فكر فيها

ساحرة الكلور: المرأة التي سقت السم لأطفال التوحد

الصورة: pxhere

ساحرة الكلور هو لقب أُطلق على الأمريكية «كيري ريفيرا»، التي كانت تعمل وكيلة للعقارات. ادعت ريفيرا أنها اكتشفت علاجًا لاضطراب التوحد عن طريق شرب ثاني أكسيد الكلور. وفي عام 2013، ألفت كتاب «شفاء الأعراض المعروفة باسم التوحد». وبالإضافة للشرب، أوصت الأهالي كذلك بحقن الأطفال شرجيًا بمركب ثاني أكسيد الكلور. نتيجة لذلك، لُقبت ريفيرا من قبل معارضي فعلها بـ«ساحرة الكلور».

الوهم وأتباعه

 

اعتمدت ساحرة الكلور على ادعاءات شخص يدعى «جيم همبل»، وهو أول من استخدام ثاني أكسيد الكلور للعلاج الآدمي قبل 20 عامًا. ادعى همبل أنه اكتشف العلاج السحري، كما أسماه، خلال رحلة استكشافية في أدغال أمريكا الجنوبية، حيث استخدم المركب الكيميائي لعلاج حالة من الملاريا. ولم يكتفِ بذلك، بل ادعى أن مركب ثاني أكسيد الكلور يعالج أمراضًا أخرى كالسكري والإيدز والسرطان.

ثاني أكسيد الكلور مركب كيميائي يستخدم كمنظف ومبيض ومعقم صناعي، وتناوله بجرعات كبيرة يسبب مضاعفات مثل الغثيان والقيء والجفاف الحاد والفشل الكلوي. مركبات الكلور سامة في العموم، وتسبب العديد من الأمراض الجسدية التي قد تؤدي للوفاة. حذر الأطباء من الساحرة وعلاجها مرارًا، وأوضحوا أن شرب المركب يسبب ضررًا لا يمكن إصلاحه، فهو يتلف أنسجة الجهاز الهضمي ويفسد كريات الدم الحمراء ويسبب الفشل الكلوي. 

ومع ذلك، اشتهرت الساحرة وانتشرت طريقة علاجها. أنشأت ريفيرا عدة صفحات على فيسبوك حُجبت بعد ذلك، ونشرت عدة مقاطع فيديو على يوتيوب. أخذ متابعيها من أهالي الأطفال ذوي التوحد يزدادون يومًا بعد يوم من عدة دول، منها أمريكا وبريطانيا. 

أنشأت الساحرة لهم مجموعات على فيسبوك تعلمهم فيها كيف يسقون أبناءهم ثاني أكسيد الكلور وحجم الجرعات اليومية. أخذ الأهالي يطبقون تعليماتها ويرسلون لها ما يحدث لأبنائهم. وفي إحدى المرات، نشرت الساحرة رسالة أم تخبرها فيها ما حدث لابنتها عندما أعطتها كميات كبيرة من المركب السام. «لقد كنتِ محقة يا كيري، فأمس صارت ابنتي كالشيطان تصرخ وتخرمش، فضاعفت الجرعة ثلاثًا». هكذا بدأت الأم رسالتها، ثم استمرت تصف كيف تغيرت ابنتها مما جعلها تزيد من الجرعات: «... وسقيتها ثمانِ مرات. لقد كنتِ محقة، حفاضتها امتلأت بالطفيليات (…) والآن ضاعفت الضعف فأعطيتها 16 جرعة قبل النوم».

الحقيقة وأبطالها

بالطبع تدعي الساحرة أن ثاني أكسيد الكلور غير قاتل، لكن الإحصائيات الحديثة تنفي تلك الادعاءات. مراكز مكافحة السموم بأمريكا كشفت أن قرابة 2500 طفل، أعمارهم لا تتجاوز الثانية عشرة عامًا، قد تسمموا بثاني أكسيد الكلور في الخمس سنوات الماضية. لكن لم تكشف الإحصائيات كم كان عدد الأطفال الذين لديهم توحد من بين الذين تسمموا، وكم عدد الأطفال الذين تجرعوا المركب بسبب الساحرة. 

