكون بديلًا فعالًا في التخفيف من حدة المشاكل العاطفية والنفسية دون آثار جانبية خطيرة.

المواد المخدرة بين الماضي والحاضر

رحلة في عالم المهدئات وأدوية الاكتئاب

تاريخيًّا، اعتمد البشر على تشكيلة متنوعة من المخدرات لعلاج المشاكل العاطفية، فيروي المقال أن استخدام المواد الأفيونية شاع في العصر الفيكتوري للتقليل من القلق والحزن ومعالجة مشاكل النوم، أما السكان الأصليون لأمريكا الجنوبية فقد لجؤوا إلى أوراق الكوكا لتعزيز قدراتهم البدنية والعقلية.

استخدم سيغموند فرويد الكوكايين لشحذ الذكاء وزيادة التركيز في مطلع القرن العشرين، بينما أعاد شباب الجيل الحالي اكتشاف فوائد القِنَّب الهندي وقدرته على توسيع آفاقهم الاجتماعية والفكرية.

لكن هذه المواد المخدرة محظورة في كل أرجاء العالم تقريبًا، حسب ما جاء في المقال، واستخدامها كعلاج للمشاكل النفسية يضرب عرض الحائط بالتقاليد الطبية وبالمجتمع ككُل، إذ أن الرأي السائد هو أن المخدرات تستعمل لتحقيق شعور النشوة، وليست لها أي أغراض علاجية ممكنة.

قد يهمك أيضًا: لماذا تلجأ أعداد متزايدة من الناس لتجربة «السايكديليك»؟

السردية التي تُمرَّر لمنع هذا النوع من المخدرات وأي بحوث تدرس آثارها بدقة تقول إنها إن لم تقتلك فعلى الأقل ستُدخلك في حالة من الإدمان.

وفقًا للجمعية الطبية الأمريكية وعدد من المعاهد الوطنية للصحة، تصبح التغيرات الدماغية الناجمة عن الاستخدام المتكرر لهذه المخدرات غير المشروعة دائمة، وهو ما يؤثر في قدرة المدمنين على ربط علاقات مع الآخرين وسيطرتهم على سلوكياتهم.

أرقام حول الإدمان

تأثير إدمان الكوكايين على مخ الإنسان

معظم من وُصموا بأنهم يعتمدون على المخدرات ولن يتوقفوا عن تعاطيها، تعافوا في النهاية دون حاجة لعلاج.

يرى الكاتبان أن الإدمان ليس مسألة بسيطة، لأن تغيرات الدماغ المرتبطة بالإدمان تظهر كلما شعر الناس بالحماس المصاحب لتحقيق أهداف كبيرة ومميزة، سواء في الرياضة أو الدين أو السياسة أو الحب، بل حتى في التسوق، وكذلك لأن الإدمان ليس تلقائيًّا ولا مزمنًا.

أقل من 10% فقط من الذين يتناولون المسكنات الأفيونية للألم يصيرون مدمنين، وتصل هذه النسبة إلى 1% بالنسبة لمن لم يسبق له تعاطي المخدرات، ومِن بين الذين يصبحون مدمنين يُقلِع النصف في غضون أربع إلى خمس سنوات، ويُقلِع جميعهم تقريبًا في نهاية المطاف.

يتوقف مدمنو الكوكايين في المتوسط بعد أربع سنوات من بداية التعاطي، أما مدمنو القِنَّب الهندي فيُقلِعون في المتوسط بعد ست سنوات. وخلافًا للرأي العام، معظم الأشخاص الذين يوصَمون بأنهم يعتمدون على المخدرات ولن يتوقفوا عن تعاطيها، يتعافون في النهاية، ويفعل غالبيتهم ذلك دون حاجة لأي علاج رسمي، وفقًا لما ورد في المقال.

عولمة الإدمان

ما الإدمان؟ وهل ينحصر في المخدرات فقط؟ 

لا ينحصر الإدمان في المخدرات، فهناك إدمان المقامرة والجنس والإنترنت وألعاب الفيديو.

عند معالجة مشكلة الإدمان، يسارع الأطباء إلى وصف المسكنات والمهدئات ومضادات الاكتئاب للمرضى، رغم أن هذه الأدوية تجر من يتعاطاها إلى الإدمان، فعلى سبيل المثال، يُعتبر تجاوز أعراض الانسحاب لأدوية الزولفت والزاناكس أمرًا مُضنيًا وشاقًّا.

