في الثاني من أغسطس.. تفتح الكويت كتاب ذاكرتها لا لتحصي ندوب السنين وإنما لتتأمل كيف يتحول الجرح العتيق إلى وسام عزة على صدر الوطن، ستة وثلاثون عامًا مضت على صباحٍ ظن فيه الطغاة أن بإمكانهم محو اسم ضارب في جذور التاريخ، واجتثاث وطن لم يكن يومًا مجرد حدود وجغرافيا، بل كان ولا يزال فكرة للحرية والإنسانية لا تقبل الانخلاع، غير أن الشعوب التي تُعمّد بالرصاص وتُختبر بالنار لا تتبدد في الأثير، بل تُسبك في كير الابتلاء لتغدو أكثر صلابة وأنفذ بصيرة.
قوة الدول لا تُقاس بعديد الدبابات ولا بتكديس السلاح بقدر ما تُدرك بنبض القلوب حين تتلاحم في صدرٍ واحد لتكسر كبرياء الاحتلال
من رحم تلك الأشهر العجاف لم تخرج الكويت بمرارة الحقد، بل بوهج الحكمة، إذ تعلمت أن قوة الدول لا تُقاس بعديد الدبابات ولا بتكديس السلاح بقدر ما تُدرك بنبض القلوب حين تتلاحم في صدرٍ واحد لتكسر كبرياء الاحتلال قبل أن تتكلم مدافع التحالف، فقد علمنا الماضي أن الأمن ليس هبةً تتصدق بها الجغرافيا، لإيماننا بأنه عقيدة تُزرع في الأفئدة ووعي يتجدد مع كل إشراقة شمس بأن الاستقرار أمانة في عنق كل مواطن، مثلما علمنا التاريخ أن الأشقاء الحقيقيين هم سياج الروح في ليالي الفزع، لا أصحاب الشعارات الزائفة الذين يدارون سوءات أحقادهم بعبارات الوداد.
منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 تعود المحنة لتطرق الأبواب بوجه جديد وحقدٍ قديم، تنهال السماء بوابل المسيّرات والصواريخ المنطلقة من يد عدو إيراني متغطرس ووكلائه في المنطقة، على أرض ما كانت يوما إلا حمام سلام ودار أمان
واليوم.. وتحديدًا منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 تعود المحنة لتطرق الأبواب بوجه جديد وحقدٍ قديم، تنهال السماء بوابل المسيّرات والصواريخ المنطلقة من يد عدو إيراني متغطرس ووكلائه في المنطقة، على أرض ما كانت يوما إلا حمام سلام ودار أمان، وكأن القدر يضعنا أمام لوحة تتكرر فيها الألوان رغم اختلاف الأدوات، بالأمس كان العدوان يطأ الأرض بتعداد الجنود وجنزير الدبابات، واليوم يتخفى الغازي خلف الستار ويرسل جحافل موته الموجه عن بُعد مستخدمًا بيادقه لوكالة الحروب بدوافع تتقاطع عند أوهام العظمة والتعطش لابتزاز القرار والعجز عن التعايش مع دولةٍ استمدت قداستها من سيادتها وكرامة شعبها.
الكويت وهي تستحضر ذكرى الثاني من أغسطس وسط أعاصير الحاضر، تفعل ذلك لتقرأ طالعها في ضوء درسها القديم بأن الجبهة الداخلية المتماسكة هي الدرع الذي تتكسر عليه كل النصال، وأن التلاحم الخليجي ليس مجرد ترتيبات سياسية بل هو ميثاق وجود ومصير مشترك
إن الكويت وهي تستحضر ذكرى الثاني من أغسطس وسط أعاصير الحاضر، تفعل ذلك لتقرأ طالعها في ضوء درسها القديم بأن الجبهة الداخلية المتماسكة هي الدرع الذي تتكسر عليه كل النصال، وأن التلاحم الخليجي ليس مجرد ترتيبات سياسية بل هو ميثاق وجود ومصير مشترك، وأن اللجوء إلى الشرعية الدولية ومخاطبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن يظل سلاح الدول التي تؤمن بالحق المقرون بالحكمة.
وها هي اليوم.. وقد وجهت رسائلها إلى المحافل الدولية محتفظة بحقها الكامل في الدفاع عن نفسها، تعيد تأكيد أن السيادة ليست وثيقة تُطوى في الأدراج بل نبض حي يُدافَع عنه كل يوم، فالماضي بكل ما حمل من ألم صار مصباحًا يضيء دروب الحاضر، والحاضر بكل ما يحمل من تحدٍّ يصوغ عزيمة تليق بشعبٍ تعلم أن يحول جراحه إلى قوة وأن يبقى واقفًا شامخًا لا تهزه العواصف ولا تنال من هامته الأحقاد.