كلمة منشور: الخليج وإيران.. حين تحترق قواعد اللعبة تحت ألسنة اللهب

نشر في 2026/03/15

لم يعد الحديث عن العلاقة بين ضفتي الخليج العربي ومحيطها الإيراني مجرد تحليل سياسي يتأرجح بين مد التهدئة وجزر التصعيد، بل تحول إلى استحقاق وجودي يعيد رسم خارطة المنطقة بقوة الحديد والنار، فالاستهداف المباشر للمنشآت المدنية والاقتصادية الخليجية لم يكن حادثًا عابرًا يُمحى ببيانات الاستنكار، وإنما شكل زلزالاً ضرب جدار الثقة المهزوز أصلاً وأعلن بوضوح أن قواعد اللعبة القديمة قد انتهت.

إن التحول الجوهري هنا ليس سياسيًا فحسب بل هو نفسي واستراتيجي انتقلت فيه هواجس الصراع من تنافس تقليدي على النفوذ إلى قناعة خليجية راسخة بأن هناك تهديدًا يطال ركائز الدول الخليجية ذاتها، فعندما يتم تصويب المسيّرات نحو المطارات المدنية ومنشآت الطاقة فهذا يعني أن طهران قد اختارت نقل المعركة من ساحات الوكلاء إلى قلب البيت الخليجي، مما أجبر السؤال المتقادم عن كيفية التعايش على التراجع أمام سؤال طاغٍ على المشهد الحالي مفاده: كيف نحمي الوجود الخليجي؟

إن المساس بالمنشآت المدنية كان بمثابة إحراق للحاضر والمستقبل، فهذه المواقع ليست مجرد أسمنت وحديد بل هي عصب الرؤى التنموية ومصير الأجيال، وعندما تطالها النيران فهي تحرق معها إمكانية بناء شراكة اقتصادية أو أمنية مع طرف يرى في تدمير مكتسبات جاره ورقة ضغط سياسية.

ومثل الأمس.. تسير العلاقة الخليجية الإيرانية اليوم في مسارين متوازيين لا يلتقيان إلا في الحذر الشديد، أحدهما دفاعي لتعزيز القدرات الذاتية وبناء تحالفات تقنية متطورة استنادًا لمبدأ من أراد السلام فعليه أن يتأهب للحرب، أما المسار الآخر فهو دبلوماسي مشروط مفاده أنه إذا لم تُغلق الأبواب فإن زمن الحوار من أجل الحوار بين العواصم الخليجية وطهران قد ولى لأن الحديث اليوم يدور حول ضمانات أمنية ملموسة وكف يد التدخل في الشؤون الداخلية للدول الخليجية.

الأكيد حاليًا أن الثقة مهتزة وقد كانت كذلك من قبل عبر ممارسات النظام الإيراني الذي أزهق الأرواح في سوريا واليمن ولبنان وسط إدانات عربية شديدة، فإن أرادت إيران أن يتم التعامل معها من قبل الدول العربية مستقبلاً فيجب عليها تغيير عقيدتها المتمثلة في تصدير الثورة، وبحسب المعطيات السالفة والمؤشرات المنظورة نجد أنفسنا كخليجيين وعرب أمام علاقة مشوهة مع إيران يحكمها تكريس الهواجس بنثر الرعب وإدارة الأزمات بدلاً من التعاون، حيث أثبتت التجارب أن المنطقة لن تستقر طالما بقيت لغة الصواريخ هي المترجم الرسمي للسياسات الإيرانية.

إن كسر الزجاج بين دول مجلس التعاون وإيران قد حدث بالفعل، وترميمه لا يكون بكلمات منمقة في بيانات تحاك بزخارف الصياغات، بل باعتراف حقيقي بأن حقبة التهديد الوجودي لدول الخليج العربي من آلة الحرب الإيرانية يجب أن تنتهي إلى الأبد، لأن مستقبل المنطقة إما أن يكون للجميع أو لن يكون لأحد والنهضة الخليجية التي تصر طهران على إطفاء نورها أثبتت ألسنة اللهب أنها لا تزيدها إلا توهجًا وإصرارًا على البقاء والتألق.


لقد مثلت بعض الدول الخليجية الرئة التي كانت إيران تتنفس من خلالها عندما قاطعتها دول العالم، بالرغم من الضغوط التي كانت تمارس من قبل الدول الحليفة لحجب الأوكسجين عن إيران، فكان رد الجميل من إيران لتلك الدول صواريخ لا تقتصر على القواعد العسكرية كما يزعمون، بل تعدتها لتشمل مناطق سكنية وفنادق ومنشآت مدنية حيوية.. فهل ستختار إيران عزلة دولية حتى من دول الجوار؟ هذا ما ستبينه الأحداث القادمة.

مواضيع مشابهة