فكر فيها

علاج حقيقي أم شفاء بالوهم: من سيرة مضادات الاكتئاب

الصورة: Getty/David Cheskin

بالتوازي مع ازدياد الحاجة إلى علاجات الاكتئاب أثير جدل حول حقيقة دور تلك الأدوية وفعاليتها في علاج الحالات بمختلف درجاتها، وعلى اختلاف شرائح المرضى، فظهرت دراسات تؤكد أن تأثيرها لا يعدو كونها علاجًا وهميًّا، في حين أكدت دراسات أخرى فعاليتها، وتناولت الأبحاث تأثيراتها وأخطارها، لكننا أخيرًا قطعنا شوطًا كبيرًا في حسم الجدل، بدراسة جامعة لكل النتائج السابقة عرض نتائجها تقرير على صحيفة «النيويورك تايمز».

أبحاث الاكتئاب المسكوت عنها

تكمن مشكلة الجهود العلمية السابقة في التحيز لصالح الدراسات الداعمة لفعالية عقاقير مضادات الاكتئاب.

ففي الوقت الذي أجرى فيه العلماء أبحاثًا أثبت بعضها تأثيرًا حقيقيًّا لمضادات الاكتئاب، ورأى بعضهم الآخر عكس ذلك، كان هناك ميل لدى المجتمع العلمي إلى نشر الدراسات المؤيدة لتأثيرها وإخفاء الدراسات الأخرى المعارضة، وهو ما حدث عام 2008، عندما اضطرت مجموعة من العلماء إلى اعتماد نتائج تجارب على مضادات الاكتئاب للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على تداوله تجاريًّا، بالرغم من عدم عرض نتائج الأبحاث كاملة.

عندما بحث العلماء في أرشيف الدراسات التي أجريت على مضادات الاكتئاب وجدوا 74 دراسة أجريت على 12,500 مريض بين عامي 1987 و2004، واتضح لهم أن نحو نصف هذه الدراسات فقط هي ما أظهر نتائج إيجابية في ما يتعلق بتأثير مضادات الاكتئاب، في حين أن النصف الآخر أظهر نتائج سلبية، ورغم ذلك لا تجد من بين الدراسات المنشورة سوى ثلاث دراسات فقط تُظهر أن مضادات الاكتئاب ما هي إلا علاج وهمي، في حين أن الدراسات الإيجابية تكاد تكون نُشِرَت جميعها.

قد يعجبك أيضًا: بلاسيبو: هل تصلح الأدوية الوهمية كعلاج للأمراض؟

في عام 2008، نُشرت دراسة أخرى اعتمدت على بيانات واردة من إدارة الدواء والغذاء الأمريكية أيضًا، لكنها بحثت مسألة جديدة، هي علاقة فعالية مضادات الاكتئاب بشدة حالة الاكتئاب التي عانى منها المتطوعون في الدراسة.

كشفت النتائج أن فعالية تلك العقاقير تقتصر فقط على من يعانون حالة اكتئاب متوسطة، في حين نجد تأثيرها ضئيلًا مع نوبات الاكتئاب الشديد.

كيف خرجت الحقيقة إلى النور؟

ينبغي على كل طبيب مناقشة الفوائد والأضرار المحتملة لمضادات الاكتئاب مع المريض.

نستنتج مما سبق أن العلماء بالغوا في الحديث عن فعالية مضادات الاكتئاب رغم أن تأثيرها الإيجابي ظهر فقط على شريحة منتقاة من المرضى.

ينقل المقال أن تلك النتائج دفعت الباحث «جون إيوانيديس» إلى جمعها والحديث عنها في دراسة شاملة نُشِرَت عام 2008، في الدورية العلمية «PEHM»، أوضح فيها أن الدراسات السابقة على مضادات الاكتئاب إن كانت لها أهمية إحصائية، فقد فشلت في تحقيق أهمية سريرية، إذ إننا لا نعلم الكثير عن أضرار مضادات الاكتئاب على المدى الطويل بسبب تحيز الدراسات المنشورة.

