بعد أن طفحت تفاصيل "فضيحة السحوبات" والتي هي امتداد لظواهر فساد عديدة يتم إماطة اللثام عنها والتصدي لها بحزم العهد الجديد، طفت إلى سطح التحليل والتعليل استفهامات ملّحة عن مدى صدقية ومصداقية المؤسسات الرقابية المكلفة قانونيًا وأخلاقيًا بالإسراف في نزاهة الإشراف على نسج أواصر الثقة بين المواطنين وصناعة الفرح الشعبي بالسحوبات العامة، وليس لذوي الحظوة والمحظوظين وغيرهم، لأن الذي حدث لم يكن مجرد عيب تقني بل اختراقًا جسيمًا لمبدأ العدالة والشفافية في السحوبات التي تعد أبرز أوجه الترفيه الشعبي في المناسبات ودونها.
لقد أبانت السحوبات المشبوهة عن ثغرات تنظيمية رهيبة، تبدأ من غياب الرقابة المباشرة اكتفاءً بتقارير ذاتية دون تحقيق من جهة محايدة، بالإضافة إلى تقنيات مترهلة في أنظمة السحوبات تجعلها قابلة للتلاعب، والأدهى والأمر أن ما سبق ذكره قد تكرس عبر تشابك المصالح لبعض من يشرفون على السحوبات والمستفيدين الذين لم يعترفوا يومًا بوجود شبهة إخلال بنزاهة وعدالة هذه السحوبات.
إن أشد من فساد بعض السحوبات هو تكراره دون عقاب رادع يمر حتمًا عبر تفكيك منظومة الفساد من أساساتها غير السوية، استنادا إلى قرارات وقوانين تجرّم التلاعب بالسحوبات بعقوبات السجن والمصادرة، فضلاً عن رقابة مستقلة لجهات محايدة محلية أو إقليمية أو دولية، مع استخدام تقنيات إلكترونية تضمن شفافية السحوبات وإعلان نتائجها الموثوقة، عطفًا على ذلك هناك حاجة ضرورية وفرصة ذهبية لاستدراك ما فات من خلال تفعيل آلية إشراك المجتمع المدني في مراحل السحب وتفعيل الحق في الحصول على المعلومة.
لقد حان الوقت لاعتبار "فضيحة السحوبات" فرصة سانحة لتغيير قواعد اللعبة لإعادة بناء الثقة التي لا تقوم على الوعود مهما أقسم أصحابها بأغلظ الأيمان، وإنما على الحزم بعد العزم على إصلاح منظومة الترفيه الشعبي وتصحيح مسارها، مروراً بمصالحة شعبية لجبر خواطر المتضررين تعويضاً وبسط سلطة "نزاهة" في الرقابة والتحقيقات، تمهيداً لتأسيس نظام رقابي متين إليه نلجأ وبه نستعين، لمنع استنساخ الخيبات من فعاليات كان المراد منها ابتداءً وانتهاءً نثر الفرح لا الغُصّة.