بحب اتنين سوا الميَّه والهوا

سره في أصغر خلقه: النمل يعرف أسرار الزراعة منذ ملايين السنين

الصورة: Dawidi

ينفق بعضنا المال لمكافحة النمل المنزلي باعتباره حشرات مؤذية قد تُخجلنا من مستوى نظافة بيوتنا، لكن ربما يتغير سلوكنا تجاه تلك المخلوقات دقيقة الحجم عندما نعلم أن لديها معرفة كنا نظنها تقتصر على البشر، وبدلًا من أن نسحق النمل بكل استهانة، سيكون من حقه علينا أن نقف له احترامًا باعتباره المعلم الأول الذي عرف الزراعة قبل الإنسان.

عرضت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرًا وضحت فيه أن النمل، هذه الكائنات التي نراها شديدة الضعف، هي أول من عرف الزراعة التي أقام الإنسان على أساسها مختلف مظاهر حضارته لاحقًا.

النمل يزرع بنفس طريقة الإنسان

النمل: مزارعون أفضل وأقدم من الإنسان

هناك عالم كامل تحت سطح الأرض تحدث فيه أنشطة زراعية شديدة الشبه بالتي يمارسها الإنسان.

منذ ملايين السنين، وبعد فترة قصيرة من انقراض الديناصورات ومعها ثلاثة أرباع حيوانات الأرض، بدأ النمل ممارسة الزراعة في الغابات المطيرة الواقعة في أمريكا الجنوبية، حيث تعلم أن يزرع نوعًا من الفطر ليقتات عليه.

تنتشر اليوم 250 فصيلة من النمل في الغابات الاستوائية والصحاري والسهول العشبية في مختلف أنحاء الأمريكتين، تزرع حقولًا من الفطر في غرف تحت سطح الأرض، وتتبع في ذلك مراحل الزراعة التي نعرفها الآن كافة،  مثل إزالة النوابت الضارة والري، وأحيانًا استخدام مواد كيميائية مثل المبيدات، التي تحمي المحصول من البكتيريا المؤذية.

لو تسنَّى لنا مشاهدة باطن الأرض في الغابات الاستوائية المطيرة، سنرى عالمًا جديدًا فيه غرف تحدث داخلها أنشطة زراعية شديدة الشبه بتلك التي عرفها الإنسان ومارسها منذ فجر حضارته.

كيف تطورت مهارات النمل في الزراعة؟

تفاصيل مراحل الزراعة عند النمل

وتتَّبع باحثون بقيادة عالم الحشرات في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بولاية واشنطن الأمريكية، «تيد شولتز»، راحل تطور مهارة تلك الحشرة التي لا يتعدى حجمها طرف الإصبع حتى أصبحت مزارعة خبيرة، ونُشرت نتائج الدراسة في الدورية العلمية «Proceedings of the Royal Society B».

توصل شولتز وزملاؤه إلى نتائج مثيرة عندما قارنوا الشفرة الوراثية لـ78 فصيلة من النمل زارع الفطر بـ41 فصيلة لا تعرف هذا النشاط الزراعي، فوجدوا أن جميع الفصائل المزارعة ترجع إلى نفس النوع الذي عاش في غابات أمريكا الجنوبية المطيرة منذ 60 مليون سنة، إلا أنه منذ 30 مليون عام فقط انقسم هذا النوع إلى فصيلتين، ومن ثَمَّ بدأ الانتشار في الأنحاء التي يعيش فيها اليوم.

واحدة من هاتين الفصيلتين لديها أفراد مزارعين شديدي المهارة، تجعلهم ينقلون الفطر لزراعته في المناطق التي تتمتع بمواسم مناخية أكثر جفافًا في الصحاري أو غابات السافانا، حيث يعكفون على رعايتها في تلك المناطق داخل غرف تحت الأرض، ويعتمد الفطر في جميع مراحل نموه على النمل المُزارع.

يتمتع أفراد الفصيلة الأخرى بمهارات زراعية أبسط، ويبقى هذا النوع في الغابات الاستوائية المطيرة لزراعة فطر قادر على النمو والازدهار دون الحاجة لعوامل مساعدة أو رعاية مستمرة من النمل.

رجَّح شولتز أن يكون المناخ الجاف على مدار الوقت قد ساهم في خلق ظروف مناسبة لإمداد النوع الأول من النمل بمزيد من مهارات الزراعة، مثل التحكم في درجة الحرارة التي ينمو فيها الفطر عن طريق زيادة عمق الغرف التي يزرع فيها، بل والتحكم في رطوبة هذه الغرف بتزويدها بالمياه المستخلصة من الفاكهة أو النباتات،  أو حتى من قطرات الندى في الصباح.

قد يعجبك أيضًا: الزراعة أكثر فتكًا بالحيوانات من تربية الماشية

النمل يستخدم الصُّوبات الزجاجية

الزراعة في الصوبة الزجاجية
الزراعة في الصوبة الزجاجية - الصورة: Joi Ito

مهما بلغنا من العلم والقوة فلا مانع أن نجلس في خضوع لنتعلم من حشرة.

توصل النمل المُزارع إلى تقنية الزراعة داخل الصُّوَب التي عرفها الإنسان حديثًا، والتي تحدث بتهيئة الظروف المناخية مثل الحرارة والرطوبة لزراعة محاصيل في غير موسمها، وهو ما يؤكد سبق النمل، ليس فقط باكتشاف الزراعة كنشاط بدائي، بل كذلك إلى ممارسة مهارات يعتبرها الإنسان أحد مظاهر تطور حضارته.

يرى الباحثون أنه يتحتم على الإنسان الاستفادة من الطُّرُق التي يتبعها النمل في الزراعة، فرغم أن حقول النمل لا يُزرع فيها إلا محصول واحد، لكنه يستطيع المحافظة على خصوبتها على مدار فترة تتراوح بين 15 إلى 20 عامًا، لحرصه على التخلص من الفطريات الضارة التي يمكنها القضاء على المحصول، وبث مواد كيميائية تنتجها المحاصيل المزروعة لقتل الفطريات الضارة.

يفتح هذا الاكتشاف الطريق أمام الإنسان للاستفادة من النمل في المحافظة على المحاصيل وتجنب الأوبئة الزراعية، بل والحفاظ على خصوبة الأرض وزيادة إنتاجيتها، كما يعطينا درسًا قويًّا بأنه مهما بلغنا من العلم والقوة فلا مانع أن نجلس في خضوع لنتعلم من حشرة،  ربما ندهس العشرات منها يوميًّا دون أن نلقي لها بالًا.

, , ,