قررت مجموعة جديدة من الباحثين، من ضمنهم إيوانيديس، إعادة استكشاف الأرشيف العلمي والبحث عن الدراسات، المنشور منها وغير المنشور، للاطلاع على الصورة كاملة، والخروج من مأزق التحيز للدراسات المؤيدة لفعالية مضادات الاكتئاب.

لجأت المجموعة إلى موارد المعلومات المتاحة كلها دون انتقاء مصدر بعينه ولا نوعية معينة من الدراسات، للخروج بخلاصة كل ما توصل إليه العلم في هذا الشأن.

وصلت حصيلة التجارب من مختلف المصادر إلى 522، بإجمالي أكثر من 116 ألف مشارك، من بينها 86 دراسة لم تُنشر. حصلت المجموعة على كل تلك الدراسات من سجلات التجارب والمواقع الإلكترونية للشركات، واكتشفوا 15 تجربة منها عن طريق الاتصالات الشخصية، بل إن الباحثين تجاوزوا ذلك كله بالبحث عن البيانات غير المنشورة في الدراسات المتاحة بالفعل.

فوجئ العلماء بعد هذا الجهد المضني، واتباع أكثر الطرق موضوعيةً في استقصاء الحقائق، بأن النتائج مطمئنة للغاية، وأن مضادات الاكتئاب بالفعل ليست مجرد علاج وهمي كما ادعت بعض الدراسات، لكنها أكدت في الوقت ذاته أن تلك العقاقير تختلف بشكل بسيط بين مريض وآخر من حيث استجابته لها، لذا ينبغي على كل طبيب مناقشة الفوائد والأضرار المحتملة عند تناولها.

وأيضًا من بين النتائج المطمئنة أنه لم يتضح اختلاف جوهري بين التجارب محدودة النطاق والكبيرة.

قد يهمك أيضًا: ربما يكون الاكتئاب مفيدًا للإنسان

أخبار سعيدة، ولكن...

تبين لإيوانيديس وزملائه أن تمويل هذا النوع من التجارب عن طريق أصحاب الصناعات لم يُحدِث فارقًا في معدلات استجابة المرضى للعقاقير، ولاحظوا أن فعالية العقاقير المضادة للاكتئاب تزيد عندما تكون حديثة الإنتاج، وتقل في السنوات التالية لإصدارها.

لم تكن جميع نتائج الدراسة سارة، إذ تبين أنه حتى إن كان لمضادات الاكتئاب نتائج طيبة، فإن هذه النتائج تصبح متواضعة في حالات الاكتئاب الشديد، فقد قدمت الدراسة أدلة على مضادات الاكتئاب لا تبدأ في إظهار تحسن على الحالات الشديدة إلا في أول شهرين من بدء العلاج. وبسبب نقص البيانات الدقيقة، لم يتمكن العلماء من تحديد كفاءة مضادات الاكتئاب لدى الحالات المعتدلة.

يرى إيونيديس أن الدراسة التي أجراها مع وزملائه هي الأكثر شمولًا، لأنها جمعت بين الدراسات المنشورة وغير المنشورة، لكنه في الوقت ذاته يأمل أن تأتي الدراسات المستقبلية بمزيد من النتائج على مستوى استجابة الفرد لمضادات الاكتئاب، وأن تساعد العلماء في كشف ما إذا كان هناك مرضى يحصلون على نتائج حقيقية من مضادات الاكتئاب، في حين أن غيرهم لا يحصل على نتائج على الإطلاق.

يخشى الرجل استخدام بعض وسائل الإعلام نتائج دراسته لنشر العناوين المضللة على شاكلة «مضادات الاكتئاب بالفعل لها تأثير»، أو «إنهاء الجدل حول مضادات الاكتئاب»، فحتى آثار العلاج التي اكتشفوها يمكن أن تظل محل جدل، والمهم اكتشاف طرق لتحقيق أقصى استفادة من مضادات الاكتئاب وفقًا لاستجابة كل مريض على حدة.

, , , , , , ,