في عام 2017، أُدخلت طفلة لديها توحد عمرها ست سنوات إلى المستشفى بسبب تليف في الكبد نتيجة لشرب المركب، لكن قبل ذلك في 2015، دخلت بطلة بريطانية تُدعى «إيما دلماين» في قصة الساحرة. دلماين امرأة بريطانية ناشطة في حقوق التوحد، لكونها هي وابنتها من ذوي التوحد. لما سمعت بالساحرة وفكرة علاجها، أخذت تحاربها بشراسة، فأصبحت تظهر في وسائل الإعلام والصحافة لتنتقد ريفيرا وتبين دجلها وخداعها، وتوعي الناس بأضرار استخدام المركب. 

نتيجة لجهود دلماين، ومعها الأفراد والأهالي الذي ينضمون إلى مجموعات الساحرة مدعين أنهم يريدون استخدام الكلور مع أطفالهم بينما هم في الحقيقة يجمعون أدلة للإيقاع بها، أغلق فيسبوك في 2018 عدة صفحات لساحرة الكلور اعتمادًا على الأدلة ومطالبات المعارضين. لكن ريفيرا لم تستلم لتلك الضربة، فأنشأت صفحات ومجموعات أخرى، وأصبحت تشدد على مسألة المنضمين لمجموعاتها لتتأكد ألا جاسوس بينهم كما حدث بالسابق. 

استمرت الحرب بين الساحرة والمعارضين، وبدأت جهود المعارضين تثمر أكثر، فاستجاب لهم يوتيوب وحذف أغلب مقاطع الفيديو التي تشجع على استخدام ثاني أكسيد الكلور للشفاء من التوحد. ثم كانت الصفعة القاسية للساحرة في مارس عام 2018، عندما أزالت شركة أمازون كتابها من الموقع ومنعت بيعه نهائيًا. وتلتها صفعة أخرى من فيسبوك مجددًا بإغلاق صفحتها الرسمية. وكان كل ذلك نتيجة حملات المعارضين ومخاطباتهم للشركات. 

في تلك الأثناء، كانت بطلة أخرى متخفية عن الأنظار تُدعى «ميليسا إيلتون»، وهي أم لطفل متوحد، تنضم لمجموعات العلاج الوهمي للتوحد كجاسوسة لتجمع معلومات عنها، ثم تحاربها وتنشر الوعي. خاطبت إيلتون شركة ياهو لإغلاق البريد الإلكتروني للساحرة لأنها تستخدمه في تجارتها بثاني أكسيد الكلور للعلاج الآدمي. وبالفعل استجابت الشركة في إبريل 2018 وأغلقت بريد ريفيرا. 

هل انتهت القصة؟

تعيش ساحرة الكلور الآن في المكسيك، ولديها عيادة تمارس فيها دجلها، مدعية أنها عالجت 500 طفل لديه توحد. غادرت ساحرة الكلور إلى المكسيك لأن المدعي العام بولاية إلينور أجبرها على توقيع وثيقة تمنعها من الترويج لدجلها في الولايات المتحدة الأمريكية. لكن للأسف، يمكن الوصول للساحرة عن طريق الإنترنت، ولا تزال تمارس دجلها، ولا يزال كثير من الأهالي يصدقها. 

هل هناك أدلة علمية على فائدة استخدام الكلور مع ذوي التوحد؟ لا، ولا يمكن أن تعمل دراسة علمية على تجربته حتى لأن هذا ينافي أخلاقيات البحث العلمي. السُّمية العالية لمركب ثاني أكسيد الكلور ستعرض المشاركين في الدراسة لخطر كبير، لذلك لا يمكن أن يُسمح لدراسة كهذه بأن تحدث على أرض الواقع. 

يجب على أهالي الأطفال ذوي التوحد أن يفكروا في أولئك الذي يدعون أنهم أطباء ومختصون، ويطلبون منهم إعطاء أطفالهم خلطات وحميات معينة. هؤلاء موجودون على الإنترنت، يعملون في الظلام، لا أبحاث تؤيدهم، ويجعلونكم تقسمون ألا تخبروا أحدًا. ألا يشبهون تلك الساحرة؟ بالفعل نحتاج أن نسأل أنفسنا: كم من ساحرة وساحر بيننا يؤذي أطفالنا؟