هذه الانتقائية التي نراها في الميدان الطبي، حيث الإدمان أمر مقبول ومسموح به، وعلى مستوى المجتمع ككُل، حيث يُتغاضَى عن تبعات تعاطي الكحول والتبغ، رغم أن متوسط مدة الإدمان على الكحول 16 عامًا، في حين أن نصف مدمني التبغ فقط تمكنوا من الإقلاع عن التدخين بعد 30 عامًا، وكل هذا يجعل المسألة غير مفهومة، إذ أنك تكون أفضل حالًا عند إدمان الكوكايين والقِنَّب الهندي مقارنةً بالسجائر والكحول، وفقًا للمقال.

فضلًا عن هذا، لم يعُد الإدمان منحصرًا في المخدرات وحسب، إذ أن كثيرًا من الناس صاروا يطورون علاقات مستنزِفة تصل إلى الإدمان مع أنشطة أخرى مثل المقامرة والجنس والإنترنت وألعاب الفيديو، كردود فعل للإحباط والوحدة والضيق الذي يتخلل أسلوب الحياة المعاصر. يصبح الإدمان بهذا المعنى جزءًا من الحياة، بالرغم من حملات التشويه والتشهير والسجن التي يتعرض لها المدمنين في كل مكان.

قد يعجبك أيضًا: لماذا يشاهد الرجال البورن؟ الأسباب أكثر ممَّا نتوقع

بديل أكثر فعالية

ما تأثير الفطر السحري على مخ الإنسان؟

بمجرد تجاوزنا الخرافات المحيطة بالإدمان، ستبدو قدرتنا على معالجة المشاكل العاطفية واعدةً في المستقبل القريب. وبهذا الخصوص، يمثل السيلوسيبين خطوة أولى في الطريق نحو الحدِّ من المشاكل النفسية، فهذا العنصر النشط في الفطر السحري ليس سامًّا ولا يسبب الإدمان، كما يُضعِف أعراض اضطراب الوسواس القهري بشكل ملحوظ، ومع ذلك، لا يتمكن الأطباء من وصفه كدواء للعلاج لأنه يُصنف كمخدر.

اقرأ أيضًا: ربما يكون علاجنا من الاكتئاب في مخدر المشروم

يشير المقال إلى أن أحد الاضطرابات التي يمكن أن تنتفع من هذه المقاربة العلاجية الجديدة اضطراب ما بعد الصدمة، فنظرًا لكون العلاج الحالي يستلزم استرجاع الحدث وإعادة تجربة الخوف الذي أثاره في نفس المريض، يقلل عقار الإكستازي من استجابة اللوزة الدماغية للتهديد والخطر، ويخفض بالتالي من تأثير إعادة عيش التجربة على نفسية المريض.

تبيَّن أيضًا أن الكيتامين، الذي كان يُستخدم بالأساس في مجال الطب البيطري، يخفف من الاكتئاب بعد وصفة طبية واحدة موثوقة وآمنة، وإن كان لفترة محدودة من الزمن، إلا أن البحث في فعاليته سريريًّا بطيء بسبب العقبات القانونية التي يواجهها.

هل ستمكن الأبحاث من رفع الحجر الذي طال الإكستازي والكيتامين والسيلوسيبين طويلًا؟

بدلًا من القلق كثيرًا بشأن الإدمان الذي يميل إلى تصحيح مساره عندما تصبح الحياة محتملة، ربما يجب أن نركز أكثر بحسب المقال على مصادر المعاناة العاطفية، فالاكتئاب يقتل والقلق يدفع الناس إلى العزلة ويسبب أمراضًا مزمنة.

مع ذلك، تبقى فكرة وصف المسكنات الأفيونية والكوكايين والكيتامين لمساعدة الناس على أن يكونوا أفضل نوعًا من الهرطقة والثورة على الممارسة العلاجية التقليدية.

الإدمان قضية ثانوية، أما المعاناة العاطفية فهي المشكلة الحقيقية. وفي حياتنا اليومية، تؤدي توقعات النجاح التي نفرضها على أنفسنا والتي تفرضها علينا البيئة إلى ظهور القلق ومشاعر الذنب وحالات الاكتئاب، كما أنها تبعث داخلنا شعورًا بالفشل عند المقارنة مع الآخرين.

الاكتئاب والقلق عبارة عن مصطلحات عامة تحجب التنوع الهائل في أسباب الألم العاطفي وتداعياته، فهل ستمكن الأبحاث على الإكستازي والكيتامين والسيلوسيبين من رفع الحجر الذي طالها طويلًا؟ المستقبل وحده كفيل بالإجابة عن هذا التساؤل.

, , ,